د. طلال الحربي
يعلّمنا الاشتغال الطويل بالتاريخ أن الأيام لا تتساوى في موازينها، فمنها ما يمرّ عابراً في حواشي الحوليات، ومنها ما يتحوّل إلى مفصلٍ تُقاس به الأزمنة قبله وبعده. والثالث والعشرون من سبتمبر عام 1932م، الموافق للحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة 1351هـ، من هذا الصنف النادر؛ ففيه أُعلن الأمر الملكي بتحويل اسم «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها» إلى «المملكة العربية السعودية»، فاكتمل على الورق ما كان قد اكتمل قبله على الأرض وفي النفوس. واليوم، ونحن نستقبل الذكرى لهذا الإعلان، يجد المؤرخ نفسه أمام تجربةٍ سياسية تستحق أن تُقرأ بعين الدارس لا بعين المحتفل وحده، لأن ما تحقق فيها يتجاوز في دلالته حدود المناسبة إلى أسئلة الدولة والشرعية والاستمرار.
بدأت الحكاية فجر الخامس من شوال سنة 1319هـ، حين استعاد الشاب عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الرياض ومعه نيّفٌ وستون رجلاً، في مغامرةٍ كانت بمقاييس ذلك الزمن أقرب إلى المستحيل، غير أن قيمة ذلك الفجر لا تكمن في جسارته العسكرية بقدر ما تكمن في المشروع الذي حمله صاحبه؛ فقد أمضى الملك المؤسس ثلاثة عقود يجمع أطراف جزيرةٍ مترامية، متنازعة الولاءات، شحيحة الموارد، ويحوّل شتاتها إلى كيانٍ واحد. وما يستوقف الباحث في سيرته أنه كان بانيَ مؤسساتٍ بقدر ما كان قائد ميدان؛ فمن توطين البادية في الهجر، إلى إنشاء مجلس الشورى في مكة المكرمة، إلى تنظيم الإدارة والمال، ثم تدفّق النفط من بئر الدمام السابعة عام 1938م، وصولاً إلى حضور المملكة عضواً مؤسساً في جامعة الدول العربية وفي الأمم المتحدة عام 1945م. لقد أدرك الملك عبدالعزيز مبكراً أن الوحدة التي تقوم على الغلبة وحدها لا تعيش، وأن ما يُبقيها هو العدل وتحكيم الشريعة والأمن فأقام بنيانه على هذه الأسس.
ويلفت نظر المؤرخ المقارن أمرٌ قلّما التفتت إليه الدراسات، وهو أن الدول التي يؤسسها رجالٌ استثنائيون كثيراً ما تتصدّع بعد رحيلهم، إذ يرث الخلفاء الملك ولا يرثون الرؤية. أما في التجربة السعودية فقد جاء أبناء المؤسس ليبني كلٌّ منهم طبقةً فوق ما وضعه سابقه. ففي عهد الملك سعود انتظم مجلس الوزراء وتوالت الوزارات وافتُتحت أول جامعة في البلاد عام 1957م. وجاء الملك فيصل فجمع بين التحديث والأصالة في معادلةٍ دقيقة، فرسّخ تعليم البنات، وأطلق أولى خطط التنمية الخمسية، وجعل للمملكة صوتاً مسموعاً في قضايا الأمتين العربية والإسلامية بلغ ذروته في موقفه التاريخي عام 1973م. وفي عهد الملك خالد وُضعت أسس الصناعة الحديثة في الجبيل وينبع، ونشأت سابك، وانطلق مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981م. ثم جاء الملك فهد فأرسى البناء الدستوري للدولة بالنظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق عام 1992م، واتخذ لقب خادم الحرمين الشريفين عنواناً لمسؤوليةٍ شهدت في عهده أوسع توسعات المسجد الحرام والمسجد النبوي. وحمل الملك عبدالله الراية فانفتح على المعرفة بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية وببرنامج الابتعاث الذي أرسل عشرات الآلاف من أبناء الوطن وبناته إلى جامعات العالم، ودخلت المملكة في عهده منظمة التجارة العالمية. وحين تتأمل هذه السلسلة المتصلة تدرك أن انتقال السلطة فيها ظل سلساً مستقراً في منطقةٍ عرفت الانقلابات والحروب الأهلية وتبدّل الأنظمة، وهذا وحده منجزٌ يستحق أن يُدرّس.
