صبحي شبانة
سؤال تصعب الإجابة عليه في عصر تتسارع فيه الخوارزميات بوتيرة تسبق قدرتنا على الفهم، وتتداخل فيه التكنولوجيا مع تفاصيل حياتنا وقراراتنا وصورتنا عن أنفسنا، بعدما صار لكل إنسان منبر وصورة وحكاية، جملة بسيطة كانت قبل عقدين تبدو أقرب إلى الخيال، لكنها اليوم تختصر واحدًا من أعمق التحولات التي عرفها الإنسان منذ اختراع الكتابة، فقد كان المنبر في أزمنة سابقة امتيازًا نادرًا يُمنح لقلة، وكانت الصورة حكرًا على من يملك فرشاة الرسام أو عدسة المصور، وكانت الحكاية تُروى غالبًا بصوت واحد يختاره البعض أو تكتبه المؤسسات، بينما يظل الملايين خارج الإطار، بلا اسم وبلا أثر، أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح في يد كل إنسان تقريبًا هاتف يمكن أن يتحول في لحظة إلى منبر وصحيفة وكاميرا ونافذة على العالم، يستطيع من خلاله أن يتحدث إلى الملايين، وأن يصنع صورته، وأن يروي حكايته في اللحظة نفسها التي تقع فيها الأحداث، لكن هذه الثورة لم تمنح الإنسان قدرة غير مسبوقة على الكلام فحسب، وإنما نقلته إلى عصر أصبحت فيه المشكلة أقل ارتباطًا بنقص المعلومات، وأكثر ارتباطًا بالقدرة على فهمها واختيارها والتمييز بينها.
لقد كان الوصول إلى المعرفة في زمن سابق يحتاج إلى كتاب أو مكتبة أو أستاذ أو مؤسسة إعلامية، أما اليوم فقد أصبح العالم كله تقريبًا داخل شاشة صغيرة، ومع ذلك لم تجعل وفرة المعلومات الإنسان بالضرورة أكثر معرفة، لأن المعلومة ليست معرفة، والمعرفة ليست حكمة، والوصول إلى الأشياء لا يعني بالضرورة القدرة على فهمها أو إدراك آثارها، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فكلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى المعلومات، ازدادت حاجتنا إلى القدرة على الفرز، وكلما أصبح نشر الحقيقة أسهل، أصبح نشر الوهم والكذب أسرع كذلك، لأن الحقيقة تحتاج إلى دليل ووقت وسياق، بينما لا يحتاج الوهم إلا إلى صورة صادمة، أو عنوان مثير، أو جملة مصممة بعناية لتلامس خوف الإنسان أو غضبه أو فضوله، وفي عالم تتحرك فيه المعلومة خلال ثوانٍ، قد تصل الرواية الكاذبة إلى ملايين العقول قبل أن تبدأ الحقيقة أصلًا في ارتداء ثوبها الكامل.
والآن أصبح من يملك القدرة على جذب الانتباه يملك نوعًا جديدًا من النفوذ، فالاهتمام أصبح عملة العصر، ومن يستطيع أن يحتل مساحة في عقول الناس يستطيع أن يؤثر، ولو بدرجات مختلفة، في مزاجهم واختياراتهم وطريقة رؤيتهم للعالم، ولهذا لم تعد المعركة الكبرى في الفضاء الرقمي على المعلومة وحدها، وإنما على انتباه وفهم وادراك الإنسان، لأن من يملك انتباهه يستطيع أن يقترب من وعيه، وهنا تظهر الخوارزميات، ذلك اللاعب الخفي الصامت الذي يعمل خلف الشاشة دون أن نراه، يعرف ما نقرأ، وما نتوقف أمامه، وما يثير غضبنا، وما يدفعنا إلى الضحك، وما يجعلنا نعود إلى الشاشة مرة أخرى، ولا يحتاج إلى أن يخبرنا مباشرة بما ينبغي أن نعتقده، يكفيه أحيانًا أن يختار لنا ما نراه، وأن يخفي عنا ما لا ينسجم مع سلوكنا الرقمي، حتى نجد أنفسنا تدريجيًا داخل عالم مصمم على مقاس عاداتنا واهتماماتنا، ومن هنا يبدأ أحد أخطر أسئلة العصر: هل نحن الذين نختار ما نراه، أم أن ما نراه يعيد تشكيل ما نختاره؟
في الماضي كان الإنسان يفتح صحيفة فيعرف أن هناك محررًا اختار له ما يقرأ، أو يجلس أمام شاشة التلفزيون فيعرف أن مؤسسة إعلامية حددت له ما يشاهد، أما اليوم فقد أصبح يعيش إحساسًا واسعًا بالاختيار، بينما تعمل خلف الشاشة أنظمة معقدة ترتب له العالم وفق حسابات لا يعرف معظمنا تفاصيلها، وقد لا تكمن المشكلة في وجود الخوارزمية نفسها، وإنما في أننا بدأنا نعيش معها دون أن نسأل بما يكفي عن حدود نفوذها، فقد أصبح لكل واحد منا عالمه الرقمي الخاص، يرى فيه الأشخاص والأفكار والأخبار التي تشبهه وتؤكد قناعاته، بينما تتراجع الأصوات المختلفة تدريجيًا، وهكذا يمكن لملايين البشر أن يعيشوا في المكان نفسه، ويتحدثوا اللغة نفسها، ويواجهوا الحدث ذاته، ثم يخرج كل واحد منهم بصورة مختلفة تمامًا عن الواقع، لأن كل واحد منهم رأى نسخة مختلفة من العالم، وهذا ليس خطرًا بسيطًا، لأن المجتمعات لا تعيش على المعلومات وحدها، وإنما تحتاج إلى أرضية مشتركة لفهم الحقيقة، وحين يصبح لكل فرد واقعه الرقمي الخاص، فإن الخلاف قد لا يعود مجرد اختلاف في الرأي، وإنما يتحول أحيانًا إلى اختلاف حول ما إذا كان الحدث قد وقع أصلًا، وهنا تصبح التكنولوجيا لا مجرد وسيلة لنقل الواقع، وإنما قوة تشارك في تشكيل الطريقة التي نفهم بها الواقع.
