د. عبدالله علي بانخر
في عصر يتسم بالتسارع المعرفي والتحولات الاقتصادية الكبرى، لم تعد الجامعات مجرد قاعات لتلقين العلوم التقليدية، بل تحولت إلى مراكز حيوية لصناعة الوعي وبناء الإنسان. ويأتي بروز مفهوم «الجامعة الثقافية والفنية» المتخصصة كاستجابة حتمية لمتطلبات التحول الوطني؛ فهي ليست ترفاً أكاديمياً ولا ظاهرة عابرة، بل هي مختبرات استراتيجية لصناعة الهوية الوطنية، واستثمار رأس المال البشري، وتحويل الموهبة من شغف فردي إلى رافد بنيوي يدعم قطاع الاقتصاد الإبداعي. إنها بوابتنا لتوثيق العمق الحضاري للمملكة ومد جسور التواصل الإنساني مع العالم بلغة عصرية منافسة.
المدخل المفاهيمي لأبعاد الثقافة والإبداع
لفهم المرتكزات الفلسفية والتشغيلية لهذه المنارة الأكاديمية، لا بد من تفكيك ركيزتيها الأساسيتين: الثقافة والإبداع، عبر ثلاثة مستويات متكاملة: لغوية، وعلمية، وعملية.
مفهوم الثقافة وأبعادها المعرفية
* المستوى اللغوي: تشتق الثقافة في المعاجم العربية من الفعل (ثَقُفَ)، والذي يحمل دلالات الذكاء، الفطنة، وسرعة التعلم، إلى جانب معاني تقويم الشيء وتعديل مساره وصقله.
* المستوى العلمي: تُعرّف الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع الثقافة بأنها «الكل المركّب» الذي يضم المعارف، العقائد، الفنون، الآداب، القوانين، والعادات والتقاليد التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً فاعلاً في مجتمع محدد.
* المستوى العملي: هي الممارسة اليومية المعاشة؛ النمط البصري والسلوكي، الحكايات الشعبية، الأزياء التراثية، الفنون المادية وغير المادية، والأدوات التي يعبر بها المجتمع عن تميزه وأصالته في الفضاء العالمي.
مفهوم الإبداع وآليات تطبيقه
* المستوى اللغوي: يعود الأصل إلى الفعل (بَدَعَ)، أي أنشأ الشيء، واخترعه، وابتكره على غير مثال أو قوالب سابقة.
* المستوى العلمي: في علم النفس والإدارة، هو العمل العقلائي الممنهج الذي ينتج أفكاراً أو حلولاً تتميز بـ»الأصالة» أي الجدّة غير النمطية، و»الجدوى» أي المنفعة وملاءمة السياق التطبيقي.
* المستوى العملي: هو آلة التحويل؛ القدرة على نقل الخيال والنظريات المجردة إلى واقع ملموس- سواء كان ذلك منتجاً سينمائياً، مقطوعة موسيقية، نصاً أدبياً، أو نموذج عمل تجاري مبتكر يحل مشكلة قائمة ويوفر قيمة مضافة للسوق.
المخرجات والأهداف المستهدفة من الجامعة
إن الرهان على الجامعة الثقافية كـ «جامعة الرياض للفنون» يتجاوز منح الشهادات التقليدية، حيث ترتبط أهدافها بمؤشرات وطنية واقتصادية واضحة؛ إذ يستهدف المشهد الثقافي السعودي تخريج 29,211 خريجاً في التخصصات الثقافية لدعم قوام القطاع الذي بات يضم 282,709 موظفاً. ويتلخص دور الجامعة في تحقيق أربعة مستهدفات رئيسية:
1. الاحترافية الأكاديمية للموهبة: الانتقال بالحس الفني من دائرة الهواية العشوائية إلى الاحتراف الممهن، ليتخرج الطالب قادراً على القيادة كفنان ومستثمر يساهم في دفع مساهمة القطاع الثقافي نحو المستهدف الطموح المتمثل في 3 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
2. توليد المحتوى المعاصر والأصيل: تحويل الجامعة إلى مصنع لإنتاج محتوى ينطلق من الجذور المحلية ليخاطب العالم، مساهماً في تحقيق مستهدف 24 مليار ريال سعودي كقيمة للصادرات الثقافية بحلول 2030.