ثم آلت الأمانة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو رجلٌ عرف الدولة من داخلها طوال ما يقارب نصف قرنٍ أميراً للرياض، شهد فيها تحوّل البلدة الطينية إلى عاصمةٍ عالمية، وعرف التاريخ من قلبه راعياً لدارة الملك عبدالعزيز ومهتماً بتوثيق مسيرة الوطن، ومن هنا كان طبيعياً أن يحمل عهده حساً تاريخياً عميقاً، تجلّى في الأمر الملكي باعتماد يوم التأسيس الذي أعاد وصل الحاضر بجذوره الممتدة إلى عام 1727م وقيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود. وتلك إضافةٌ يقدّرها المؤرخ حق قدرها، لأنها صحّحت الوعي بعمق الدولة، فجعلت التجربة السعودية تُقرأ بوصفها مساراً ممتداً ثلاثة قرون، ونهضت فيه الدولة مرتين، وفي هذا النهوض المتكرر برهانٌ على أن فكرتها أقوى من كل ما واجهها.
وفي هذا العهد برز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، ولم يكن غريباً أن يرى فيه السعوديون شبهاً بجده المؤسس. والشبه الذي يعنيه المؤرخ هنا أعمق من الملامح؛ إنه شبهٌ في الجسارة على ما يراه الآخرون مستحيلاً، وفي القدرة على قراءة اللحظة التاريخية قبل أن تكتمل، وفي الإيمان بأن الإنسان السعودي هو رأس المال الحقيقي. فكما خرج عبدالعزيز من الكويت بقلةٍ من الرجال ليعيد رسم خريطة الجزيرة، أطلق حفيده عام 2016م رؤية المملكة 2030 ليعيد رسم خريطة الاقتصاد والمجتمع، فانتقلت البلاد من الاعتماد على مورد واحد إلى تنويعٍ واسع في السياحة والصناعة والتقنية والثقافة والرياضة، واتسعت مشاركة المرأة في سوق العمل ومواقع القرار، وخاضت الدولة معركةً حازمة ضد الفساد، وتحولت جودة الحياة من شعارٍ إلى برنامجٍ ملموس. وحين يفوز الوطن باستضافة معرض إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، فإن العالم يشهد بذلك أن هذا البلد صار مقصداً للحدث الدولي وشريكاً في صناعته.
على أن المؤرخ يعلم أن كل هذا البناء ما كان ليقوم لولا الأمن الذي يسبق العمران ويحرسه. وقد قرّر ابن خلدون قبل ستة قرون أن العمران لا يزدهر إلا في ظل دولةٍ مستقرة، والمتأمل في محيطنا الإقليمي خلال العقود الأخيرة يرى مصداق ذلك جلياً؛ فقد تهاوت دولٌ وتمزقت مجتمعات، بينما ظلت المملكة واحةً للأمن وركيزةً للاستقرار في الإقليم والعالم، ينام أهلها آمنين، ويؤدي ملايين الحجاج والمعتمرين مناسكهم في طمأنينة، ويخطط شبابها لمستقبلهم بثقة. وهذا الأمن لم يأتِ هبةً عابرة، فهو ثمرة عقدٍ متين بين قيادةٍ أخلصت لشعبها وشعبٍ التفّ حول قيادته، وهو العقد ذاته الذي أرسى أسسه عبدالعزيز قبل قرابة قرن.
والتجربة السعودية حملت ما تحمله قرونٌ في تجارب غيرها، ونحن إذ نحتفي اليوم بهذه الذكرى، نحتفي بسيرة دولةٍ كتبت تاريخها بيدها، ونجدد العهد لقيادتها على أن نكون أوفياء لما بُذل، جديرين بما ينتظرنا. حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها ورخاءها، وحفظ خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين.