د. صالح بن إبراهيم السكاكر
30 يناير 2013م، كان يومًا شتويًا من أيام الرياض، كنت أقود سيارتي على الطريق الدائري الشمالي، أتأمل تلك المدينة التي بدت لي يومها وكأنها تستيقظ على شيء لا أعرفه بعد، عن يميني وشمالي جسور ومبانٍ شاهقة تشق طريقها نحو السماء، ومشروعات تحارب الزمن كي تتحول من مخططات وأحلام إلى واقع، كان الازدحام شديدًا، فتركت عيني تتنقلان بين السيارات ومن بداخلها، وجوه كثيرة... وأعين أكثر، كنت أتأمل تلك الأعين وأفكر: كم تحمل هذه الوجوه من آمال؟ وكم تختبئ خلف هذه النوافذ من أحلام وطموحات؟ فلكل عين قصة، ولكل قصة حكاية، ودائمًا ما تروي الأعين ما تعجز الأقلام أحيانًا عن كتابته.
وبينما كنت غارقًا في تأملاتي، رن هاتفي، نظرت إلى الشاشة؛ رقم داخلي، وليس رقم هاتف محمول، كانت الساعة تشير إلى الثالثة مساءً، من المتصل؟ أجبت، عرّف الرجل بنفسه، وأخبرني أنه من ديوان ولي العهد، ثم قال، بلا مقدمات طويلة: لديك مقابلة غدًا، الساعة العاشرة صباحًا، في مكتب الوزير، مع الأمير محمد بن سلمان.
انتهت المكالمة، لكن شيئًا في داخلي لم ينتهِ، كان وقع الاتصال عليّ كبيرًا إلى درجة أنني عدت إلى منزل والدي في حي الروابي، وحين وصلت لم أكن أدرك تمامًا كيف قطعت الطريق، كنت أقود، لكن فكري كان في مكان آخر، كانت شمس الرياض الشتوية ترسل أشعتها بين الشوارع والسيارات، وكنت أشعر بأن المدينة التي عرفتها طوال سنوات بدت مختلفة في تلك اللحظة، آلاف البشر من حولي، لكل واحد منهم طريق، ولكل واحد حلم، ولكل واحد معركته الخاصة مع الحياة، أما أنا، فكان ثمة شعور غريب يتسلل إلى داخلي؛ شعور بأن شيئًا ما ينتظرني، وأن هذه المكالمة ربما لم تكن مجرد موعد عابر، كنت في الثامنة والعشرين من عمري، وفي داخلي كثير من الأسئلة والطموحات والانكسارات أيضًا، ومع ذلك، كنت مؤمنًا بأن كل خطوة نخطوها في هذه الحياة قد تكون مرحلة في طريق أطول لا نفهم معناه إلا بعد سنوات، وأن الله سبحانه وتعالى لا يترك الإنسان بلا بصيص نور مهما اشتد عليه الظلام.
عندما وصلت إلى المنزل فتحت نافذة السيارة، فدخل هواء الرياض البارد، ولا أعرف لماذا شعرت يومها وكأنه يحمل إليّ رسالة واحدة: الغد أجمل مما تتصور... كبرت الابتسامة في داخلي، وشعرت، للمرة الأولى منذ زمن، أن هذا الاتصال قد يكون بداية لشيء مختلف، بدأت أستعد لما اعتبرته واحدًا من أهم اللقاءات في حياتي، وكان أول ما جهزته كتابي: (سارة... قصة الحب الخالدة)، أردت أن أهديه للأمير محمد بن سلمان؛ فالكاتب حين يهدي كتابًا لا يهدي أوراقًا مطبوعة، بل يهدي جزءًا من روحه، وشيئًا من سنواته وأفكاره وأحلامه.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت مبكرًا، أخذت حمامًا باردًا علّه يطرد ازدحام الأفكار من رأسي، ثم ارتديت ملابسي، وحملت كتابي، وانطلقت نحو مكتب الوزير.
وصلت قرابة التاسعة صباحًا، جلست في غرفة الانتظار، ومرة أخرى، عاد ذلك «المتأمل» الذي يسكنني، كنت أراقب الموجودين: كلماتهم، حركاتهم، ضحكاتهم، وتفاصيلهم الصغيرة... مرت الدقائق بطيئة... ثم نودي باسمي، حان موعد الدخول.