لعل أكثر ما تغير في الإنسان هو علاقته بصورته عن نفسه، فقد كان الإنسان في السابق يعيش حياته ثم يروي بعضًا منها، أما اليوم فقد أصبح كثيرون يصنعون جانبًا من حياتهم لكي يرووه، ولم تعد الصورة دائمًا نتيجة للحظة، بل قد تصبح اللحظة نفسها نتيجة للرغبة في التقاط الصورة، ولم تعد الحكاية مجرد سرد لما حدث، وإنما أصبحت أحيانًا صناعة لما نريد للآخرين أن يروه عنا، ومن هنا نشأت هوية جديدة تقع بين ما نحن عليه بالفعل، وما نريد أن نكونه، وما نريد للآخرين أن يعتقدوا أننا عليه، وحين تدخل الأرقام والخوارزميات في تعريف القيمة، يصبح عدد المتابعين معيارًا للنجاح، وعدد الإعجابات مؤشرًا على القبول، وعدد المشاهدات دليلًا على أهمية الفكرة، وكأن الإنسان بدأ يقيس قيمته بما تقوله الشاشة عنه، مع أن الأرقام لا تعرف دائمًا قيمة الإنسان، والانتشار لا يعني الحقيقة، والشهرة ليست بالضرورة معرفة، والصوت الأعلى ليس بالضرورة الصوت الأصدق، ولم تعد الصورة مجرد وسيلة للتوثيق، فقد أصبحت في أحيان كثيرة وسيلة لصناعة واقع بديل، تُرتب وتُجمّل وتُنقّح حتى تتحول من تسجيل للحظة إلى نسخة مثالية منها، ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليزيد المسألة تعقيدًا، فأصبح في الإمكان إنتاج وجوه لم توجد، وأصوات لم تُنطق، ومشاهد لم تقع، بصور يصعب أحيانًا على العين المجردة أن تكتشف زيفها، وهو ما يضع الإنسان أمام أزمة جديدة، فكيف يمكن أن يثق بصورة إذا كانت الصورة نفسها لم تعد دليلًا كافيًا على وقوع ما تصوره؟
لقد تحرر الإنسان بذلك من احتكار الحقيقة التي فرضتها المؤسسات التقليدية، لكنه وجد نفسه أمام مشكلة أخرى، هي أن الحقيقة أصبحت محاطة بعدد هائل من الروايات المتنافسة والمتناقضة، ولم تعد المشكلة دائمًا في أن نجد معلومة، وإنما في أن نعرف أي معلومة تستحق أن نصدقها، ومن أين جاءت، ولماذا ظهرت أمامنا، وما الذي لم يظهر، وفي عالم كهذا يصبح التفكير النقدي ليس رفاهية ثقافية، وإنما وسيلة لحماية الإنسان من أن يتحول إلى متلقٍ دائم.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع البشرية أمام مرحلة أكثر عمقًا، فقد انتقلت الآلة من مجرد تنفيذ الأوامر إلى إنتاج النصوص والصور والأصوات، وتحليل البيانات، واقتراح الحلول، والمساعدة في قرارات كانت حتى وقت قريب تعتمد بصورة شبه كاملة على العقل البشري، وهذه قفزة تحمل فرصًا هائلة، لكنها تطرح سؤالًا يتجاوز التقنية نفسها: إذا أصبحت الآلة قادرة على القيام بجزء متزايد من العمل العقلي، فما الذي سيبقى للإنسان بوصفه إنسانًا؟
ربما تكمن الإجابة في الأشياء التي لا ينبغي أن نتخلى عنها أصلًا، في الحكم الأخلاقي، والخيال، والتعاطف، والمسؤولية، والقدرة على إدراك المعنى، وعلى السؤال عن الغاية وليس فقط عن الوسيلة، فالآلة قد تستطيع أن تخبرنا كيف نفعل شيئًا، لكنها لا ينبغي أن تكون هي التي تحدد لنا لماذا نفعله، ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن تصبح الآلة أكثر قدرة، وإنما أن يتخلى الإنسان طوعًا عن حقه في التفكير، وأن يعتاد أن تأتيه الإجابة قبل صياغة السؤال، وأن يصبح عاجزًا عن اتخاذ موقف ما لم تقترح عليه الخوارزمية ما ينبغي أن يفعله، فالمشكلة ليست في أن تستخدم الآلة عقلها الحسابي لمساعدتنا، وإنما في أن نسمح لها تدريجيًا بأن تحل محل العقل الذي يجب أن يظل مسؤولًا عن الاختيار.
