ماجد البريكان
اليوم يوم الوطن؛ يوم الفخر بالأرض التي جمعتنا، والراية التي وحّدتنا، والقيادة التي مضت بهذه البلاد من مرحلة التأسيس إلى آفاق البناء والازدهار. في هذا اليوم، نستعيد حكاية وطن نعيش في خيره، ونطمئن في أمنه، ونحمل اسمه باعتزاز أينما ذهبنا. ونستذكر الرجال الذين بذلوا من أجل وحدته، والأجيال التي عملت على بنائه، حتى وصلت إلينا هذه الأمانة العظيمة: المملكة العربية السعودية.
وفي مقدمة هذه الذاكرة الوطنية، يقف الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- رجل حمل مشروع وطن في زمن كانت فيه الفرقة تثقل حياة الناس، والمسافات تفصل بينهم، والخوف يرافق طرقهم وأسفارهم. أدرك أن لهذه الأرض مستقبلًا تصنعه وحدتها، وأن اجتماع أهلها تحت راية واحدة هو الأساس الذي يقوم عليه الأمن وتستقر به الحياة. كانت رحلة التوحيد طويلة وشاقة، احتاجت إلى الإيمان والصبر والشجاعة، وإلى الحكمة في جمع الرجال وتأليف القلوب. ومضى الملك عبدالعزيز في تلك الرحلة بعزيمة ثابتة، ومعه رجال صدقوا في ولائهم وبذلوا في سبيل وحدة بلادهم، حتى اجتمعت أرجاء الوطن تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأُعلن قيام المملكة العربية السعودية، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ هذه الأرض وحياة أهلها.
وحين نستذكر المؤسس -رحمه الله- فإننا نستذكر أثر الوحدة في تفاصيل حياة الإنسان؛ في طريق أصبح آمنًا، وأسرة استقرت، وبلدات تقاربت، ومجتمع جمعته هوية وطنية راسخة. لقد أرسى الملك عبدالعزيز أساس دولة، وترك لأبنائها مسؤولية المحافظة عليها واستكمال بنائها. ولهذا يبقى اسمه حاضرًا في وجدان السعوديين، مقرونًا بالدعاء والامتنان، كلما رأوا راية بلادهم عالية، وكلما تأملوا ما تحقق على أرضها.
ومن الوفاء في هذا اليوم أن نتذكر آباءنا وأجدادنا الذين عاصروا مراحل التحول، وعرفوا مشقة الحياة قبل اتساع الخدمات وامتداد الطرق وانتشار المدارس والمستشفيات. كانت رواياتهم تمنحنا فهمًا أعمق لقيمة ما نعيشه، وتعلّمنا أن نعمة الأمن والاستقرار تستحق الشكر والعمل على صونها. ومن عاش صعوبة البدايات، أو سمعها ممن عاشوها، يدرك حجم المسافة التي قطعتها بلادنا، وما بذلته أجيالها من جهد وتضحيات.
وبعد الملك المؤسس، حمل أبناؤه الملوك أمانة الحكم ومسؤولية البناء. تعاقب الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله -رحمهم الله-، ولكل منهم جهده وأثره في مسيرة الدولة وتطور مؤسساتها وخدمة شعبها. وعلى امتداد تلك العهود، اتسع التعليم، وتطورت الرعاية الصحية، ونمت المدن، وامتدت مشروعات البنية الأساسية، وتعزز حضور المملكة ومكانتها. وكانت كل مرحلة تضيف إلى ما سبقها، وتفتح للأجيال التالية فرصًا أوسع للحياة والعمل والمشاركة في بناء الوطن.
ووصلت المسيرة إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-؛ الذي يحمل معرفة عميقة بتاريخ هذه البلاد ورجالها، وارتباطًا وثيقًا بمسيرة الدولة ومؤسساتها. وفي عهده، يواصل الوطن تقدمه مستندًا إلى ثوابته، معتزًا بهويته، ومقبلًا على المستقبل بإرادة تسعى إلى توسيع فرص التنمية وتحقيق تطلعات المواطنين.
ومع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تتجسد طموحات مرحلة تنظر إلى قدرات السعوديين بثقة، وتضع الإنسان في صميم مشروعها للمستقبل. وقد أصبحت رؤية السعودية 2030 تعبيرًا عن إرادة وطنية للعمل والإنجاز، وفتح المجالات أمام أبناء الوطن وبناته، وتعزيز دورهم في الاقتصاد والثقافة والعلوم وسائر ميادين التنمية. ويكبر الاعتزاز حين يرى السعودي أن له مكانًا في هذه المسيرة، وأن جهده وعلمه ومبادرته يمكن أن تسهم في كتابة فصل جديد من حكاية بلاده.
إن الصلة بين عهد المؤسس وعهد الملك سلمان هي صلة وفاء ومسؤولية؛ وفاء للأساس الذي قامت عليه الدولة، ومسؤولية مواصلة البناء بما يلائم احتياجات كل مرحلة وتطلعات أهلها. وما يجمع هذه المسيرة هو الحرص على وحدة الوطن وأمنه وكرامة مواطنيه، والإيمان بأن قوة المملكة تبدأ من تماسكها، ومن العلاقة الراسخة بين قيادتها وشعبها.
واليوم الوطني مناسبة نعبّر فيها عن محبتنا، ونتأمل فيها كذلك واجبنا تجاه وطننا. فالمعلم يخدمه حين يخلص في تعليم أبنائه، والطبيب حين يرعى مرضاه، والجندي حين يحرس حدوده، والموظف حين يؤدي أمانته، والإعلامي حين يصون الحقيقة ويحترم وعي الناس. ولكل مواطن موقع يستطيع من خلاله أن يرد شيئًا من فضل هذه البلاد، وأن يترك فيها أثرًا نافعًا.
ومن واجبنا أن ننقل إلى أبنائنا معنى هذا اليوم، وأن نروي لهم قصة وطنهم بلغة تقرّب إليهم تاريخه وتعرّفهم بقيمة وحدته. نعلّمهم أن الراية التي يرفعونها تحمل عقيدة وهوية وتاريخًا، وأن الاعتزاز بها يكتمل بالعلم والعمل وحسن الخلق، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الناس، والإخلاص في خدمة المجتمع. هكذا ينتقل حب الوطن من مشاعر نعبّر عنها إلى سلوك نعيشه كل يوم. وفي هذا اليوم، تمتزج فرحة الحاضر بوفاء الذاكرة؛ نتذكر من رحلوا وهم يحملون محبة هذه الأرض في قلوبهم، ونترحم على آبائنا وأجدادنا الذين غرسوا فينا الاعتزاز بها. ونرى في وجوه أبنائنا امتدادًا لتلك المحبة، وأملًا بأن تبقى السعودية أكثر أمنًا ورفعة وازدهارًا، جيلًا بعد جيل.
رحم الله الملك عبدالعزيز، وجزاه خير الجزاء على ما قدّم لوطنه وأمته، ورحم أبناءه الملوك الذين واصلوا المسيرة، وحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وأدام على بلادنا أمنها ووحدتها وعزّها.
كل عام والسعودية وطنًا نسكنه ويسكننا، ورايةً نعتز بها، وأمانةً نتشرف بحملها. وكل عام ونحن لهذا الوطن أوفياء، وبالانتماء إليه فخورون.