باسم سلامة القليطي
من أعظم النعم أن تنام مطمئناً، وتستيقظ مطمئناً، وتخرج من بيتك ولا تحمل معك سؤالاً عن الطريق، ولا خوفاً على أهلك، ولا قلقاً على ما تركته خلفك. هذه التفاصيل التي تبدو عادية في الحياة اليومية ليست عادية في ميزان النعم؛ فالأمن هو الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يعبد ربه، ويطلب رزقه، ويتعلم، ويعمل، ويبني أسرته ومستقبله. ولذلك جمع الله تعالى بين نعمتي الطعام والأمن فقال: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة، يعرف أن الأمن ليس خدمة تقدمها الدولة للمجتمع فحسب، بل نعمة تستحق الحمد، ومسؤولية تستحق أن يتشارك الجميع في حفظها.
وراء هذا الهدوء الذي نعيشه رجال اختاروا أن يكونوا في الأماكن التي يحتاج الوطن إلى وجودهم فيها.
في الحدود يقف المرابط، بعيداً عن أسرته، قريباً من الخطر، يحمل سلاحه ويؤدي واجبه، بينما يمضي الناس في حياتهم آمنين. رجال القوات المسلحة لا يحرسون خطوطاً على الخريطة فقط؛ إنهم يحرسون بيوتاً، وأُسراً، ومدناً، ومقدسات، ومستقبل أجيال.
وقد عظّمت السنة شأن الرباط في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ». ومن الوفاء لهؤلاء الرجال ألا نرى الأمن نتيجةً حاضرة وننسى ثمنها، وألا نتذكر الحدود فقط عند الخطر، بل نعرف أن وراء استقرارها رجالاً جعلوا من واجبهم حماية الوطن أمانة لا تتوقف على راحة أو قرب من الأهل.
وفي المدن والطرقات والمنافذ والمرافق العامة، يقف رجال الأمن في الصف الآخر من الحماية. يواجهون الجريمة، ويحفظون الأنفس والممتلكات، ويحمون المرافق، ويتعاملون مع الطوارئ، ويعملون على أن تبقى الحياة اليومية مستقرة. وما يحفظه رجل الأمن في لحظة قد لا نعرف قيمته إلا إذا فقدناه؛ فالطريق الآمن، والمنزل المطمئن، والمرفق المحمي، والإنسان الذي يعود إلى أهله سالماً، كلها ثمار لجهد لا يظهر في تفاصيل حياتنا. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.
ومن هنا فإن مسؤولية المجتمع لا تنتهي عند تقدير رجال الأمن؛ بل تبدأ بالتعاون معهم. بالإبلاغ عبر القنوات الرسمية عن كل ما يهدد السلامة. بعدم نشر الشائعات. بعدم تصوير الحوادث الأمنية أو تداولها. وبأن يعرف كل واحد منا أن الكلمة قد تحمي، كما قد تضر. فربما كانت أكثر خدمة يقدمها المواطن لأمن وطنه أن يعرف متى يتكلم، ومتى يسكت، وإلى من يرفع المعلومة.
وتتضاعف عظمة هذه المسؤولية في بلاد اختصها الله تعالى باحتضان مكة المكرمة والمدينة المنورة. مكة ليست مكاناً على خارطة؛ فيها البيت الذي تتجه إليه وجوه المسلمين، وفيها المسجد الحرام الذي جعله الله مثابةً وأمناً، وإليها تفد القلوب قبل الأجساد.
والمدينة ليست مدينة كسائر المدن؛ فيها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها بقيت آثار النبوة وذكريات أصحاب رسول الله رضي الله عنهم حاضرة في وجدان المسلمين.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. ولذلك فإن أمن مكة والمدينة ليس قضية محلية؛ إنه أمن لمقدسات تتعلق بها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
ومن شرف هذه البلاد أن تكون خدمة الحرمين والعناية بقاصديهما جزءاً من مسؤوليتها الكبرى. أن يصل الحاج والمعتمر والزائر آمناً، وأن يؤدي عبادته مطمئناً، وأن يجد في مكة والمدينة ما يعينه على العبادة والسكينة؛ كل ذلك معنى يتجاوز الإجراءات والخدمات إلى رعاية أمانة عظيمة.
ومن هنا نفهم لماذا يكون حفظ أمن المملكة ومقدساتها قضية تتصل بأمن المسلمين وطمأنينتهم.
فالحرمين يحتاجان إلى بلد آمن، والبلد الآمن يحتاج إلى رجال يحرسون حدوده ومداخله ومدنه ومرافقه، وإلى مجتمع يعرف أن استقرار وطنه ليس أمراً يمكن العبث به أو التعامل معه باستخفاف.
إن من يستهدف أمن المملكة لا يواجه حدوداً جغرافية فقط؛ إنه يواجه وطناً يعرف قيمة أرضه ومقدساته، ورجالاً نذروا أنفسهم لحمايته، ومجتمعاً يدرك أن وحدة الصف من أقوى حصون الأوطان. ولذلك لا تكون مواجهة العدوان بالصوت المرتفع وحده. بل بالوعي. والانضباط. والثقة بالمؤسسات الرسمية. وترك الأخبار الأمنية لمصادرها المختصة. وعدم منح الشائعة فرصة لتفعل ما تعجز عنه الأسلحة.
ويبقى الأمن نعمةً، والحَرَمان أمانة، ورجال الوطن موضع وفاء. اللهم احفظ المملكة وقيادتها وشعبها، واحفظ رجال القوات المسلحة ورجال الأمن، واحفظ مكة والمدينة والحرمين الشريفين من كل سوء، ورد كيد المعتدين في نحورهم. فالأمن نعمة تُحمد، وأمانة تُحفظ، ووطن يستحق أن نصونه.