مرفت بخاري
لماذا أصبحنا نخلط بين الكرامة والكبرياء؟
ولماذا حين نتحدث عن كرامة المرأة، يتعامل بعضهم مع الأمر وكأننا نمنحها امتيازًا، وحين نتحدث عن كرامة الرجل، يظن بعضهم أن احترامه يعني أن تتنازل المرأة عن حقوقها؟
الحقيقة أن الكرامة لا جنس لها، ولا عمر لها، ولا منصب لها، ولا مكانة اجتماعية تحدد مقدارها.
الكرامة حق إنساني قبل أن تكون مطلبًا اجتماعيًا، ولذلك لم يجعلها الإسلام امتيازًا لفئة دون أخرى، بل جعل أصل التكريم للإنسان نفسه، فقال تعالى:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.
واللافت في الآية أن الله سبحانه وتعالى قال: بني آدم، ولم يقل الرجال أو النساء، الأغنياء أو الفقراء، الأقوياء أو الضعفاء.
فالتكريم هنا للإنسان لأنه إنسان، ومن هذا المعنى تبدأ الحكاية، أن تحافظ على كرامة من تحب، لا يعني أن تكون ضعيفًا أمامه، وأن تطلب كرامتك من الآخرين لا يعني أن تكون متكبرًا عليهم، هناك فرق كبير بين الكرامة والكبرياء.
الكبرياء قد يدفع الإنسان إلى أن يقول: أنا لا أحتاج أحدًا، أما الكرامة فتقول: أحتاجك، وأحبك، وأقدرك، لكنني لا أقبل أن أُهان، ولا أقبل أن أهينك، وهنا يصبح الحب أكثر نضجًا.
فالحب الذي يحتاج إلى الإهانة حتى يثبت سيطرته، ليس حبًا، والحب الذي يطلب من أحد الطرفين أن يلغي نفسه حتى تستمر العلاقة، ليس شراكة، والعلاقة التي يعيش فيها أحدهما مرفوع الرأس بينما يعيش الآخر منكسرًا، لا يمكن أن تكون علاقة سوية مهما طال عمرها.
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة للعلاقة بين الزوجين حين قال تعالى:
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
لم يقل سبحانه وتعالى عاشروهن بما يوافق مزاجكم، ولا بما يمنحكم السلطة، وإنما قال بالمعروف، والمعروف كلمة واسعة، يدخل فيها حسن القول، وحسن المعاملة، وصيانة المشاعر، وحفظ الحقوق، واحترام الإنسان الذي اختار أن يشاركك حياته.
وفي المقابل، لم يجعل الإسلام الرجل خصمًا للمرأة، ولا المرأة خصمًا للرجل، بل قال سبحانه وتعالى:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
حقوق متبادلة، ومسؤوليات متبادلة، وكرامة متبادلة، ولهذا كان من أجمل ما جاء في السنة النبوية قول الرسول-صلى الله عليه وسلم-: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
تأملوا المعنى، النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجعل معيار خيرية الإنسان فيما يراه الناس منه خارج بيته فقط، وإنما جعل لأخلاقه مع أهله مكانًا عظيمًا من ميزان الخيرية.
فالإنسان الذي يبتسم للغرباء، ويحسن الحديث مع الناس، ثم يعود إلى بيته ليكسر زوجته بكلمة، أو يهين أبناءه، أو يستخدم سلطته لإذلال من حوله، يحتاج أن يعيد النظر في معنى الأخلاق.
والأمر لا يتعلق بالرجل وحده، فالمرأة التي تجعل من إهانة زوجها أمام الناس وسيلة للانتصار، أو تستخدم أسراره في لحظة غضب، أو تحوله إلى مادة للسخرية أمام أبنائه، لا تحفظ كرامتها بإهدار كرامته، فالكرامة لا تُبنى على أن أكسب المعركة وأترك الآخر مهزومًا، الكرامة أن تنتهي المعركة دون أن نخسر إنسانيتنا.
وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- نموذجًا في التعامل الإنساني حتى في أكثر المواقف التي كان يمكن أن تتحول إلى غضب أو عقوبة أو انتقام.
وهذه قاعدة عظيمة في الحياة، يمكنك أن تصحح الخطأ دون أن تكسر صاحبه، ويمكنك أن ترفض السلوك دون أن تهين الإنسان، ويمكنك أن تختلف مع شخص دون أن تحوله إلى عدو.
وإذا انتقلنا من النصوص إلى التاريخ، وجدنا أن أعظم الحضارات لم تكن تقاس فقط بما شيدته من قصور، وإنما بما تركته من قيم تحفظ للإنسان مكانته، وفي سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- مواقف كثيرة تؤكد أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إذلال الآخرين.
فحين دخل مكة فاتحًا، وهو الذي خرج منها مطاردًا، وأوذي وأُخرج منها أصحابه، كان يستطيع أن يجعل لحظة النصر لحظة انتقام، لكنه قال لقريش:
«اذهبوا فأنتم الطلقاء».
كان قادرًا على الانتقام، لكنه اختار العفو، وهنا تتجلى إحدى أعظم صور الكرامة، أن تكون قادرًا على الرد، ثم تختار ألا تؤذي، أن تكون في موضع قوة، ثم لا تستخدم قوتك لإذلال من أصبح أضعف منك، أن تستطيع أن تقول للآخر: أنت خسرت، دون أن تقول له: أنت لا قيمة لك.
ولذلك فإن الكرامة ليست دائمًا في الرحيل، كما تصور لنا بعض الخطابات الحديثة، أحيانًا تكون الكرامة في البقاء مع وضع الحدود، وأحيانًا تكون في الاعتذار، وأحيانًا تكون في المسامحة، وأحيانًا تكون في أن تقول: أخطأت، وأحيانًا تكون في أن تقول: أحبك، لكن هذا التصرف يؤذيني.
وأحيانًا تكون في أن تغادر علاقة استنفدت قدرتها على الإصلاح، دون تشهير، ودون انتقام، ودون تحويل الماضي الجميل إلى ساحة لتصفية الحسابات، فالقرآن حين تحدث عن الطلاق، وهو من أكثر أبواب العلاقات حساسية، وضع قاعدة تستحق أن تُكتب بماء الذهب:
{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.
حتى الفراق له أخلاق، حتى نهاية الحب لها كرامة، حتى العلاقة التي لم تستطع أن تستمر، يمكن أن تنتهي دون أن يتحول أحد الطرفين إلى عدو للآخر، وهذا درس نفتقده كثيرًا في زمننا.
فبعض الناس حين يحبون، يمنحون كل شيء، وحين يغضبون، يستردون كل شيء بطريقة مؤذية، يكشفون الأسرار، ويشوهون الذكريات، ويستدعون الأبناء إلى الخلاف، ويحولون الإنسان الذي كان بالأمس أقرب الناس إلى مادة للحديث والسخرية، وكأن انتهاء العلاقة يمنح الإنسان تصريحًا بإلغاء كل ما كان بينهما من عشرة.
وهذا ليس من المروءة، فالإنسان الكريم لا يتغير معدنه لأن العلاقة تغيرت، ومن أجمل ما يحتاجه مجتمعنا اليوم أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهين، وكيف نرفض دون أن نجرح، وكيف ننهي العلاقة دون أن نقتل ما كــان فيها من جميل.
الكرامة ليست أن ترفع صوتك، وليست أن تنتصر في النقاش، وليست أن تترك الآخر يبكي لتثبت أنك الأقوى، وليست أن تعيش دور الإنسان الذي لا يحتاج إلى أحد، الكرامة الحقيقية أن تعرف قيمتك، وفي الوقت نفسه تعرف قيمة الآخرين.
أن تحب دون امتلاك،أن تغار دون تحكم أن تنصح دون تجريح، أن تعاتب دون إهانة، أن تغضب دون ظلم، وأن تختلف دون أن تسقط أخلاقك، حتى الأطفال لهم كرامتهم، وحتى العامل الذي يقف أمامك في مكان الخدمة له كرامته، وحتى كبير السن الذي يكرر كلامه له كرامته.
وحتى الإنسان الذي أخطأ له حق أن يُعامل كإنسان، مع محاسبته على خطئه، بل إن الإسلام وسّع دائرة الرحمة حتى شملت الحيوان، وجعل الإحسان إليه بابًا للأجر، وجعل تعذيبه سببًا للعقوبة، فإذا كانت الرحمة قد وصلت إلى الحيوان، فكيف يمكن لإنسان أن يجعل من إهانة إنسان آخر وسيلة لإثبات قوته؟
نحن بحاجة إلى أن نعيد تربية أنفسنا على مفهوم بسيط جدًا لا تحتاج أن تكسر أحدًا حتى تثبت أنك قوي، ولا تحتاج المرأة إلى إلغاء الرجل حتى تثبت أنها قوية، ولا يحتاج الرجل إلى السيطرة على المرأة حتى يثبت رجولته، القوة ليست في السيطرة، القوة في ضبط النفس، والرجولة ليست في الإهانة، والأنوثة ليست في الخضوع، والحب ليس في امتلاك الآخر، إن أجمل العلاقات هي تلك التي يستطيع فيها الطرفان أن يقولا لبعضهما: أنا أحترمك لأنك إنسان، قبل أن تكون زوجًا أو زوجة، أبًا أو أمًا، حبيبًا أو صديقًا.
وحين نحفظ كرامة الآخر، فإننا في الحقيقة نحفظ جزءًا من إنسانيتنا، ربما آن لنا أن نفهم أن الكرامة ليست بابًا نهرب منه كلما اختلفنا، ولا سلاحًا نرفعه في وجه من نحب، الكرامة مساحة آمنة يقف فيها اثنان، كل منهما يعرف حدوده، ويحفظ حدود الآخر، نختلف، لكن لا نهين، نغضب، لكن لا نظلم، نفترق، لكن لا نتشفى، نحب، لكن لا نمتلك، ونبقى معًا، لكن دون أن يلغي أحدنا الآخر.
فالحب الذي لا يحفظ الكرامة يتحول مع الوقت إلى عبء، والقوة التي لا يرافقها رحمة تتحول إلى قسوة، والكرامة التي تتحول إلى كبرياء تعزل الإنسان عن الناس.
أما أجمل الكرامة، فهي أن تستطيع أن تقول:
أحبك، لكنني لا أملكك، أختلف معك، لكنني لا أهينك، أحتاجك، لكنني لا ألغي نفسي من أجلك، وإن افترقنا يومًا، فلن أحول ما كان بيننا من عشرة إلى سلاح ضدك، لأن الإنسان حين يحفظ كرامة من أمامه، لا يخسر شيئًا من كرامته، بل يثبت أنه ما زال يحمل في داخله شيئًا أثمن من الانتصار.. يحمل إنسانيته.