فُتح الباب، دخلت، ورأيته أمامي: محمد بن سلمان بن عبدالعزيز
نهض من خلف مكتبه وتقدم لاستقبالي، صافحني، ورحب بي، ثم دعاني إلى الجلوس، واعتذر عن تأخر الموعد، كانت هذه التفاصيل البسيطة كافية لأن تكسر كثيرًا من رهبة اللحظة، قدمت له كتابي (سارة... قصة الحب الخالدة) أخذه، ثم بدأ الحديث عن كتابي الأول: (أسطورة ساش)، وهنا تغير كل شيء، لم يعد اللقاء بالنسبة إليّ مجرد مقابلة رسمية، دار الحديث عن الكتابة، والقراءة، والوقت، والشباب، والطموح، ومع مرور الدقائق، بدأ شعور عميق بالطمأنينة يستقر في داخلي، كنت أمامه صالح الحقيقي: بلا تصنع، بلا تزييف، بلا محاولة لأن أبدو شخصًا آخر، كنت كما تمنيت دائمًا أن أكون.
استمر اللقاء قرابة خمس عشرة دقيقة، لكنها بالنسبة إليّ لم تكن خمس عشرة دقيقة عادية، كانت كلمات تُقال في دقائق، لكن أثرها امتد لسنوات، كنت يومها شابًا يحمل داخله شيئًا من الانكسار وكثيرًا من الأسئلة، وخرجت من ذلك اللقاء وأنا أشعر أن شيئًا ما أعيد بناؤه في داخلي: الثقة... الطموح... والإيمان بأن الإنسان قادر على أن يصبح نسخة أخرى من نفسه متى عرف كيف يقود ما بداخله، كان الحديث عن الوقت تحديدًا عالقًا في ذهني، فالوقت ليس شيئًا يمر بنا فحسب؛ الوقت هو الحياة نفسها، وإذا أراد الإنسان أن يكون شيئًا لوطنه ولنفسه، فعليه أن يحترم كل دقيقة من عمره، وأن يقرأ، ويتعلم، ويعمل، ويستزيد من المعرفة، وألا ينتظر المستقبل، بل يشارك في صناعته.
خرجت من المكتب، وركبت سيارتي، لكنني لم أشعر أنني الشخص نفسه الذي دخل قبل خمس عشرة دقيقة، كان ثمة شيء يصعب وصفه قد حدث في داخلي، جلست خلف مقود السيارة للحظات قبل أن أتحرك، وضعت يدي على المقود، ونظرت أمامي، لكنني في الحقيقة لم أكن أرى الطريق؛ كنت أرى نفسي: رأيت ذلك الشاب بكل أحلامه ومراراته، بكل ما أخفاه عن الآخرين، وبكل المرات التي شك فيها في قدرته على الوصول، وشعرت أن شيئًا ثقيلاً كان يسكن صدري قد بدأ يتلاشى، لم تتغير الرياض في تلك الدقائق...الذي تغير كان أنا، الشوارع هي الشوارع، والسيارات هي السيارات، والسماء الشتوية ذاتها، لكن العين التي تنظر إليها لم تعد العين نفسها، كأن أحدًا فتح نافذة في مكان مغلق بداخلي، فدخل منها الضوء دفعة واحدة، شعرت أنني أريد أن أقرأ أكثر، وأن أكتب أكثر، وأن أعمل أكثر، وأن أعوض كل دقيقة أضعتها في الخوف والتردد، لم أخرج من ذلك المكتب العظيم وأنا أعتقد أن الطريق أصبح سهلاً، بل خرجت بشيء أعظم: خرجت وأنا مؤمن بأنني أستطيع أن أسير فيه، دخلت وأنا أحمل أسئلة... وخرجت وأنا أحمل فكرة، دخلت وفي داخلي شاب يبحث عمن يخبره أن أحلامه تستحق... وخرجت وأنا أقول لذلك الشاب بنفسي وبكلماته العظيمة: قم... الطريق أمامك.
كانت تلك واحدة من اللحظات النادرة التي يشعر فيها الإنسان أن حياته لم تتغير من الخارج، لكنها بدأت تتغير من الداخل، وهناك، في أعماقي، بدأت أولى ملامح سؤال ظل يرافقني بعد ذلك: هل يوجد داخل كل إنسان... إنسان آخر؟
وفي الطريق، خطرت لي فكرة: لماذا لا أكتب كتابًا أسميه: (الإنسان الآخر)؟
توقفت طويلًا عند الاسم: الإنسان... والإنسان الآخر... الأول هو الذي يراه الناس، يعيش بينهم، يتحدث إليهم، يعمل، ينجح، يفشل، يبتسم ويحزن، أما الآخر، فهو ذلك الذي لا يراه أحد! يسكن في أعماقنا، يحاورنا حين نصمت، ويواجهنا حين نهرب من أنفسنا، وقد يكون مصدر قوتنا كما قد يكون مصدر ضعفنا، ومن هنا بدأت تتشكل في ذهني: (فلسفة الآخر).