3. التأصيل العلمي وحركة البحث: سد الثغرات المعرفية في المكتبات العربية، عبر تقديم دراسات نقدية وبحوث توثيقية ترفع من جودة النتاج الإبداعي وتواكب 6,314 يوماً فعالاً للفعاليات الثقافية التي تشهدها المملكة سنوياً.
4. تغذية ركائز الاقتصاد الإبداعي: تخريج رواد أعمال يقودون قطاعات حيوية واعدة. ففي قطاع الأزياء مثلاً، تشير التقارير إلى نمو السوق ليبلغ 36.8 مليار دولار، في حين يقفز حجم قطاع الترفيه والفعاليات الإجمالي في المملكة إلى 14.61 مليار دولار في عام 2026، مما يتطلب كوادر وطنية مؤهلة لإدارة هذه المليارات.
آفاق الانفتاح والشراكات الأكاديمية
لا يمكن لجامعة ثقافية معاصرة أن تعيش في معزل عن محيطها؛ ومن هنا تبرز أهمية صياغة استراتيجية مرنة للانفتاح والشراكات على ثلاثة مستويات متكاملة. محلياً، عبر بناء جسور متينة للتكامل مع الجامعات والمراكز البحثية السعودية الكبرى لتطوير المناهج المشتركة وتبادل المواهب. عربياً، من خلال تفعيل الهوية الممتدة والتراث المشترك لتأسيس ملتقيات ومعاهد إبداعية إقليمية رائدة تنهض بالإنتاج المعرفي العربي. وعالمياً، عبر صياغة مذكرات توأمة وشراكات حقيقية مع كبريات كليات الفنون والمؤسسات الإبداعية الدولية، مما يتيح التبادل الطلابي والاعتراف الأكاديمي المتبادل بالدرجات العلمية ويضمن تلاقح الثقافات الإنسانية.
الممكنات والبيئة التشغيلية المطلوبة للجامعة
لكي تؤدي الجامعة هذه الأدوار الاستراتيجية، فإنها تتطلب بيئة حاضنة وممكنات أساسية تضمن لها الريادة:
* العالمية عبر الشراكات الأكاديمية: ربط الجامعة باتفاقيات توأمة واعتمادات مع أرقى كليات ومعاهد الفنون الدولية، مما يتيح تبادل الخبرات الأكاديمية والاعتراف الدولي ببرامجها.
* البنية التحتية والتقنية المتفوقة: الاستفادة القصوى من حجم الإنفاق الضخم؛ إذ بلغت الاستثمارات في البنية التحتية الثقافية منذ انطلاق الرؤية أكثر من 81 مليار ريال سعودي، وهو ما يجب أن ينعكس على كليات الجامعة عبر استوديوهات صوتية، ومسارح ذكية، ومعامل رقمية للذكاء الاصطناعي التوليدي، ومتاحف حية.
* المرونة الإدارية والاستقلالية الإبداعية: تبني مناخ إداري مرن يبتعد عن البيروقراطية، وتطوير خطط دراسية حيوية تتواكب مع تسارع السوق، وتضمن تخريج كفاءات تلبي احتياجات المستهدف الوطني المتمثل في خلق 346 ألف وظيفة في القطاع الثقافي بحلول 2030.
* منظومة التمويل والاستدامة المالية: دعم الجامعة بالأوقاف، وابتكار صناديق استثمارية مشتركة تتبنى الابتكارات وبراءات الاختراع الثقافية للطلاب، مستفيدة من التوسع الاستثماري في القطاع والذي سجل عقوداً فوتت حاجز 4 مليارات ريال.
نحو آفاق مستقبلية أرحب
إن الاستثمار في جامعة ثقافية وفنية هو استثمار حقيقي في القوة الناعمة للمملكة العربية السعودية، وفي عقول شبابها الذين يمتلكون الموهبة وينتظرون التمكين الصارم. إن نجاح هذه المنظومة الأكاديمية الفتية لن يُقاس بعدد الشهادات الممنوحة، بل بحجم الأثر الثقافي، والعمق الحضاري، والقيمة التنموية المضافة التي سيتركونها في مجتمعهم وفي العالم بأسره، لتتحول الثقافة -تحت مظلة رؤية 2030- من مجرد نشاط معرفي إلى أسلوب حياة ومصدر نماء مستدام للأمة.