محمد سليمان العنقري
اتجهت أنظار العالم خلال اليومين الماضيين إلى واشنطن لتراقب ما سينتج عن زيارة الرئيس الصيني لأميركا، والتي تأتي بعد زيارة ترمب لبكين بأشهر قليلة، حيث كانت التوقعات قبل وصول الرئيس الصيني لواشنطن تشير إلى التوصل لاتفاقيات نهائية بملفات اقتصادية وتجارية عديدة قد يعلن عنها بين أكبر اقتصادين عالميين يمثلان أكثر من 40 بالمائة من الناتج الإجمالي العالمي، وهو ما يظهر حجم تأثير أي خلاف أو تفاهم بينهم عالمياً.
لكن ما نتج عن الزيارة يمكن اعتباره تكريساً أكبر لمزيد من اتساع الفجوة بينهم في الاختلاف الاستراتيجي لكل دولة، فأميركا قوة مهيمنة تريد الحفاظ على مكانتها كأكبر اقتصاد عالمي، بينما تسعى الصين القوة الصاعدة لأن تكون نداً لأميركا وتتقاسم معها النفوذ الدولي بالتجارة والتكنولوجيا وغير ذلك من خلال إدارة هذا التنافس بينهم لا السعي للوصول لمواجهة تنتقل لحرب تجارية مزمنة وخلاف دائم في ملفات كبرى من أهمها من يسيطر على التفوق بالذكاء الاصطناعي.
يمكن تلخيص نتائج هذه الزيارة بأنها أدت إلى تمديد الهدنة التجارية حتى يناير 2027، وهو ما سيمنحهما مساحة زمنية مؤقتة لتجنب مزيد من التصعيد التجاري يؤثر على سلاسل الإمداد ويرفع تكلفة السلع والتضخم، أي أن الخلافات التجارية مازالت قائمة وتحتاج لجولات من التفاوض بلا حد زمني لها، فقد بقيت ملفات الرسوم الجمركية والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة والمشتريات الزراعية والمنافسة التكنولوجية قائمة وعلى طاولة المفاوضات دون أن يعرف إلى أي مدى تقدمت أو هل تقلص حجم الفجوة بينهما حولها؟
كما استمر الخلاف والتنافس في هذه المرحلة على الذكاء الاصطناعي دون حل خصوصاً مع التحول بالخلاف في هذا الملف تحديداً من حديث عن تجارة مكونات بمفهوم تقليدي إلى سباق في عمق منظومة القطاع، بدايةً من النماذج إلى الرقائق والحوسبة السحابية وصولاً إلى البيانات وبناء محموم لمراكزها على الرغم من استمرار الحوار بين البلدين حتى لا يصلون لمرحلة مواجهة كبرى حول هذا الملف والدخول في مرحلة كسر العظم.
فقي ملف الذكاء الاصطناعي تحديداً يتضح حجم أكبر خلاف استراتيجي بين الدولتين، فالصين تقوم منظومتها التي تبنيها على تكامل يبدأ من التعليم والبحث العلمي الذي أصبحت تتفوق فيه على أميركا، مع تسارع الانتقال لصناعة الرقائق والتوسع في الحوسبة السحابية وإنتاج الطاقة وزيادة مستمرة في تدفق البيانات وصناعة الروبوتات، فهدفها تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أن يكون محركاً للاقتصاد الصناعي أي يدخل بكل قطاعاته، وهو ما سيعني تحولاً جذرياً بالاقتصاد الصيني سيعجل بتفوقه على أميركا بفارق كبير.
بينما ترى أميركا أن منظومتها التقنية قوية جداً وتتركز في الشركات التقنية المسيطرة عالمياً والتي بلغ حجم القيمة السوقية لأكبر عشر شركات تعمل بالمجال حوالي 25 تريليون دولار، كما أنها تتميز بتدفق ضخم لرأس المال وتستحوذ على تقدم هائل بأفضل الرقائق المتقدمة، والحوسبة السحابية والنماذج الرائدة الأوسع شهرةً والأكثر استخداماً عالمياً مع استمرار التوسع في استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعين ففي العام الماضي تم ضخ 285 مليار دولار فيه بينما ضخت الصين 13 مليار دولار وحتى مع احتساب ما تضخه صناديقها الحكومية، فالرقم قد لا يتحاوز 40 مليار دولار وهو ما يوضح حجم الفجوة بين الدولتين تكنولوجياً والذي سيمكنها من أن تكون المسيطر الأكبر بقطاع يتوقع أن يصل حجمه عالمياً إلى 30 تريليون دولار في غضون عقدين قادمين.
زيارة مهمة في مرحلة زمنية مليئة بالتحديات للاقتصاد العالمي والسلم الدولي لكنها لم تنهِ الخلافات إنما انتقلت بملفاتها لمرحلة إدارة التنافس وسط ترقب وحذر صيني التي تسعى لكسب الوقت حتى تصل للاستقلال التكنولوجي وزيادة حصة اليوان في معاملات التجارة الدولية، ورفع تأثير المستهلك الصيني بالناتج الإجمالي المحلي للتوازن مع تأثير الصادرات، بينما تريد أميركا فرض هيمنتها للاستمرار بمركزها الأول عالمياً اقتصادياً وتكنولوجياً عبر ملفات تضغط على الصين مثل الرسوم الجمركية لكبح نموها ريثما يتحقق لها الاستحواذ على المعادن النادرة من دول عدة لتقليل تأثير الصين عليها، وكذلك عبر تصدير التضخم للاقتصاد الصيني ورفع تكلفة منتجاتها وتقليل تدفق الاستثمار لها وكبح نمو حجمها التجاري عالمياً.