لأن معركة الإنسان الكبرى ليست دائمًا مع العالم من حوله، بل كثيرًا ما تكون مع ذلك الإنسان الآخر الذي يسكن داخله، فإذا عرفه، وفهمه، وقاده، استطاع أن يحوّل خوفه إلى شجاعة، وتردده إلى قرار، وانكساره إلى بداية، وحلمه إلى مشروع، أما إذا تركه يقوده دون وعي، فقد يصبح الإنسان الآخر بوابة للفشل والخوف والاستسلام، وهكذا بدأت الفكرة، كانت شرارة يومها، ثم عاشت معي، كبرت معي، نضجت معي، وتحول السؤال إلى فكرة، والفكرة إلى فلسفة، والفلسفة إلى مشروع فكري حمل اسم: (فلسفة الإنسان الآخر).
وحين اكتمل الكتاب بعد سنوات، لم أشعر أن إهداءه يمكن أن يكون إهداءً تقليديًا، كان لا بد أن يعود إلى الحلم الأول، إلى تلك اللحظة، إلى ذلك الشاب، إلى ذلك الوطن، إلى تلك الكلمات العظيمة، فأهديته إلى أحلامي... وإلى أعظم حلم أحمله لوطني.... وإلى أحلام كل شباب هذا الوطن وفتياته الذين يريدون أن تكون حياتهم أكبر من حدود المستحيل، وبالنسبة إليّ ولكل فتيان وفتيات هذا الوطن العظيم، تجسدت معاني ذلك الحلم في محمد بن سلمان بن عبدالعزيز؛ الرجل الذي ارتبط في تجربتي الشخصية منذ ذلك اللقاء بمعاني العمل والطموح والإنجاز والهمة، ثم رأيت بعد سنوات تلك المعاني تتحول من كلمات سمعتها في مكتب صغير إلى مشروع وطني كبير اسمه: رؤية المملكة 2030.
رؤيةٌ لم تكتفِ بأن ترسم ملامح المستقبل، بل أعادت صياغة علاقة الإنسان السعودي بالطموح؛ حتى غدا الطموح جزءًا من لغة وطن، والفرصة حقلاً واسعًا للمبادرة، والعمل قيمة، والإنجاز ثقافة، والمنافسة طريقًا مفتوحًا أمام جيلٍ أدرك أن مكانه في المستقبل لا يُمنح له، بل يصنعه بعلمه وعمله وإرادته، رؤيةٌ نقلت الأحلام من مساحة التمنّي إلى ميدان الفعل، وجعلت السؤال يتغير من: ماذا سيمنحنا المستقبل؟ إلى: ماذا سنصنع نحن للمستقبل؟ ولعل هذا هو ما يعيدني، في كل مرة، إلى ذلك اليوم الشتوي من يناير 2013، إلى لقاءٍ لم يكن طويلًا في حساب الزمن، لكنه كان عميقًا في حساب الأثر، فقد تعلمت أن بعض اللحظات لا تُقاس بعدد دقائقها، وإنما بما تتركه في أعماق الإنسان؛ فهناك ساعات طويلة تعبر حياتنا ثم تتلاشى من الذاكرة كأنها لم تكن، وهناك دقائق قليلة تنغرس في الروح، تعيد ترتيب أفكارنا، وتوقظ فينا شيئًا كان ساكنًا، ثم تمضي معنا عامًا بعد عام، كان لقائي بمحمد بن سلمان خمس عشرة دقيقة فقط لكن بعض اللقاءات تنتهي حين نغادر المكان، وبعضها يبدأ أثرها الحقيقي بعد أن نغادره وتلك الخمس عشرة دقيقة، بالنسبة إليّ، لم تنتهِ عند باب المكتب في ذلك اليوم لقد بقي أثرها في داخلي ثلاثة عشر عامًا، وما زال.
بالنسبة إليّ، لم تكن قصتي مع الأمير محمد بن سلمان مجرد لقاء مع شخصية عامة، بل كانت لقاءً مع فكرة: أن الطموح ليس ترفًا، وأن المعرفة ليست خيارًا ثانويًا، وأن الإنسان يستطيع أن يعيد بناء نفسه مهما كان داخله من انكسار... وربما كانت المفارقة الأجمل أنني ذهبت يومها لأهديه كتابًا... فخرجت من عنده أحمل فكرة كتاب آخر، دخلت حاملًا (سارة... قصة الحب الخالدة) وخرجت أحمل البذرة الأولى لـ (الإنسان الآخر). وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا، ما زلت أتذكر ذلك اليوم، وتلك المكالمة، وغرفة الانتظار، والباب حين فُتح، والدقائق القليلة التي أعقبت ذلك، لأن بعض الأشخاص يمرون في حياتنا مرورًا عابرًا... وبعضهم يوقظ في داخلنا إنسانًا كان ينتظر لحظة واحدة فقط كي يستيقظ.
فيا صاحب السمو الملكي الأمير..
يا من التقيتك يومًا وأنا شاب في الثامنة والعشرين من عمري، أحمل في داخلي أحلامًا أكبر مني، وصدماتٍ لم يكن يراها أحد، وأسئلةً كثيرة عن الغد، وعن الطريق، وعن ذلك الإنسان الذي أريد أن أكونه...
شكرًا لك، شكرًا لا أكتبها هذه المرة بحبر الكاتب، بل بشعور ذلك الشاب الذي خرج من عندك يومها مختلفًا عمن دخل، شكرًا لأن بعض الكلمات قد يسمعها الإنسان وينساها في اليوم التالي، وبعض الكلمات تسكنه، تكبر معه، وتظهر في قراراته وأحلامه وأعماله بعد سنوات، وكلماتك كانت من النوع الثاني.
شكرًا لك يا سمو الأمير.. وأنا أكتبها اليوم، أشعر أنها أكبر من تجربتي الشخصية وحدها، لا أدّعي أنني أتحدث باسم أحد، لكنني أكتبها وفي مخيلتي ملايين الوجوه السعودية التي رأيتها وتابعتها خلال هذه السنوات: شاب يحمل مشروعه الصغير ويحلم أن يصبح يومًا شركة كبيرة... فتاة تدخل مجالًا لم تكن تتخيل الأجيال السابقة أن أبوابه ستُفتح أمامها بهذه الصورة.. طالب يسافر ليتعلم ثم يعود ليبني.. باحث يقضي لياليه أمام تجربة قد تغير شيئًا.. طبيب، ومهندس، ومعلم، ومبرمج، وريادي، وفنان، ورياضية... وجيل كامل بدأ يتعامل مع كلمة: (المستقبل) لا باعتبارها زمنًا سيأتي، بل باعتبارها شيئًا يمكن أن يشارك في صناعته، وكأن المشاعر التي حملتها في سيارتي بعد ذلك اللقاء وجدت، بعد سنوات، مساحة أوسع داخل وطن كامل، حين أُعلنت رؤية المملكة 2030، رأيت في لغتها شيئًا أعرفه، عرفت ذلك الطموح، وعرفت تلك الهمة، وعرفت ذلك الإصرار على ألا يكون الغد مجرد امتداد لليوم.
بالنسبة إليّ، كان ثمة خيط خفي يصل بين تلك الدقائق الخمس عشرة في عام 2013 وبين وطن أعلن بعد ذلك بسنوات أنه يريد أن يكون أكثر طموحًا، وأن يفتح مساحات أوسع للعمل والفرص والإنجاز أمام أبنائه وبناته... فشكرًا لأن الحلم أصبح أكبر، شكرًا لأن سقف الطموح ارتفع، شكرًا لأن كثيرًا من الشباب والفتيات باتوا ينظرون إلى أحلامهم بطريقة مختلفة، ويرون أمامهم مجالات وفرصًا ومسارات لم تكن بالصورة ذاتها من قبل... وشكرًا لأن كلمة (الطموح) لم تعد بالنسبة إليّ مجرد كلمة جميلة أكتبها في مقال... بل مسؤولية.
