عبود بن علي ال زاحم
ليس كل من حضر إلى العمل حاضرًا بأثره. وليس كل من يحمل منصبًا قادرًا على التأثير. هناك من يدخل بيئة العمل فيضيف لها قيمة وهناك من يمر فيها سنوات طويلة دون أن يترك خلفه شيئًا يُذكر.
وهنا يبدأ الفرق الحقيقي. الفرق بين من يعمل لأنه مطالب بالعمل وبين من يعمل بإخلاص لأنه يؤمن أن لكل مهمة قيمة ولكل مسؤولية أمانة ولكل جهد أثر قد يظهر اليوم أو يتأخر لكنه لا يضيع.
قد تملك شهادة قوية وخبرة طويلة ومنصبًا مهمًا. لكن كل ذلك لا يكفي وحده لصناعة النجاح الحقيقي. هناك شيء أعمق يصنع الفرق وهو الإخلاص في العمل وقوة التأثير في الآخرين.
الإخلاص لا يعني أن تعمل فقط عندما يراك المدير. ولا أن تجتهد لأن هناك مكافأة أو ترقية قريبة. الإخلاص أن تؤدي مسؤوليتك لأن ضميرك المهني يطلب منك ذلك. أن تتقن عملك حتى لو لم يصفق لك أحد وأن تقدم أفضل ما لديك حتى في المهام التي لا يعرف عنها أحد.
قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.
هذه الآية تضع أمامنا معنى عظيمًا، اعمل ولا تجعل رضا الناس هو المحرك الأول لك، قد يتأخر التقدير وقد تغيب المكافأة وقد يمر جهدك دون كلمة شكر. لكن العمل الصادق لا يضيع والأثر الحقيقي لا يختفي.
وفي بيئات العمل نرى أشخاصًا لا يحملون أعلى المناصب ومع ذلك حضورهم أقوى من كثير من أصحاب المناصب.
إذا تحدثوا استمع الناس لهم، إذا قدموا فكرة التفت الجميع إليها، إذا غابوا شعر الفريق بغيابهم. لماذا؟ لأن التأثير لا يُمنح بقرار إداري ولا يأتي مع بطاقة وظيفية جديدة.
التأثير يُبنى. يُبنى بالمصداقية والاحترام والمعرفة وحسن التعامل. ويكبر عندما يشعر من حولك أنك تريد نجاح الفريق قبل نجاح اسمك الشخصي.
وهنا يظهر الفرق بين موظف يؤدي المطلوب وموظف يصنع الفرق.
الأول ينهي المهمة ويغادر.
أما الثاني فقد يترك فكرة تتحول إلى مشروع. أو يقدم كلمة تغيّر مسيرة موظف، أو يفتح بابًا لفريق كامل. أو يحل مشكلة كانت معطلة منذ أشهر.
هذا هو الأثر، وهذا في رأيي هو النجاح الحقيقي. أن تخرج من مكان وقد تركته أفضل مما وجدته.
الإخلاص في العمل لا يعني أن تتحمل كل شيء بصمت، ولا أن تعمل بلا حدود، بل أن تكون أمينًا في مسؤوليتك واضحًا في رأيك حريصًا على الجودة ومستعدًا لأن تقول إن هناك طريقة أفضل.
أما قوة التأثير فتحتاج إلى ذكاء في التعامل.
ليست كل فكرة صحيحة تنجح إذا عُرضت بطريقة خاطئة، وليس كل اعتراض يحتاج إلى مواجهة، والموظف المؤثر يعرف متى يتحدث ومتى يستمع ومتى يقترح ومتى يترك النتائج تتحدث عنه.
وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن يسأله كل موظف نفسه:
ماذا أضفت للمكان الذي أعمل فيه؟
ماذا طورت؟
من ساعدت؟
ما المشكلة التي حللتها؟
هل أصبحت قيمة حقيقية في منظومتي أم مجرد اسم في الهيكل التنظيمي؟
قد يعمل شخص عشر سنوات ولا يترك أثرًا يُذكر، وقد يعمل آخر عامين فقط فيصنع فرقًا لا ينساه الناس.
المعادلة ليست في عدد السنوات فقط، بل في قيمة ما قدمت وأثر ما تركت.
ولهذا تحتاج المنظمات اليوم إلى أصحاب الأثر، إلى الموظف الذي يجمع بين الكفاءة والأخلاق والمبادرة، وإلى المدير الذي يكتشف هؤلاء ويحافظ عليهم ويمنحهم الثقة والمساحة.
لأن الموظف المخلص إذا وجد بيئة تقدره فلن ينجز مهمة فقط، سيبني، سيطور، سيقترح، وسيحرك من حوله نحو الأفضل. لكن الحياة المهنية ليست دائمًا عادلة في توقيتها.
قد تعمل بإخلاص ولا تحصل على الترقية التي كنت تتوقعها، وقد تقدم أفكارًا كثيرة ولا تجد التقدير المناسب، وقد ترى غيرك يتقدم أمامك رغم أنك ترى أنك أكثر استحقاقًا.
وهنا يظهر معدن الإنسان، هل يتغير إخلاصك؟ هل يتحول عطاؤك إلى غضب؟ هل تبدأ في العمل بالحد الأدنى لأن الآخرين لم يقدروك؟
لا تجعل تصرفات البشر تغيّر مبادئك، استمر، طوّر نفسك، تعلّم، ساعد من حولك، اصنع أثرًا.
وابحث عن الفرص التي تليق بقيمتك دون أن تخسر أخلاقك في الطريق. فالمنصب قد يرفع اسم الإنسان فترة، أما الأثر فيرفع قيمته طويلًا. والتقدير قد يأتي من مدير، أما التوفيق فمن الله.
وفي النهاية فإن الإخلاص يصنع القيمة وقوة التأثير تصنع الأثر. وإذا اجتمعت القيمة بالأثر أصبح النجاح أقرب وأصبح الإنسان أكثر حضورًا أينما عمل.
اعمل بإخلاص ولا تنتظر التصفيق، اصنع أثرًا ولا تطارد الأضواء، فالنجاح الحقيقي ليس أن يعرف الناس منصبك بل أن يتذكروا ما الذي تغير للأفضل لأنك كنت هنا.