أحمد آدم
.. 2 - رد فعل الصين وروسيا
الاتفاق الأمني الجديد حول جرينلاند يمثل بالفعل إغلاقاً رسمياً لأبواب الجزيرة أمام أي تمدد عسكري أو اقتصادي حاسم لروسيا والصين في هذه المنطقة الاستراتيجية بالقطب الشمالي.
نظراً لأن الاتفاق يُلزم حكومة جرينلاند بالحصول على موافقة أمريكية مكتوبة وصريحة قبل قبول أي «استثمارات حساسة» أو أنشطة عسكرية من دول تعتبرها واشنطن خصوماً، فقد صدرت بالفعل ردود أفعال من موسكو وبكين تعبر عن رفض هذا المسار الإقصائي:
أ - الرد الصيني (رفض منطق «التهديد الصيني» وعسكرة القطب)
أدانت وزارة الخارجية الصينية المحاولات الأمريكية المستمرة لاستخدام ما تسميه واشنطن «ذريعة التهديد الصيني» لتبرير فرض الهيمنة وتوسيع النفوذ العسكري في القطب الشمالي.
الدفاع عن الاستثمارات المدنية: شددت بكين على أن اهتمامها بجرينلاند هو اهتمام اقتصادي وعلمي بحت (مثل أبحاث المناخ والملاحة التجارية والاستثمار في قطاع المعادن النادرة)، واصفة الإجراءات الأمريكية بأنها «تسييس للتجارة الحرة ومحاولة لتقويض قواعد السوق المفتوحة». وتخشى الصين تفريغ استراتيجيتها «طريق الحرير القطبي» من مضمونها بعد هذا الفيتو الأمريكي.
ب - الرد الروسي (التحذير من زعزعة استقرار المنطقة وعسكرة الناتو)
* انتقاد عقلية «الحرب الباردة»: وصف الكرملين وخبراء عسكريون روس التحركات الأمريكية الأخيرة بأنها «دق لآخر مسمار في نعش النظام المؤسسي القائم على القواعد في القطب الشمالي». وترى موسكو أن الاتفاق يحول الجزيرة رسمياً إلى ساحة مواجهة عسكرية مباشرة بدلاً من كونها منطقة تعاون دولي للمناخ.
* إبراز عجز الحلفاء الأوروبيين: سخرت وسائل إعلام روسية ومحللون من الرضوخ الأوروبي والدنماركي للضغوط الأمريكية، حيث وصفت تعليقات سابقة لوزارة الخارجية الروسية حلف الناتو بأنه «غير متوقع» ويسير خلف الرغبات الأمريكية التي تفرض «الأمر الواقع» على حلفائها لحسابات ترامب الداخلية.
* الرد الميداني الروسي: تؤكد التقارير أن روسيا لا تبحث عن قواعد داخل جرينلاند نفسها بل تعتبر المياه والأجواء المحيطة بها (منطقة فجوة جرينلاند-آيسلندا-المملكة المتحدة) مسرحاً حيوياً لعمليات أسطولها الشمالي. بناءً على ذلك، تعتزم موسكو الاستمرار في تعزيز وجودها العسكري الثقيل في قطاعها الخاص بالقطب الشمالي وتحديث قواعدها الصاروخية رداً على عزم واشنطن توسيع قاعدة «بيتوفيك» الفضائية (ثول سابقاً) في جرينلاند.
ترى بكين وموسكو أن ترامب نجح في ابتزاز الدنمارك وأوروبا بالملف الاقتصادي والتهديد بالتعريفات الجمركية، ليقتطع لنفسه نفوذاً دائماً يحرم الخصوم من كسر الهيمنة الغربية على ممرات القطب الشمالي وموارده الحيوية.
3 - رد الفعل الأوروبي
جاء رد الفعل الأوروبي على هذا الاتفاق بمثابة تراجع خطوة إلى الوراء لالتقاط الأنفاس، بعد أشهر طويلة من التوتر والتهديدات المتبادلة التي كادت أن تعصف بـ حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتتلخص الاستجابة الأوروبية في نقطتين نقاط أساسيتين تجمع بين الارتياح لتجنب المواجهة، والتمسك بالخطوط الحمراء للسيادة:
أ - ارتياح المفوضية الأوروبية لتجنب «الحرب التجارية»
تنفس الاتحاد الأوروبي في بروكسل الصعداء اقتصادياً؛ حيث كان ترامب قد هدد في يناير الماضي بفرض حزمة عقوبات وتعريفات جمركية انتقامية قاسية تصل إلى 25 % على ثماني دول أوروبية (من بينها الدنمارك، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا) لابتزازها في ملف جرينلاند.
