د. فهد بن أحمد النغيمش
إن من اليقظة والوعي، الذي يحمد عند الأمم، أن تذكر نفسها بأيام الله ونعمه، ثم تشكره عليها، حتى لا تسلب إياها. وهو منهج قرآني، فقد أخبرنا الله عز وجل، أنه أمر موسى عليه السلام، بأن يذكر بني إسرائيل بنعمه، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.
وأيام الله؛ هي نعمه التي تفضل بها عليهم. وهو عين ما فعله الأنبياء عليهم السلام، مع قومهم من قبله وبعده، فقد تتابعوا على تذكير أممهم بأيام الله عليهم. فهود عليه السلام قال لعاد: {وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وصالح عليه السلام قال لثمود: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.
وشعيب عليه السلام قال لمدين: {وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}.
وأوحى إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أن يذكر أصحابه رضي الله عنهم، فقال: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
ونحن بدورنا، تأسيًا بهؤلاء الأنبياء الكرام عليهم السلام واتباعًا لمنهج القرآن، نذكر أنفسنا بأيام الله علينا، في بلادنا هذه المباركة. فقد كنا في مسغبة وجوع ولاؤاء هجر حينها الإباء والأجداد ديارنا هذه إلى العراق والشام بحثا عن ما يسد رمقهم ويطعم أولادهم بها أكلوا جلود الأنعام وطبخوا العظام والرفات ثم اليوم نعيش رغدا من العيش والنعم الوافرة.. كنا في خوف، فلا يأمن الواحد على نفسه وأهله وماله؛ فأمننا الله.وكنا في شتات وفرقة وخلاف وعداء، يقاتل بعضنا بعضًا، ويغزو بعضنا بعضًا؛ فجمعنا الله وألف بين قلوبنا. وكنا في جهل وأمية، يطاف بالكتاب في بلدة بأكملها، فلا يوجد من يقرؤه؛ فعلمنا الله. وكنا في أوبئة وأمراض، تفتك بأرواح الناس وصحتهم ويموت من البيت أسرة كاملة دون علاج أو دواء؛ فسلمنا الله. وكنا في فقر وعوز؛ فأغنانا الله.. أفلا يحق لنا أن نشكر الله في صبحنا ومسائنا وليلنا ونهارنا وفي جلوسنا وقيامنا والدعاء بأن يديم الله علينا نعمه الظاهرة والباطنة. ولنحذر من أن نبدل ونغير؛ فيغير الله علينا، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ولنعلم، أنه ليس بيننا وبين الله نسب ولا سبب، إلا عروته الوثقى، وعهد قطعه الآباء على أنفسهم، فإن تمسكنا به وصل سببنا بسببه، وإن أضعناه -والعياذ بالله- أضاعنا الله.
حب الوطن؛ أمر فطري غريزي؛ فإن حب الوطن: كحب الحياة! وإخراج الإنسان من وطنه: كإخراجه من الحياة! ولهذا قرن الله بينهما في كتابه؛ فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}. قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم (ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك)، فقال صلى الله عليه وسلم: (أومخرجي هم؟!) قال: (نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي). قال العلماء: (في هذا دليل على حب الوطن، وشدة مفارقته على النفس؛
هل الدنيا إلا أمن في الوطن، وعافية في الجسد، وكفاية في الرزق، قال صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)، واسألوا الذين فقدوا الأوطان وكثرت عليهم الأحزان، فها هم يتحسسون الأخبار، وقد طال عليهم الانتظار فالصغير مشتاق إلى بيوتها وشعابها ، والكبير يتمنى أن يدفن في ترابها.
تأملوا في وقتنا الحاضر ما تنقله لنا وسائل الإعلام والتواصل من حولنا في أناس لا وطن يحميهم ولا أمن يهدي من روعهم هامت وجوههم في الأرض خوفاً ورعباً جراء حروب طاحنة فهم مشردون في الخيام والملاجئ فقدوا أوطانهم وتمنوا أن يرجعوا إليها ويعيشوا فوق ترابها ولا عجب في ذلك فنعمة الوطن نعمة عظيمة أحس وخز مفارقتها ومصيبة هجرانها خير البشرية صلوات ربي وسلامه حين فارق مرتع صباه ومنشأ ولادته وولادة آبائه فقال حزينا كسيرا: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك).
نحن اليوم نعيش في هذه البلاد ولله الحمد في نعم وافرة وخيرات ظليلة قد حبانا الله إياها، يكفينا ما ننعم به من عقيدة صافية لا بدع ولا شركيات بل تجريد التوحيد للعزيز الحميد القائل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}.
ما كانت هذه الوحدة وهذه النعمة لتكون لولا أن هناك ولله الحمد قيادة تحكم بشرع الله وتجل علماءها وتقمع كل بدعة في الدين محدثة بدء من مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز رحمه الله مرورا بأبنائه الذين تعاقبوا على حكم هذه البلاد فساروا على المنهج والطريقة إلى يومنا الحاضر مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله وولي عهده أيده الله فلا زالوا على الرسم باقون ومستمرون.
وحدة الوطن ليست كلمات بليغةً يتغنى بها الشعراء والأدباء، وليست شعارات رنانة يرددها الناس في كل لقاء بل هو صدق وأمانة ووفاء وحب وشفقة وولاء.
المواطن الحق الذي يؤمن بحب وطنه هو من يحافظ عليه كما يحافظ على بيته وممتلكاته فمحبته والانتماء له أمر غريزي وطبيعة طبع الله النفوس عليها فحين يولد الإنسان في أرض وينشأ فيها فيشرب ماءها ويتنفس هواءها ويحيا بين أهلها؛ فإن فطرته تربطه بها فيحبها ويواليها ويدافع عنها.
إن المواطنة الحق التي يجب أن تعرف هي أن تحافظ على هذه البلاد ومقدراتها وثرواتها فلا يخون المسؤول أمانته ولا يسعى في أخلال أمنها وغش أهلها!
جوهر الوطنية: عقيدة صحيحة، وبيعة في العنق، وأداء للحق، وولاء وطاعة.. وعدم خروج على الجماعة وشكر بالعبادة على نعمة توحيد هذه البلاد فمن تمام النعمة شكرها بالطاعة والقربى إلى الله والدعاء بأن يحفظها من الزوال.
ليس من الفرح بهذا الوطن والتعبير بالاعتزاز بمقدراته وترابه أن تشاهد العبث بمرافقه وأماكنه العامة.