محمد بن عبدالله العتيق
هناك كلمات نستخدمها كل يوم دون أن نسأل عن أصلها أو الطريق الذي قطعته حتى وصلت إلينا. نستعملها في الحديث، ونسمعها في الشارع، ونقرأها في الكتب، وكأنها وُلدت في لغتنا ولم تغادرها يومًا. لكن اللغة، مثلها مثل الناس، تعرف السفر أيضًا. بعض الكلمات تعبر من بلد إلى بلد، ومن لسان إلى لسان، وتبقى بعد ذلك حاملة شيئًا من أثر المكان الذي جاءت منه.
هذه الفكرة بدت لي لافتة وأنا أقرأ الدراسة التي نشرها أ.د. أنور محمود زناتي في العدد الحادي والثمانين من مجلة الدراسات التاريخية والاجتماعية، الصادر في يوليو 2026، عن جهود العلماء والمفكرين العرب في تتبع الكلمات العربية في اللغات الأوروبية، متخذًا من مشروع الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح نموذجًا لدراسة التواصل الحضاري من خلال اللغة.
ما فعله الدكتور عبد الرحمن بن عبدالله المشيقح يستحق التوقف عنده؛ لأنه لم ينظر إلى الكلمة باعتبارها مفردة معجمية تنتهي حكايتها عند تعريفها. كان يتتبعها في اللغات الأوروبية، ويرصد صورها واستعمالاتها، ويحاول أن يعيدها إلى سياقها اللغوي والتاريخي. ومن هنا تصبح الكلمة نفسها مدخلًا إلى قصة أكبر: قصة اتصال بين مجتمعات، وانتقال معرفة، وحركة تجارة، ورحلات، واحتكاك بين الناس.
ولعل هذا هو الجانب الذي يجعل الموضوع أبعد من مسألة لغوية بحتة. فحين تنتقل كلمة من لغة إلى أخرى، فهي لا تنتقل وحدها دائمًا؛ قد تكون وراءها سلعة أو فكرة أو معرفة أو تجربة عرفها مجتمع ثم انتقلت إلى مجتمع آخر. ولذلك فإن دراسة الكلمات المهاجرة يمكن أن تقدم لنا صورة مختلفة عن العلاقات بين الشعوب، صورة لا تعتمد فقط على ما دوّن في كتب التاريخ، وإنما تفتش أيضًا في اللغة نفسها.
ومن الأمثلة التي تناولتها الدراسة كلمة «قهوة». الكلمة التي تبدو لنا اليوم عادية جدًا، لها حضور في لغات أخرى، وقد تتبعت الدراسة ما أورده الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح حول انتقالها وصيغتها في بعض اللغات الأوروبية. وكذلك كلمة «طوفان»، التي تظهر بصيغ متقاربة في الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والألمانية.
وهناك أمثلة أخرى من بينها «حبل»، التي تظهر بصور مختلفة في عدد من اللغات الأوروبية، وهو ما يفتح بابًا للسؤال عن العلاقة بين هذه الصيغ وأصلها العربي. قيمة هذه الأمثلة ليست في عددها، وإنما في الفكرة التي تقف خلفها: أن الكلمة يمكن أن تكون أثرًا من آثار حركة الإنسان، وأن القاموس، إذا أُحسن قراءته، قد يخبرنا بشيء عن التاريخ.
لكن الدراسة لا تتعامل مع هذه المسألة باعتبارها بابًا مفتوحًا لأي تشابه بين الكلمات. وهذه من النقاط المهمة فيها. فمجرد تقارب لفظ كلمتين في لغتين مختلفتين لا يكفي لإثبات أن إحداهما أخذت من الأخرى. الأمر يحتاج إلى قرائن أخرى: أقدم ظهور للكلمة، والشواهد المكتوبة عليها، والتسلسل الزمني، والطريق الذي يمكن أن تكون قد سلكته، والظروف التي تجعل انتقالها من لغة إلى أخرى أمرًا ممكنًا.
وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يضع مشروع الدكتور عبد الرحمن بن عبدالله المشيقح في موضعه الصحيح. نحن أمام جهد واسع في جمع الكلمات وتتبعها، لكنه في الوقت نفسه موضوع يمكن أن يستفيد من مزيد من التوثيق والدراسة والمراجعة الأكاديمية. وقد أشارت الدراسة نفسها إلى عدد من المسائل المنهجية التي تحتاج إلى مزيد من الضبط، حتى يمكن تطوير المشروع وتحويله إلى مرجع علمي أكثر رسوخًا.
ومن يقرأ الدراسة يجد أن خلفية الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح المعرفية كانت حاضرة في تكوين هذا المشروع. فالاهتمام بالمعاجم والمصطلحات والكتب والقراءة لم يكن أمرًا عابرًا في تجربته، بل أسهم في تشكيل نظرته إلى الكلمة وما يمكن أن تختزنه من دلالة. ولهذا لم تكن «رحلة الكلمات العربية في اللغات الأوروبية» مجرد قائمة من مفردات متشابهة، بل محاولة للاقتراب من قصة كل كلمة ومسارها.
والجميل في هذا النوع من العمل أنه يعيد للغة شيئًا من حضورها في قراءة التاريخ. فنحن اعتدنا أن نبحث عن التواصل الحضاري في المدن والطرق والأسواق والكتب، بينما يمكن أن نجد بعض آثاره في كلمة بقيت على ألسنة الناس، حتى بعد أن تغيرت البيئات وتبدلت الأزمنة.
وهنا تبرز أهمية الدراسة التي كتبها الدكتور أنور محمود زناتي. فهي لا تكتفي بعرض مشروع الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح، وإنما تنظر إليه بوصفه تجربة لها قيمة علمية وحضارية، وتناقش طريقته، وما له من قيمة، وما يحتاج إليه من تطوير. كما ترى في المشروع مجالًا يمكن الإفادة منه في تعزيز الوعي بتاريخ العربية وحضورها العالمي، وفي خدمة تعليم العربية لغير الناطقين بها.
وفي تقديري، فإن أجمل ما في الموضوع كله أن يجعلنا نعيد النظر في الكلمات التي نرددها دون انتباه. قد تبدو الكلمة صغيرة، لكن خلفها أحيانًا طريق طويل. وقد يكون هذا الطريق أقدم من أن تتذكره الذاكرة الشعبية، لكنه ظل محفوظًا في اللغة.
لهذا تبدو تجربة الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح جديرة بالقراءة والنقاش، لا لأنها تقول إن كل كلمة متشابهة بين لغتين هي بالضرورة منقولة من إحداهما إلى الأخرى، وإنما لأنها تفتح بابًا للبحث في علاقة اللغة بالتاريخ، وفي ما يمكن أن تكشفه المفردات عن حركة الناس وتواصلهم.
واللغة في النهاية لا تحفظ الكلمات فقط؛ إنها تحفظ آثار الذين استخدموها، والطرق التي عبرت منها، والأزمنة التي مرت بها. ومن يتتبع الكلمة جيدًا قد يجد نفسه أمام صفحة من التاريخ لم تُكتب في كتاب، وإنما بقيت في لسان الناس.