لقد منحتنا التكنولوجيا سرعة غير مسبوقة، لكن السرعة ليست دائمًا فضيلة، فهناك أفكار تحتاج إلى وقت كي تنضج، وقرارات تحتاج إلى تردد ومراجعة، ومواقف لا ينبغي أن تُتخذ تحت ضغط اللحظة، وربما كان الإنسان المعاصر في حاجة إلى استعادة قيمة التمهل أكثر من حاجته إلى تطبيق جديد، لأن القدرة على التوقف أحيانًا قد تكون آخر أشكال السيطرة على الذات، فليس كل ما يمكن نشره ينبغي نشره، وليس كل ما يمكن تصويره ينبغي تصويره، وليس كل ما يمكن معرفته يجب أن يشغل عقولنا، وليس كل ما تستطيع الآلة فعله ينبغي أن نسمح لها بفعله، إننا نعيش لحظة تاريخية نادرة، لأن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة تغير حياتنا من الخارج، وإنما أصبحت تدخل إلى داخل الإنسان نفسه، إلى ذاكرته وانتباهه وعلاقاته وقراراته وصورته عن ذاته، ولذلك فإن السؤال عن مستقبل التقنية هو في حقيقته سؤال عن مستقبل الإنسان، لقد كنا نتحدث عن المستقبل باعتباره شيئًا سيأتي، أما الآن فقد أصبح المستقبل يحدث أمامنا، نحن لا ننتظره، وإنما نشارك في صناعته كل يوم، من خلال كل صورة ننشرها، وكل معلومة نصدقها، وكل خوارزمية نسمح لها بأن تعرف عنا المزيد، وكل قرار نترك للآلة أن تساعدنا فيه، وكل مرة نختار فيها السرعة على حساب الفهم، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: إلى أين ستصل التكنولوجيا؟ فهذا سؤال ستجيب عنه التكنولوجيا بنفسها، وإنما السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: إلى أين نريد نحن أن يصل الإنسان، فإذا كان لكل إنسان اليوم منبر وصورة وحكاية، فإن التحدي لم يعد أن نعطي الإنسان صوتًا، فقد حصل عليه، وإنما أن نمنحه الوعي الذي يجعله يعرف ماذا يقول، والمسؤولية التي تجعله يدرك أثر ما يقول، والقدرة على التمييز التي تمنعه من تحويل المنبر إلى سلاح ضد الحقيقة.
فتحت التقنية أبوابًا لم تكن البشرية تحلم بها، لكنها في الوقت نفسه فتحت أمامنا أسئلة لم نكن مستعدين للرد عليها، وربما لا تكون الحكمة في أن نخاف من هذه الأسئلة، ولا في أن نتظاهر بأننا نملك إجاباتها كلها، وإنما في أن نمتلك الشجاعة لمواجهتها، وأن ندرك أن أعظم إنجاز تقني يمكن أن يتحول إلى خطر إذا فقد الإنسان القدرة على توجيهه، فالمستقبل لن تحدده الآلات وحدها، ولن تصنعه الخوارزميات بمفردها، وإنما سيصنعه الإنسان من خلال الطريقة التي يختار بها أن يستخدم هذه القوة الجديدة، وبين أن تكون التكنولوجيا امتدادًا للعقل البشري، أو أن يصبح العقل البشري تابعًا لها، تقع واحدة من أهم معارك القرن، ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً، وإنما أن يصبح الإنسان أقل تفكيرًا.
لذلك، وسط هذا التدفق الذي لا يتوقف، وهذه السرعة التي تسبق قدرتنا على الفهم، ربما نحتاج إلى لحظة صمت، لا لنبتعد عن المستقبل، وإنما لكي نراه بوضوح، فليس المهم أن نصل إليه أولًا، وإنما أن نصل إليه ونحن ما زلنا نعرف من نحن؟، وماذا نريد؟، ولماذا اخترنا هذا الطريق؟، لقد أصبح لكل إنسان منبر وصورة وحكاية، لكن السؤال الذي سيحسم مستقبلنا ليس من يملك المنبر، ولا من يملك الصورة، ولا من يروي الحكاية، وإنما من يملك القدرة على أن يظل إنسانًا في عالم أصبحت فيه الآلة قادرة على أن تفعل كل شيء تقريبًا.