د.حماد الثقفي
في زمن أصبحت فيه البيانات أثمن من النفط في كثير من موازين القوى الاقتصادية، اختارت المملكة أن تدخل هذا السباق بخطى مدروسة لا بردود أفعال متأخرة. فقد بلغ حجم الاقتصاد الرقمي السعودي 522 مليار ريال في عام 2026، مقارنة بأقل من 300 مليار ريال عند انطلاق رؤية 2030، بنمو تراكمي تجاوز 75 % خلال ثماني سنوات فقط، ليشكّل اليوم نحو 16 % من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا النمو لم يبقَ حبيس الأرقام الكلية، بل انعكس مباشرة على سوق العمل، حيث ارتفع عدد العاملين في القطاع الرقمي من نحو 150 ألف وظيفة إلى 410 آلاف وظيفة، أي بزيادة تقارب 260 ألف فرصة عمل جديدة خلال فترة قصيرة نسبيًّا. وواصل سوق تقنية المعلومات والاتصالات نموه ليبلغ 199 مليار ريال في عام 2025، موزعة بين 115.4 مليار ريال لسوق تقنية المعلومات وحدها بنمو 167 % منذ 2017، و83.5 مليار ريال لسوق الاتصالات بنمو قارب 90 % منذ 2018.
أما على صعيد ريادة الأعمال، فقد ارتفع عدد الشركات التقنية المدرجة في السوق المالية السعودية من شركتين فقط عام 2020 إلى 26 شركة بنهاية 2025، بينما نجحت المملكة في إنتاج 8 شركات «يونيكورن» تجاوزت قيمتها السوقية مليار دولار لكل منها، لتتصدر مؤشر نمو منظومة الابتكار وريادة الأعمال عالميًّا لعام 2025.
وبرزت قطاعات فرعية واعدة مثل المحتوى الرقمي الذي بلغ حجمه 24.5 مليار ريال، والألعاب الإلكترونية بقيمة 6.1 مليار ريال، في دلالة على تنوع الاقتصاد الرقمي وعدم اقتصاره على البنية التحتية فقط.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي تحديداً، دخلت المملكة قائمة أكبر عشر دول عالميًّا من حيث الاستثمار، مع سعة بلغت 440 ميجاواط لمراكز البيانات، وتدريب نحو 30 ألف موهبة وطنية في هذا المجال، عبر أكثر من 80 مدرسة تقنية متخصصة. كما حققت المملكة المرتبة الأولى عالميًّا في مؤشر تنمية الاتصالات وفي تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي، والثانية عالميًّا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن مجموعة البنك الدولي، والثالثة في نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دخولها ضمن أفضل سبع دول عالميًّا في نشر نماذج الذكاء الاصطناعي.
ما يستحق التوقف عنده أن هذا التقدم لم يقتصر على الاستهلاك التقني، بل امتد إلى التصدير، إذ نجحت المملكة في تصدير أكثر من ثلاثة آلاف خدمة تقنية إلى دول الجوار، في مؤشر على انتقالها من مرحلة استيراد الحلول الرقمية إلى مرحلة إنتاجها وتصديرها، وهو تحوّل نوعي قلّ أن تحققه اقتصادات ناشئة خلال عقد واحد فقط.
هذا الزخم الرقمي يمثل الترجمة العملية لركيزة «اقتصاد مزدهر» في رؤية 2030، ويؤكد أن التنويع الاقتصادي السعودي لا يقف عند حدود السياحة والترفيه والصناعة، بل يمتد إلى الطبقة الأكثر تأثيراً في اقتصاد القرن الحادي والعشرين، وهي طبقة البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
في العام الوطني 96، تقف المملكة على أعتاب مرحلة جديدة، حيث لم يعد السؤال هل ستدخل السعودية عصر الاقتصاد الرقمي، بل إلى أي مدى ستقود هذا العصر إقليميًّا وعالميًّا، مستفيدة من إرادة سياسية واضحة، ورأس مال بشري متجدد، وبنية تحتية تُبنى اليوم لتخدم عقوداً قادمة، لا سنوات معدودة فقط.