علي بن عبدالله علي الوهابي
في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام يتجدد الفرح في كل بيت سعودي وترتفع راية الوطن في الشوارع والميادين ويتذكر الناس قصة وطن لم يكن وصوله إلى ما هو عليه اليوم أمرًا عابرًا بل رحلة طويلة من التأسيس والبناء والعمل.
ومع ذلك يظل السؤال حاضرًا ..ماذا يعني لنا اليوم الوطني؟
هل هو يوم نرتدي فيه اللون الأخضر ونرفع الأعلام ونحتفل ثم تنتهي المناسبة بانتهاء يومها؟ أم أن لهذا اليوم معنى أكبر من ذلك بكثير؟
في اعتقادي أن اليوم الوطني الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الاحتفال.
فالوطن ليس مناسبة تأتي مرة في السنة وإنما هو حياة نعيشها كل يوم. هو البيت الذي نعود إليه والمدرسة التي يتعلم فيها أبناؤنا والطريق الذي نسلكه والعمل الذي نؤديه والأمان الذي اعتدنا عليه حتى أصبح بالنسبة لنا شيئًا طبيعيًا لا نفكر فيه كثيرًا.
وهذا الأمان تحديدًا من أعظم النعم التي تستحق أن نتوقف عندها.
عندما نستعيد قصة توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه، فإننا لا نستعيد حدثًا تاريخيًا فحسب بل نستعيد بداية مرحلة أسست لدولة استطاعت خلال عقود أن تنتقل من مرحلة التأسيس إلى مراحل متتابعة من التنمية والبناء.
الأجيال التي سبقتنا لم تكن تملك كل ما نملكه اليوم..كانت الحياة مختلفة والإمكانات محدودة لكن كان هناك إصرار على بناء دولة مستقرة وعلى أن يكون للأبناء والأحفاد مستقبل أفضل.
ونحن اليوم نعيش نتائج ذلك العمل.
لكن ماذا سنترك نحن للأجيال القادمة؟
هذا السؤال بالنسبة لي أهم من سؤال: ماذا حققنا؟
فكل جيل يأخذ من الوطن شيئًا لكنه في المقابل مطالب بأن يعطيه شيئًا وليس المقصود بالعطاء دائمًا إنجازًا كبيرًا أو مشروعًا ضخمًا فقد يكون العطاء في وظيفة يؤديها الإنسان بإخلاص أو معلم يخرج جيلًا جيدًا أو أب يربي أبناءه على احترام الوطن والأنظمة والناس.
وقد يكون في مواطن يرى مخالفة فيتجنبها أو يرى مرفقًا عامًا فيحافظ عليه أو يختلف مع شخص فيحافظ على احترامه له.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية مجتمعًا كبيرًا.
ولذلك فإن حب الوطن لا ينبغي أن يكون مجرد شعور نعلنه بل سلوكًا نراه في حياتنا.
ومن الجميل أن نحتفل وأن نفرح وأن نرى أعلام المملكة في كل مكان..هذه مظاهر تعبر عن مشاعر حقيقية يعيشها الناس ولا أحد يريد أن ينتقص منها.
لكن الاحتفال الأجمل هو أن يستمر أثر هذا الشعور بعد انتهاء المناسبة.
أن نعود في اليوم التالي إلى أعمالنا ونحن أكثر حرصًا على أداء واجبنا.
أن يعود الطالب إلى مدرسته وهو يعرف أن نجاحه ليس نجاحًا شخصيًا فقط بل جزء من مستقبل وطنه.
أن يعود الموظف إلى عمله وهو يدرك أن الوقت الذي يقضيه في عمله ليس مجرد ساعات للحصول على راتب وإنما جزء من منظومة أكبر.
وأن يدرك كل واحد منا أن المحافظة على ما تحقق ليست أقل أهمية من تحقيق إنجاز جديد.
لقد تغيرت المملكة كثيرًا خلال السنوات الماضية وأصبحت أمامها فرص كبيرة وطموحات أكبر وهذه المرحلة تحتاج منا جميعًا إلى أن نكون جزءًا منها كلٌ من موقعه.
الدولة تستطيع أن تبني المشاريع وتضع الخطط وتفتح المجالات لكن نجاح أي مشروع في النهاية يحتاج إلى إنسان يحافظ عليه ويستفيد منه ويطوره.
وهنا تأتي مسؤولية المواطن.
ليس المطلوب أن يكون الجميع متشابهين ولا أن تكون لنا الآراء نفسها في كل شيء. الاختلاف الطبيعي موجود في كل مجتمع لكن الذي يجمعنا أكبر من الاختلاف يجمعنا وطن واحد ومستقبل واحد ومصلحة مشتركة.
ولهذا فإن اليوم الوطني فرصة لأن ننظر إلى الأمام لا أن نكتفي بالنظر إلى الخلف.
نفتخر بما صنعه الآباء والأجداد ونقدر ما قدموه لنا ثم نسأل أنفسنا بهدوء.. ماذا سنقدم نحن؟
فالوطن الذي ورثناه لم يصنعه جيل واحد.
إنه سلسلة طويلة من العمل كل جيل يضيف إليها حلقة جديدة.
ولهذا أعتقد أن أجمل عبارة يمكن أن نقولها في اليوم الوطني ماذا فعلنا هذا العام من أجل أن يكون وطننا أفضل في العام القادم؟
قد تكون الإجابة بسيطة وقد تكون صغيرة لكنها إذا جاءت من ملايين السعوديين فإن مجموعها يصبح شيئًا كبيرًا.
الوطن لا يحتاج منا أن نتذكره في يوم واحد.
الوطن يحتاج منا أن نحافظ عليه كل يوم وأن نعمل من أجله كل يوم وأن نترك لأبنائنا وطنًا نفتخر نحن بما قدمناه له ويفتخرون هم بما تركناه لهم.
نحتفل بالوطن في يوم لكن الوطن يستحق أن نعمل له طوال العام.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وأدام عليها أمنها واستقرارها وحفظ قيادتها وشعبها وكتب لها مزيدًا من التقدم والازدهار.