عباس قاسم الملاحي
الوقت الذي يستعيده مواطن بعدما ينجز خدمة من هاتفه جزء من ثروة الوطن. وكذلك رحلة العلاج التي تختصرها استشارة عن بُعد، وفكرة شاب تجد طريقها إلى مشروع. من هذه التفاصيل اليومية يمكن قراءة التحول السعودي في اليوم الوطني السادس والتسعين؛ فالتنمية تصبح أقرب إلى الناس حين تظهر في ساعاتهم التي تُستثمر، وأعمالهم التي تنمو، والفرص التي تتسع أمام أبنائهم.
ويكتسب الاحتفاء هذا العام دلالة خاصة بتزامنه مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026»، الذي أقرّه مجلس الوزراء في مارس الماضي. وهي مناسبة تتيح قراءة موقع التقنية في المشروع الوطني، وكيف تتحول الاستثمارات والبنية الرقمية والمعرفة إلى أثر اقتصادي واجتماعي يلمسه المواطن. فالسؤال الذي يستحق أن يصاحب هذا الطموح هو: كيف نجعل كل تقدم تقني إضافة إلى حياة الإنسان؟
لقد عبّر سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن إدراك مبكر لحجم التحول بقوله: «نحن نعيش في زمن الابتكارات العلمية والتقنية غير المسبوقة، وآفاق النمو غير المحدودة». وتحمل هذه الرؤية مسؤولية عملية؛ إذ تحتاج فرص النمو إلى تعليم يواكبها، ومؤسسات تستطيع استيعابها، واقتصاد يحوّل المعرفة إلى منتجات وخدمات. وهذا ما يمنح الاستثمار في التقنية موقعه ضمن رؤية السعودية 2030 ومسارها لتنويع مصادر الازدهار.
وتساعد الأرقام على فهم حجم الأرضية التي يُبنى عليها هذا المسار. فقد أظهرت نتائج مسح الاقتصاد الرقمي لعام 2024 وصول حصته إلى 16 % من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ15.6 % في العام السابق. ويشمل هذا الرقم الأنشطة الرقمية بمستوياتها المختلفة، بما يعكس اتساع حضور التقنية في الاقتصاد. وتكمن أهمية هذا الحضور في قدرته على تحسين الإنتاجية، وتسهيل تأسيس الأعمال، وفتح أسواق جديدة أمام المنشآت السعودية.
وفي الصحة، تقدم التجربة السعودية مثالاً واضحاً على المعنى الإنساني للتحول. فخلال موسم حج 1447هـ، واصل مستشفى صحة الافتراضي تقديم الاستشارات عن بُعد، ودعم الخدمات عبر «صحتي» والرقم 937 الذي يتيح التواصل بسبع لغات. وراء هذه الخدمة حاجة بشرية مباشرة: حاجّ يستطيع شرح ألمه، وطبيب يمكن الوصول إلى خبرته، ومنظومة تخفف ضغط المراجعات الحضورية. هكذا تصبح التقنية وسيلة لتقريب الرعاية من الإنسان، ولتوسيع قدرة المؤسسات على خدمته.
ويمتد الأثر إلى مواقع الإنتاج. ففي حقل خريص، توظف أرامكو أجهزة الاستشعار وتحليل البيانات وتعلّم الآلة في تطوير العمليات، ومن تطبيقاتها حلول لخفض استهلاك الوقود، واستخدام الروبوتات لتحسين السلامة والكفاءة أثناء الصيانة. وتوضح هذه التجربة كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي تعزيز قيمة القطاعات التي راكمت فيها المملكة خبرتها؛ فمعرفة حالة المعدّات وتحسين تشغيلها يربطان البيانات بقرارات لها أثر في التكلفة والموثوقية وسلامة العاملين.
وعلى مستوى بناء القدرات، جاء إطلاق شركة «هيوماين» في مايو 2025 ليعطي الطموح الاستثماري إطاراً يشمل مراكز البيانات والحوسبة السحابية والنماذج والتطبيقات. وهي حلقات مترابطة تحتاجها صناعة الذكاء الاصطناعي: قدرة حاسوبية تعالج البيانات، ونماذج تتعلم منها، وحلول تصل إلى المؤسسات والمستخدمين. ويستهدف هذا التوجه توسيع قدرة المملكة على تطوير التقنية وتقديمها محلياً وعالمياً، وخلق فرص للابتكار والملكية الفكرية.
ومن منظور اقتصادي، تتعاظم قيمة هذه الاستثمارات حين يمتد أثرها إلى الشركات المحلية والجامعات ورواد الأعمال. فإتاحة الحوسبة، وربط البحث باحتياجات السوق، وتيسير تجربة الحلول الجديدة، يمكن أن تمنح منشأة صغيرة فرصة لتطوير خدمة تنافس بها. ومن أمثلة الفرص الممكنة أدوات تساعد متجراً على تقدير الطلب، أو مصنعاً على اكتشاف عيوب الإنتاج، أو منشأة سياحية على خدمة زوار بلغات متعددة. وتصبح الجدوى أوضح حين تُقاس بالتكلفة التي انخفضت، والجودة التي تحسنت، والعمل الذي نشأ.
وللغة العربية مكان أساسي في هذا المستقبل. ويبرز نموذج «علّام»، الذي يورده صندوق الاستثمارات العامة ضمن جهود «هيوماين» بالتعاون مع «سدايا»، مثالاً على الاهتمام بتطوير النماذج اللغوية العربية. وفي تقديري، فإن القيمة الأعمق لهذا المسار هي توسيع قدرة الناس على استخدام التقنية بلغتهم، وإتاحة فرص لبناء خدمات تعليمية وثقافية ومهنية أقرب إلى احتياجاتهم. ويظل تحقيق ذلك مرتبطاً بجودة المحتوى والتقييم المستمر لدقة الإجابات وفهم السياق.
غير أن الاستثمار في الإنسان هو ما يمنح هذه البنية قدرتها على الاستمرار. ففي نوفمبر 2025، أعلنت الجهات المعنية وصول مبادرة «سماي» إلى مليون سعودي وسعودية حصلوا على شهاداتها في الذكاء الاصطناعي. ووصف وزير التعليم يوسف البنيان هذا الإنجاز بأنه «يعكس نجاح الاستثمار في رأس المال البشري». ويكشف هذا الإقبال عن استعداد مجتمعي للتعلم يمكن البناء عليه ببرامج أعمق، وتدريب تطبيقي، ومسارات مهنية واضحة.
وتبدأ المرحلة التالية من داخل المدرسة والجامعة ومكان العمل. فالموظف يحتاج إلى فهم ما تستطيع الأدوات الجديدة إنجازه، وكيف يتحقق من نتائجها. والطالب يحتاج إلى تنمية قدرته على السؤال والتحليل والكتابة، مع تعلم الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات. كما يستحق العامل الذي تتغير مهامه فرصة حقيقية لإعادة التأهيل. وتقتضي إدارة التحول أن ترافق سرعة إدخال التقنية سرعة مماثلة في إعداد الناس للعمل معها.
وتتسع المسؤولية لتشمل تصميم الخدمات نفسها. فكبير السن يحتاج إلى واجهة مفهومة ومساندة متاحة، والشخص ذو الإعاقة يحتاج إلى خدمة تراعي متطلباته، وصاحب المشروع في المحافظات يحتاج إلى فرص وصول وتدريب وتمويل. وكلما اتسعت دائرة القادرين على الانتفاع بالتقنية، تعمق أثرها في المجتمع والاقتصاد. فسهولة الاستخدام جزء من جودة التنمية، مثلها مثل سرعة الاتصال وقوة الأجهزة.
وتحتاج هذه الرحلة إلى ثقة تستحقها المؤسسات كل يوم. ويقتضي ذلك حماية البيانات، واختبار الأنظمة قبل تعميمها، وتوضيح حدودها، وتوفير مراجعة بشرية حين تمس نتائجها حياة الناس وفرصهم. كما يستدعي التوسع في البنية الحاسوبية اهتماماً بكفاءة الطاقة والتبريد. هذه متطلبات تساعد على بناء صناعة مستقرة، وعلى تحويل الإقبال على الذكاء الاصطناعي إلى منفعة مستدامة.
ومع الاقتراب من عام 2030، يصبح قياس الأثر أكثر أهمية: معرفة تتطور داخل المملكة، ومنتجات سعودية تجد أسواقاً خارجها، ومنشآت ترتفع إنتاجيتها، وكفاءات وطنية تتولى أدواراً أوسع في البحث والتطوير. تلك مؤشرات تمنح الطموح معنى يمكن تتبعه، وتصل بين الاستثمار الكبير والنتيجة التي تظهر في حياة المواطن.
في اليوم الوطني السادس والتسعين، نستحضر قيمة الوطن الذي وحّده الملك عبدالعزيز، رحمه الله، وننظر إلى مسؤوليتنا في تنمية قدراته للأجيال المقبلة. ويمنحنا التقدم التقني أدوات جديدة لأداء هذه المسؤولية. أما الغاية فتبقى واضحة: إنسان يمتلك المعرفة، ويجد الفرصة، ويثق بمستقبله. وعندما تتحول قوة التقنية إلى قدرة في يد هذا الإنسان، تصبح منجزات المستقبل امتداداً لمعنى الوطن في حياته.