ونعم، شكرًا من أعماق القلب، لا على لقاء دام خمس عشرة دقيقة فحسب، بل على أثر بقي في داخلي أكثر من ثلاثة عشر عامًا... شكرًا لأن كلماتك يومها لم تمر بي مرور الكلمات، بل استقرت في مكان عميق من روحي، وأيقظت في ذلك الشاب شيئًا كان على وشك أن يخبو، زرعت فيه أن الغد أجمل لمن يعمل من أجله، وأن الإنسان مهما أثقلته الحياة يستطيع أن يقف من جديد، وأن يثق بنفسه، وأن ينطلق.
دخلت عليك يومها أحمل كتابًا بين يدي، وأحمل في داخلي شيئًا من الانكسار... وخرجت أحمل حلمًا جديدًا، وفكرة كتاب جديد، وإنسانًا آخر بداخلي لم أكن قد عرفته بعد.... وما كنت أعلم وأنا أغادر مكتبك أن تلك الدقائق القليلة سترافقني كل هذه السنوات، وأنني كلما تعبت في طريق، أو ضاقت بي الحياة، أو وقفت أمام عقبة، سأعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم، وإلى تلك الكلمات، لأقول لنفسي من جديد: ثق بنفسك... وانطلق، واليوم وبعد كل هذه السنوات، أكتب هذه الكلمات لا لأستعيد ذكرى عابرة، بل لأرد شيئًا من الوفاء لدقائق صنعت في داخلي أثرًا لم يمحُه الزمن.
فوالله لن أنسى ذلك اللقاء ما حييت، ولن تمحو السنوات من ذاكرتي تلك الكلمات التي قيلت في دقائق، ثم اختارت أن تسكن في داخلي عمرًا، ولن أنسى ما زرعته يومها في قلب شابٍ جاءك يحمل أحلامه وانكساراته معًا، ثم خرج من عندك أكثر إيمانًا بنفسه، وأشد يقينًا بأن الطريق مهما طال واشتد، لا يهزم من عرف غايته، وآمن بحلمه، ومضى إليه... مضت الأعوام، وتغيّرت أشياء كثيرة، وكبر ذلك الشاب، وكبرت معه أحلامه ومسؤولياته، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا لا تبدّله الأيام: أثر ذلك اللقاء في داخلي ولهذا، فإن كان للوفاء عهد، وللامتنان وعد، فهذا عهدي ووعدي الذي حملته في قلبي منذ ذلك اليوم، أجدده اليوم بعد كل هذه السنين أن أبقى طموحًا ما حييت، وألا أتوقف عن التعلّم ما دام في العمر بقية، وأن أظل قارئًا وكاتبًا وصانعًا للأثر؛ أخدم ديني ومليكي ووطني، وأكون وفيًّا لقدوتي محمد بن سلمان بما أستطيع من علمٍ وعملٍ وإنجاز، وأن أجعل من كل نجاح أصل إليه بدايةً لطريق أكبر، ومن كل عثرة درسًا، ومن كل ألم قوة، ومن كل حلم مسؤولية تستحق أن أبذل من أجلها.
وأعاهدك وأعدك يا سمو الأمير أن أبقى كما عاهدتك في ذلك اللقاء: أن أعمل، وأن أتعلم، وأن أقرأ، وأن أكتب، وأن أبني، وألا أسمح لليأس، مهما اشتد، أن يهزم ذلك الإنسان الذي أيقظته كلماتك في داخلي؛ وأن أبقى وفيًّا لوطني، مخلصًا لمليكي، مؤمنًا بحلمي، صادقًا مع قلمي، ما دام في القلب طموح، وفي العمر بقية، وفي هذا الوطن حلم يستحق أن نعيش من أجله ونبذل لأجله... فإذا كانت خمس عشرة دقيقة قد مضت من عمر الزمن، فإن أثرها لم يمضِ من عمري؛ لأن العمر قد ينسى كثيرًا من أيامه، لكنه لا ينسى اللحظة التي أعادت إليه إيمانه بنفسه.
قد تمر الأعوام، وتتغير الوجوه والأماكن، وتكبر الأحلام معنا... لكن بعض العهود لا يغيّرها الزمن؛ لأنها لم تُكتب بالحبر، بل كُتبت في القلب... وأنا اليوم بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من ذلك اللقاء، أدرك أن الوفاء الحقيقي ليس أن أتذكر كلماتك فحسب، ولا أن أروي قصة ذلك اللقاء، وإنما أن أحوّل أثره إلى عمل، وأن أجعل من الطموح مسؤولية، ومن النجاح واجبًا، ومن كل ما تعلمته طريقًا أقدم من خلاله شيئًا لهذا الوطن الذي منحني اسمه وهويته وأحلامي، فالوطن بالنسبة إليّ ليس أرضًا نعيش فوقها فحسب، بل ذاكرة نحملها، وهوية تسكننا، وأمانة سنُسأل يومًا عمّا قدمناه لها... وهنا، يا صاحب السمو، يصبح الامتنان عهدًا، وتصبح الذكرى مسؤولية.