الإعلان الحالي تضمن ضمنياً إيقاف وتجميد الحرب التجارية والتعريفات الجمركية العقابية التي كانت ستنهك الأسواق الأوروبية.
ب - استمرار التوجس الأوروبي (تأمين البدائل)
رغم القبول الحالي للاتفاق الأمني كأمر واقع لتهدئة البيت الأبيض، إلا أن قادة الاتحاد الأوروبي (مثل رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين) لم يغيروا نظرتهم الحمائية للجزيرة. الاتحاد الأوروبي كان قد بادر مؤخراً بضخ مئات الملايين من اليورو كمساعدات مباشرة لجرينلاند في قطاعات المناخ والطاقة والبنية التحتية، في محاولة لربط اقتصاد الجزيرة ببروكسل بدلاً من وقوعها تحت الهيمنة الأمريكية الكاملة. يرى القادة الأوروبيون أن منح أمريكا حق إنشاء قواعد جديدة في الجنوب (مثل خطط القواعد العسكرية الإضافية بجانب قاعدة «بيتوفيك») هو ثمن مقبول لحماية أمن القطب الشمالي ضد روسيا، شريطة ألّا تتحول الجزيرة إلى ملكية أمريكية خاصة.
4 - رد فعل الداخل الأمريكي على اتفاقية جرينلاند
رغم أن ترامب يحاول تسويق الاتفاق باعتباره انتصاراً أمنياً وتاريخياً لحماية القارة الأمريكية وبناء نظام دفاعي صاروخي جديد، إلا أن الشارع الأمريكي يبدي حياله انقساماً وفتوراً كبيرين:
فتظهر المسوح الإحصائية المستمرة (مثل استطلاعات Pew Research Center وAP-NORC) أن حوالي 70 % من البالغين الأمريكيين يعارضون سياسات ترامب العدائية السابقة للسيطرة على جرينلاند. وحتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، فإن ما يقرب من نصف الناخبين الجمهوريين أبدوا عدم ارتياح لأسلوب الابتزاز والتهديد العسكري وضغط التعريفات الذي مورس ضد حليف في الناتو مثل الدنمارك.
كما يرى قطاع واسع من الناخبين أن الاتفاقية هي «معركة في غير وقتها»؛ فالناخب العادي لا تشغله كثيراً الهيمنة على مناجم المعادن النادرة في القطب الشمالي بينما يعاني لتأمين احتياجاته الأساسية.
أ - معركة الاستفتاءات (هل تنقذ جرينلاند شعبية ترامب والجمهوريين؟)
الإجابة القاطعة هي: لا. الأثر السياسي الإيجابي لاتفاقية جرينلاند يكاد يكون معدوماً أمام الأرقام الاقتصادية الصادمة التي تضرب الإدارة حالياً:
* الانهيار القياسي في مؤشرات الاقتصاد والتضخم:وفقاً لـ استطلاع جامعة ماركيت (Marquette Law School) الأحدث، هبطت نسبة تأييد ترامب في إدارة ملف التضخم إلى 19 % فقط. ووصف كبار محللي البيانات في الشبكات الأمريكية هذا الرقم بأنه «أسوأ معدل صافي تأييد لملف التضخم لأي رئيس أمريكي في تاريخ استطلاعات الرأي الحديثة»
* عامل أسعار البنزين والديزل المدمر:سجلت أسعار الوقود في أمريكا مستويات قياسية تاريخية (تجاوزت 4.36 دولار للجالون في المتوسط، ووصلت في بعض الولايات والديزل إلى أرقام أعلى بكثير كـ 6.29 دولار) نتيجة الحرب والمواجهات المستمرة مع إيران واختناق مضيق هرمز. حث ترامب الأمريكيين على «تحمل الأسعار كثمن لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي»، لكن 61 % من الناخبين أكدوا في الاستطلاعات أن أسعار الوقود أصبحت تمثل ضائقة مالية كبرى لا يمكنهم تحملها.
* تراجع التقييم العام للرئيس والحزب: انخفض متوسط الرضا العام عن أداء ترامب في ولايته الثانية إلى نطاق يتراوح بين (37% و39 %) حسب تتبع النيويورك تايمز، مما يجعله ثاني أقل رئيس شعبية في هذه المرحلة منذ أربعينيات القرن الماضي.
