عفاف بنت صياح الشمري
يمثل اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، والذي يوافق الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، نقطة تحول مفصلية في تاريخ شبه الجزيرة العربية الحديث، على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - أصدر المرسوم الملكي عام 1351هـ/1932م بتوحيد أجزاء الدولة السعودية الحديثة تحت اسم المملكة العربية السعودية، بعد أن كانت تُعرف بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، فلم يكن إعلان هذه الاسم مجرد حدث سياسي عادي، بل كان إنجازًا جيوبوليتيكيًا فريدًا أعاد تشكيل الخارطة الإقليمية والدولية.
أولًا: مفهوم الجيوبولتيك:
يشير مصطلح الجيوبولتيك إلى معرفة شاملة بالأرض والدولة في الوقت ذاته، والجيوبولتيك مشتق من كلمتين (Geo) ويقصد بها الأرض و(Politic) يقصد بها سياسة الأرض التي تحقق الترابط بين سياسة الدولة وإطارها الجغرافي الذي يحد بدور قوة الدولة وقوة سياستها الخارجية، وفي رأي آخر عن الجيوبوليتيـك وصفه الدكتور جاسم سلطان بأن الجيوبوليتيـك تمثل ضمير الدولة وطموحها، واحتياجاتها ومصالحها في المسـتقبل، وكيفيـة حمايتهـا والمحافظة عليها، وهي مفتـاح السياسـة القومية.
وعلى ذلك نشأة المملكة العربية السعودية لم تكن مجرد توحيد سياسي لمناطق متفرقة، بل كانت عملية تاريخية لإعادة تنظيم المجال الجغرافي لشبه الجزيرة العربية ضمن دولة موحدة ذات سيادة، وتتمتع المملكة العربية السعودية بموقع جغرافي بالغ الأهمية؛ فهي تقع في قلب شبه الجزيرة العربية، وتشرف على البحر الأحمر غربًا والخليج العربي شرقًا، كما تتوسط طرقًا بحرية وتجارية تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، أسهم توحيد أراضيها في تكوين كيان سياسي ذي وزن استراتيجي، قادر على إدارة موارده وحدوده ومنافذه البحرية، والتفاعل مع محيطه الإقليمي والدولي.
ثانيًا: عبقرية التوحيد وتحويل الجغرافيا من عائق إلى قوة:
قبل التوحيد المملكة العربية السعودية كانت جغرافيا شبه الجزيرة العربية تمثل تحدياً أمنيًا واقتصاديًا هائلًا؛ مساحات شاسعة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، وأقاليم ومراكز سياسية وقبلية متباينة تتوزع بين صحاري قاحلة وسلاسل جبلية وعره واحتياجات أمنية معقدة، كانت هذه الجغرافيا المترامية، المقترنة بتشتت القوى المحلية، تجعل المنطقة مسرحاً للتنافس وحالة من عدم الاستقرار، ولم تكن هذه المسافات مجرد عوائق طبيعية، بل كانت تؤثر في الاتصال السياسي والإداري، وتزيد احتمالات التنافس على المدن والواحات والطرق ومصادر المياه.
أتت عبقرية مشروع التوحيد لتربط هذه أجزاء الرقعة الجغرافية ضمن سلطة مركزية واحدة ذات سيادة كاملة، وتحولت الميزة الجغرافية من مصدر لتشتت إلى عمود فقري لقوة جيوبوليتيكية متماسكة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن السيادة لا تتحقق بمجرد امتلاك الأرض، وإنما بقدرة الدولة على ممارسة السلطة داخلها وحماية حدودها وتنظيم شؤون سكانها، حيث أمنت الحدود، وجمعت الموارد، وضمنت سلامة طرق التجارة والحج.
وهنا تظهر القيمة الجيوبولتيك للتوحيد؛ فالسلطة المركزية جعلت أجزاء المملكة تعمل ضمن رؤية سياسية واحدة، بدل أن تكون كل منطقة خاضعة لتوازنات محلية منفصلة، وساعدت على توحيد القرار السياسي، وتنسيق الدفاع، وإدارة العلاقات مع الدول المجاورة.
تتحول الجغرافيا إلى قوة جيوبولتيكية عندما تستطيع الدولة توظيف عناصر المكان لخدمة أمنها واقتصادها ونفوذها وقد تحقق ذلك في المملكة العربية السعودية عبر عدة مستويات:
1 - توحيد المساحة الجغرافية تحت سلطة سياسية واحدة.
2 - ربط المناطق الداخلية بالسواحل والموانئ والمدن المقدسة.
3 - حماية طرق التجارة والحج ووضمه سلامة التنقل.
4 - إدارة الموارد ضمن إطار وطني مشترك.
5 - تعزيز القدرة على التفاوض مع القوى الإقليمية والدولية.
6 - تحويل الموقع المركزي للمملكة إلى عنصر من عناصر التأثير الإقليمي.
ثالثًا: اليوم الوطني السعودي بدلالة مفهوم الجيوبولتيك:
مفهوم الجيوبولتيك لا يقتصر على الحدود والموارد والتحالفات، بل يشمل أيضًا الثقافة والرموز والذاكرة التاريخية، فاليوم الوطني السعودي يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية من خلال استحضار تاريخ التوحيد، والاعتزاز بالتراث، وإبراز التنوع الثقافي للمناطق السعودية الثلاثة عشر.
كذلك تسهم القوة الناعمة، مثل الثقافة والسياحة والرياضة والتعليم، في تعزيز حضور المملكة العربية السعودية دوليًا فأصبح اليوم الوطني وسيلة لإظهار صورة المملكة العربية السعودية بصورة تجمع بين المحافظة على ثوابتها التاريخية والانفتاح على مجالات جديدة من التعاون والتبادل الحضاري.
ومما لا شك فيه بأن اليوم الوطني السعودي ليس مجرد ذكرى تاريخية أو مناسبة احتفالية، بل هو حدث يمكن فهمه من خلال مفهوم الجيوبولتيك بوصفه تعبيرًا عن وحدة المجال الجغرافي، وبناء الدولة، وإدارة الموارد، وترسيخ الهوية، وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية.