صالح الشادي
قال الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. من هذا التوجيه الرباني نفهم أن الكلمة ليست مجرد صوتٍ عابر، بل هي سلوكٌ وأخلاقٌ وهوية. ومن هنا كان حديثنا عن ذلك الدفء الذي يتسرّب في عباراتنا اليومية، فيقال للقريب والحبيب: «يا بعد قلبي»، «يا بعد رأسي»، «تامر أمر»، «تمون على خشمي»، ويقال للضيف: «عين لحاف وعين غطا». وهي كلمات لا تجدها في معاجم اللغة بقدر ما تجدها في معاجم القلوب، لأنها وليدة بيئةٍ تربّت على النبل قبل أن تتعلمه، وعلى الرحمة قبل أن تتكلفها.
وحين يغضب السعودي تجد عنده من الأدب ما يحفظ للكلمة وقارها، فيقول: «الله يهديك»، «الله يصلحك»، «مسموح». وهي عباراتٌ تُخرج الغضب من دائرة الانتقام إلى دائرة الدعاء، وتنقل الخلاف من ساحة النفوس إلى ساحة الإحسان. وهذا هو ما أشار إليه القرآن الكريم في وصف عباده: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ». فليس العفو ضعفاً، بل هو قوةٌ من ضبط النفس، وعلوٌّ عن الصغائر، وتربيةٌ على أن الكلمة الطيبة تسبق الفعل الجميل.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا نحن هكذا؟ والجواب لا يقتصر على سببٍ واحد، بل تتشابك فيه البيئة والتاريخ والدين. فالصحراء بمساحاتها الواسعة وقلّة مائها علّمت أهلها أن البقاء لا يقوم إلا على التعاون، وأن الكرم ليس ترفاً بل ضرورة، وأن الجار قبل الدار. ثم جاء الإسلام ليرسّخ هذه المعاني ويصوغها صياغةً ربانية، فصار الكلام عبادةً، والاستقبال كرماً، والغضب حلماً، والعفو شهامة. ثم جاءت البنية القبلية والاجتماعية لتضيف إلى هذه الروح بُعداً آخر، فقد كان النسب والقبيلة شبكة أمان، وابن العم سنداً، والجار ظهراً، فالقبيلة لم تكن يوماً باباً للتعالي، بل كانت باباً للتعارف والتكافل.
وهذا الدفء لم يقتصر على الكلام العابر في المجالس، بل امتد إلى أرقى ما تصوغه النفس العربية من كلام، ألا وهو الشعر. فالسعوديون حتى في قصائدهم أهل كرمٍ ورقةٍ وعفافٍ ونخوة. تجد في شعرهم البكاء على الأطلال حنيناً لا ضعفاً، ووصف المحبوبة عفةً لا مجوناً، وذكر الفرس والسيف نخوةً لا تفاخراً فارغاً.
فالشعر عندهم سجلٌ للقيم لا مجرد ديوانٍ للعواطف. فيه الكرم الذي لا ينتظر شكراً، والرقة التي لا تعرف خشونة، والعفاف الذي لا يمسّه زلل، والنخوة التي لا تعرف تخاذلاً.
وهذا الدفء لا يتوقف عند المجالس والقصائد، بل أصبح ملحوظاً في التغريدات ووسائل التواصل بشكل عام. وفي الأزمات تتحول الوسوم إلى ساحات فزعة: وسم لمساعدة محتاج، وآخر للبحث عن مفقود، وثالث للدعاء لمريض. وفي الأفراح تتسابق التهاني، وفي الأحزان تتوحد العبارات. وحتى في الخلافات، كثيراً ما تُطوى الصفحات بكلمة «مسموح» أو «الله يهديك». وهكذا انتقل مجلس الديوانية إلى الشاشة، وبقي الدفء نفسه، وكأن الكلمة الطيبة لا تحدها حدود المكان.
وهذه السمة لم تبق حبيسة الفرد في مجلسه أو شاعرٍ في قصيدته أو مغردٍ في حسابه، بل امتدت إلى تعامل السعودي مع الناس كافة، سياسياً وتجارياً وسياحياً. فالدبلوماسية السعودية لا تزال تتحدث بلغة الأخ لا الخصم، وبمنطق الشقيق لا المنافس. وفي التجارة، يبدأ التاجر السعودي بـ«شرفتنا» و«نورتنا»، ويختم بـ«الله يعطيك العافية»، وكأن البيع والشراء لا يكتملان إلا بحسن الخلق. وفي السياحة، صارت الضيافة السعودية علامةً مميزة، لأنها ليست خدمةً مدفوعة بقدر ما هي طبعٌ مترسّخ. وحين أطلقت الرؤية السعودية 2030 أبوابها للعالم، لم تكن تفتح أبواباً اقتصادية فقط، بل كانت تفتح قلباً كبيراً عُرف بالترحاب والكرم، وتؤكد أن الكلمة الطيبة ليست شعاراً موسمياً، بل نهج حياة.
ونعم، لكل قاعدة شواذ، فهناك من يخالف هذا النهج في التعامل، وهناك من يخرج عن هذا الأدب في الغضب. لكن الاستثناء لا يُلغي القاعدة، بل يؤكدها. فالمجتمع السعودي في أصله وجوهره مجبولٌ على التراحم والتضييف والنبل، وما يظهر من بعض المظاهر الفردية المخالفة إنما هو عارضٌ لا يمثل عمق الثقافة ولا أصالة التربية. فالمقياس ليس في أن يسقط أحدنا، بل في أن يعود إلى أصله، وأن يبقى الدفء هو الأصل، والكلمة الطيبة هي الأولى.
وهكذا تبقى لغتنا اليومية أجمل سفيرٍ لنا، في المجلس وفي القصيدة وفي التغريدة. فحين تُسأل عن شعبٍ ما، فاسمع أولاً كيف يتكلم. والشعب السعودي يتكلم بلغةٍ تحمل عبق الصحراء، ودفء المجالس، وروح الإسلام. يتكلم بعباراتٍ لا تجدها في القواميس، لكنها محفوظةٌ في القلوب. لغة «يا بعد قلبي» و«تمون» و«عين لحاف وعين غطا»، ولغة «الله يهديك» و«مسموح» حتى في الغضب. فلنحافظ عليها، فهي كنزٌ لا تشتريه الأموال، وتبقى وستبقى الأجمل في ذاكرة الأجيال.