في السياسة الأمريكية، هناك مقولة «إنه الاقتصاد يا غبي» الناخب الأمريكي يصوت دائماً بناءً على «محفظته وجيبه». ونتيجة لذلك، فإن التضخم وأسعار الديزل والبنزين هما العامل الأقوى والأشرس بمراحل من أي اتفاقية خارجية. المؤشرات الحالية في سوق التوقعات السياسية مثل منصةPolymarket) ) وتشير إلى تقدم كبير للديمقراطيين بنسبة تصل إلى 60 % للسيطرة على مجمل الكونغرس (مجلسي النواب والشيوخ) في التجديد النصفي القادم، حيث يتسع الفارق لصالحهم بـ12 إلى 13 نقطة كاملة في بطاقات الاقتراع العامة. اتفاقية جرينلاند يُنظر إليها كـ»بروباغندا جيدة» للإعلام الموالي لترامب، لكنها لم تنجح في تبريد الغضب الشعبي الناجم عن فواتير الغذاء والوقود اليومية .
رابعاً: من هرمز إلى القطب الشمالي: هل تمهد صفقة «جرينلاند» للانسحاب الناعم من إيران؟
تساؤلات بدأت تظهر للعلن هل اتجاه ترامب لتامين منطقته الأهم طبقا لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي تعطي مؤشرا بقرب انتهاء ترامب من حرب إيران وخروجه من المستنقع الإيراني؟
يرى الخبراء والمحللون الاستراتيجيون أن هذا التوجه يحمل قراءتين متناقضتين؛ فالتركيز على تأمين الأمريكتين قد يعجل بالخروج من المستنقع الإيراني، أو على العكس، قد يدفع نحو تصعيد حاسم لإنهاء الملف بسرعة.
1 - السيناريو الأول: «تصفير الأزمات» والخروج السريع
يرى هذا الاتجاه أن ترامب يواجه ضغوطًا اقتصادية وانتخابية هائلة في الداخل بسبب أسعار الوقود والتضخم الناتجة عن حرب المضايق والمواجهة مع إيران. بناءً على ذلك:
- قد يستخدم ترامب الضغط العسكري الأقصى والعقوبات الأخيرة (قانون ليندسي غراهام) ليس لشن حرب شاملة، بل لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتوقيع اتفاق جديد بشروطه، مما يتيح له إعلان «الانتصار» والانسحاب الفوري للتفرغ للجبهة الداخلية والأمريكتين.
وترامب تاجر في المقام الأول، وهو يعلم أن استمرار حرب استنزاف في الشرق الأوسط يستنزف تريليونات الدولارات التي يفضل استثمارها في بناء «الحصن الأمريكي» وتطوير القطب الشمالي وتأمين نفط وغاز الأمريكتين.
2 - السيناريو الثاني: «الحسم العنيف قبل الانكفاء»
على الجانب الآخر، يرى تيار من المحللين العسكريين أن استراتيجية الأمن القومي لترامب التي تركز على «تأمين الحصن» لا تعني الانسحاب بهدوء، بل قد تتطلب إغلاق الملف الإيراني بالقوة لضمان عدم بقاء أي تهديد وراء ظهره:
* إنهاء التهديد بشكل جذري: من منظور عسكري، لا يمكن لأمريكا الانكفاء بأمان داخل حدودها القارية بينما تسيطر إيران وحلفاؤها (مثل الحوثيين) على شريان الاقتصاد العالمي وممرات الملاحة الدولية (هرمز وباب المندب). لذا، قد يرى ترامب أن «الخروج من المستنقع» يتطلب ضربة عسكرية حاسمة لشل القدرات الإيرانية نهائيًا، بدلاً من ترك الأمور معلقة.
* قطع الروابط الإقليمية: تخشى واشنطن من التحالف المتنامي بين إيران وروسيا والصين، وتغلغل هذا النفوذ حتى في أمريكا اللاتينية (مثل فنزويلا). لذلك، فإن تدمير أو تحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط يعتبره صقور الإدارة الأمريكية خطوة أولى وضرورية لتأمين الجبهة الجنوبية للأمريكتين.
اتجاه ترامب لتأمين «منطقة الأمريكتين» هو مؤشر قطعي على رغبته في إنهاء التزامات أمريكا المفتوحة في الشرق الأوسط، لكن «طريقة» الخروج هي محل الخلاف؛ فإما أن ينجح في فرض صفقة دبلماسية سريعة تنهي الحرب وتخفض أسعار النفط، أو يندفع نحو تصعيد عسكري خاطف وحاسم لتدمير التهديد الإيراني قبل أن يعلق لوحته الشهيرة «مهمة أنجزت» ويعود إلى قوقعته الحمائية.