سلمان بن محمد العُمري
في زمن الانفجار الرقمي، تحولت شاشات الهواتف إلى منصات مفتوحة لكل من هبّ ودب، وظهرت للنور فئة اعتلت صدارة «الترند» لا بعلمٍ غزير ولا بفكرٍ مستنير، بل بممارسة «الخبال» والتهريج الذي بات، ويا للعجب، تذكرة دخول لعالم الشهرة والثراء السريع.
هؤلاء الذين لم يجدوا حرجاً في تبني ألقاب رنانة مثل: «إعلامي» أو «مؤثر» أو «صانع محتوى»، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن أبجديات هذه المهن ومواثيقها الأخلاقية.
وعلى ضفاف هذه الفوضى، تبرز فئة «سوقية»، تخصصت فيما يمكن تسميته بـ «البلع والجرع»، هؤلاء الذين لا همّ لهم سوى تزكية المطاعم والترويج للأطعمة، لا بناءً على جودة المنتج أو معايير صحية، بل بناءً على ما يملأ بطونهم قبل جيوبهم، إنها تجارة «التذوق» الزائف التي تفتقر للأمانة، حيث يصبح «المؤثر» مجرد بوق إعلاني لمن يدفع أكثر أو يطعم أكثر.
وقبل الحديث عن هذه الظاهرة التي أصبحت بالفعل مادة دسمة للنقاش المجتمعي، لأنها تمس الذوق العام، والمصداقية الإعلانية، وحتى هيبة التخصص المهني، سأروي لكم قصة طريفة لإعلان عن مطعم شعبي يقدم المأكولات الشعبية وتشرف عليه سيدة سعودية وهي تدير المطعم وتشرف بنفسها على إعداد الوجبات وهذا عمل جيد ونفخر فيه ويجب أن نعمل على مساعدته ودعمه وتشجيعه ولكن الطريف والمؤلم هو أحد الإعلانات التي قدمت كـ(دعاية) للمطعم، فقد كان المعلن عبر إحدى المنصات من جنسية عربية شقيقة وكان ينطق الأكلات باللهجة المحلية لبلده فقال: (القريش) و(الأورصان) ويقصد بذلك الجريش والقرصان، قد لا يكون أن أصحاب المطعم هم من طلب منه هذا الإعلان، وقد يكون المعلن ممن يرضيه الأكل والشرب و(حق المشوار) وفي كلتا الحالتين هذا مخالف للنظام وللذوق العام.
والمشكلة أن هؤلاء قد لا يكتفون بالإعلانات للمطاعم والمنتوجات بل قد تمتد بهم الجرأة للتنظير فيما لا يحسنونه، وإن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد التفاهة، بل تلك الجرأة التي يبديها هؤلاء في اقتحام قضايا معقدة تخص المجتمع بل والعالم أجمع، فبينما يتردد أصحاب الاختصاص وحملة الشهادات العليا في إبداء الرأي إلا بدليل وبرهان، نجد «المهرج الرقمي» ينظر ويحلل ويصدر الأحكام، ضارباً بعرض الحائط قيم العقل والمنطق، لقد طبقوا حرفياً وبشكل مشوه المثل الشعبي «افتح فمك يرزقك الله»، فصار الصراخ والضجيج وسيلة لجلب المتابعين، ومن ثم جلب المعلنين.
الأدهى والأمرّ في هذا المشهد، هو اقتحام غير السعوديين لهذا المجال بطرق غير نظامية، فكثير من هؤلاء الذين يملؤون الفضاء الرقمي بإعلاناتهم وضجيجهم، قدموا للبلاد بمهن محددة كعمارة البناء أو الحرف اليدوية، لنتفاجأ بهم وقد تحولوا بقدرة قادر إلى «مسوقين» و»إعلاميين» عبر سناب شات، وتيك توك، هذا التجاوز ليس مجرد تشويه للمحتوى، بل هو مخالفة صريحة لأنظمة الإقامة والعمل، وافتئات على المهن التي تتطلب تراخيص رسمية ومؤهلات خاصة.
أمام هذا الطوفان من العشوائية، تبرز الحاجة الماسة لتدخل حازم من جهات الاختصاص، ويجب ضبط المشهد الإعلاني الرقمي، فالأمر لم يعد ترفاً، بل ضرورة لحماية المجتمع من التضليل، ولحماية الاقتصاد من ممارسات «التستر الرقمي»، ويجب تفعيل الرقابة الصارمة على تراخيص الإعلان، ومنع من لا يملك الأهلية القانونية أو المهنية من ممارسته، وملاحقة المخالفين، وخاصة من مخالفي أنظمة العمل الذين يمارسون أنشطة تجارية وإعلانية بعيدة عن مهنهم الأساسية، وتوعية المعلن بضرورة اختيار الواجهة التي تمثل علامته التجارية بعيداً عن أصحاب المحتوى الضحل.
إن السكوت عن هذه الظاهرة يفتح الباب لمزيد من الانحدار في الذوق العام، ويجعل من «التهريج» قدوة للأجيال القادمة، فهل نترك الفضاء الرقمي لمن يرفع شعار «افتح فمك يرزقك الله»، أم نعيد الاعتبار للعلم والمهنية والنظام؟