لقد علّمتني السنوات أن الوفاء ليس كلمةً تُقال في لحظة امتنان، ولا شعورًا عابرًا تبتلعه الأيام حين تمضي؛ الوفاء موقفٌ يبقى حين تنتهي الكلمات، وذاكرة قلبٍ لا تخون أصحاب الأثر مهما طال الزمن، الوفاء أن تتذكر اليد التي امتدت إليك بالأمل حين كنت في أمسّ الحاجة إليه، وأن تحفظ الجميل حين يصبح بينك وبينه عمرٌ كامل، وأن تدرك أن بعض الديون لا تُردّ بالكلمات، وإنما تُردّ بأن تصبح أفضل مما كنت... أما الوفاء للوطن، فهو المعنى الأعظم من ذلك كله؛ أن تمنحه أجمل ما فيك، وأصدق ما لديك، وأفضل سنواتك... لا ما يتبقى منك.
ولهذا، حين أكتب قصتي، فإنني لا أكتب خاتمة قصة بدأت في شتاء الرياض عام 2013، ولا أستعيد ذكرى لقاء مضى وانتهى؛ بل أعود إلى لحظة ما زالت حيّة في داخلي، لأجدد عهدًا بدأ في ذلك المكتب، وحملته معي في طرق الحياة كلها، وما زال يسكنني حتى هذه اللحظة، عهدي أن أبقى وفيًّا لنبراسي محمد بن سلمان، صادقًا مع قلمي وفكري، وألا أتوقف عن القراءة والتعلّم والعمل والبناء ما دام في العمر متسع لحلم جديد، وما دام في داخلي شيء أستطيع أن أقدمه لهذا الوطن، وعهدي أن أحفظ أثر تلك الدقائق ما حييت؛ لا بأن أحوّلها إلى ذكرى أرويها، بل إلى مسؤولية أحملها، وعملٍ أقدمه، وإنجازٍ أتركه من بعدي.
فقد أدركت مع الأيام أن أعظم وفاء يمكن أن يقدمه الإنسان لمن ألهمه يومًا، ليس أن يكثر الحديث عنه فحسب، بل أن يجعل من ذلك الإلهام قوةً تدفعه إلى العمل، ومن الأثر إنجازًا، ومن الامتنان عطاءً، ومن الحلم شيئًا ينفع به وطنه... لقد دخلت ذلك المكتب يومها وأنا أحمل كتابًا بين يدي، وخرجت منه وأنا أحمل شيئًا أكبر من كتاب، خرجت وأنا أحمل إيمانًا جديدًا بنفسي، وفكرةً أصبحت يومًا (الإنسان الآخر)، وعهدًا لم أكتبه يومها على ورق، لأنني كتبته في قلبي.
واليوم، وبعد كل هذه الأعوام أكتبه: فإن كان اللقاء قد استغرق خمس عشرة دقيقة، فإن العهد الذي خرجت به من ذلك اللقاء لا أقيسه بالدقائق، ولا بالأيام، ولا بثلاثة عشر عاماً مضت، بل أقيسه بما بقي لي من العمر، وإن سألتني الأيام يوماً، بعد أن تمضي أعوام أخرى، ماذا بقي من ذلك اللقاء القصير بعد كل هذا الزمن؟ فسأقول:
بقي الأثر حين مضت اللحظة،
وبقي الوفاء حين ابتعد الزمن،
وبقي الحلم حين تبدلت الأيام،
وبقي الوطن فوق كل شيء،
وبقي محمد بن سلمان في ذاكرتي قدوةً لذلك الشاب الذي كنته يومًا،
وبقي العهد...
أن يكون وفائي عملًا لا كلامًا،
وإنجازًا لا ذكرى،
وأثرًا لوطني لا ينتهي بانتهاء حكايتي.
لأن بعض اللقاءات تنتهي عند باب المكان...
أما ذلك اللقاء، فقد استغرق خمس عشرة دقيقة فقط، ثم احتاج بقية عمري لأفي له بالعهد..
وهذا عهدي... وهذا وعدي.