صبحي شبانة
لم تعرف منطقة في العالم من التداخل التاريخي والجغرافي مثلما عرفت منطقة الشرق الأوسط، ففي هذه البقعة من العالم لم تكن الحدود التي رسمتها السياسة في مراحل مختلفة قادرة على محو ما صنعه التاريخ على امتداد قرون طويلة، ولم تستطع الدول الحديثة، على الرغم من اختلاف أنظمتها ومصالحها وتحالفاتها، أن تلغي حقيقة بسيطة تؤكد إن شعوب هذه المنطقة تعيش في فضاء واحد، وأن ما يحدث في دولة يمكن أن يجد صداه سريعاً في دولة أخرى، وأن الأمن لا يتوقف عند الحدود، وأن الاقتصاد لا يعترف دائماً بالخرائط السياسية، وأن الجغرافيا التي ربطت هذه الشعوب عبر التاريخ ما زالت تجمع بينها اليوم، وإن تغيرت الأدوات وتبدلت طبيعة الصراعات، فالشرق الأوسط ليس مجرد مجموعة من الدول المتجاورة، وإنما هو نسيج شديد التعقيد تشكل من تداخل العرب والفرس والأتراك والكرد وغيرهم من القوميات، ومن تعايش الأديان والمذاهب والثقافات، ومن تعاقب الإمبراطوريات والدول والحضارات، ومن حركة التجارة والهجرة والحروب والتحالفات، حتى أصبح من الصعب فهم أي دولة من دول المنطقة بمعزل كامل عن محيطها، فالجوار هنا ليس مجرد علاقة بين دولتين تفصل بينهما حدود، وإنما هو علاقة تاريخية مستمرة تفرض على الجميع قدراً من التفاعل، وقدراً من الحذر، وقدراً أكبر من البحث عن المصالح المشتركة التي تحول دون أن يصبح هذا الجوار مصدراً دائماً للصراع..
..المشكلة الكبرى التي واجهت المنطقة خلال العقود الأخيرة أننا تعاملنا في كثير من الأحيان مع هذه الحقيقة بعكس ما تفرضه علينا، فانشغلنا بالخلافات الثنائية، وبالذاكرة التاريخية، وبالاختلافات القومية والمذهبية، بينما كانت قوى أخرى تنظر إلى المنطقة باعتبارها كتلة جغرافية واحدة تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية، وتبحث عن نقاط الضعف داخلها قبل أن تبحث عن نقاط القوة، وتدرك أن السيطرة على بقعة صغيرة قد تمنحها تأثيراً في مساحة واسعة، وأن إشعال أزمة في دولة واحدة يمكن أن يترك آثاره في دول أخرى، وأن تقسيم المصالح والمخاطر إلى ملفات منفصلة قد يكون أسهل الطرق إلى إضعاف القدرة الجماعية على التعامل معها.
الدرس الذي ينبغي أن نعيد قراءته هو أن الشرق الأوسط لا يواجه خطراً واحداً يمكن التعامل معه ثم الانتقال إلى غيره، وإنما يواجه شبكة متداخلة من المخاطر، تبدأ من الصراعات السياسية ولا تنتهي عند أمن الطاقة والمياه والغذاء والممرات البحرية، وبينها تتوزع قضايا الإرهاب والميليشيات والتدخلات الخارجية والاضطرابات الاقتصادية والتنافس على النفوذ، وكل واحدة من هذه القضايا قادرة على التأثير في الأخرى، ولذلك فإن النظر إليها منفصلة قد يمنحنا حلولاً جزئية، لكنه لا يمنحنا بالضرورة القدرة على رؤية الصورة الكاملة، فالممرات المائية على سبيل المثال لا الحصر هي واحدة من أكثر القضايا التي تكشف حقيقة الترابط الجغرافي في المنطقة، فهرمز ليس شأناً خليجياً خالصاً، وباب المندب ليس شأناً يمنياً أو عربياً محدوداً، وقناة السويس ليست مجرد ممر مصري، كما أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن الخليج أو البحر المتوسط، لأن هذه الممرات تتصل ببعضها في شبكة واحدة تتحرك عبرها الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وأي اضطراب في نقطة منها يمكن أن ينعكس على النقاط الأخرى، ثم ينتقل أثره من الجغرافيا إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى حياة الناس في مناطق بعيدة عن مكان الأزمة.
الحقيقة تفرض علينا أن نعيد تعريف مفهوم الأمن نفسه، فالأمن لم يعد يعني فقط حماية الحدود البرية ومنع الاعتداء العسكري المباشر، وإنما أصبح يعني أيضاً حماية طرق التجارة، وتأمين مصادر الطاقة، وحماية المنشآت الحيوية، وضمان حرية الملاحة، والحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد، ومنع تحويل الممرات الدولية إلى أوراق ضغط في صراعات إقليمية، وهو تحول يجعل الأمن الوطني لأي دولة مرتبطاً بدرجة أكبر بالأمن الإقليمي والدولي، ويجعل من التعاون بين الدول المتجاورة ضرورة لا خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل.
التطور الهائل في التكنولوجيا لم يلغ هذه الحقيقة، بل ربما جعلها أكثر وضوحاً، فالعالم الذي دخل عصر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والاتصالات فائقة السرعة لا يزال عاجزاً عن تغيير موقع المضيق أو نقل الميناء من مكانه أو إعادة رسم السواحل وفقاً لمصالحه، وكأن الجغرافيا تقول لنا مرة أخرى إن التكنولوجيا تستطيع أن تغير أدوات القوة، لكنها لا تستطيع أن تلغي المكان الذي تقوم عليه هذه القوة، وإن امتلاك السلاح الحديث لا يعفي الدول من ضرورة فهم مواقعها الاستراتيجية ومحيطها الجغرافي، ومن هنا يمكن فهم جانب من المتغيرات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، فقد أدركت دول عربية عديدة أن أمنها الاقتصادي والسياسي لا يمكن أن يقوم على الاعتماد على الخارج وحده، وأن بناء القوة لا يعني فقط امتلاك أدوات الردع، وإنما يعني أيضاً بناء اقتصاد قوي، وتنويع العلاقات الاقتصادية، وحماية طرق التجارة، والاستثمار في الموانئ والسواحل، وتعزيز العلاقات مع دول الجوار، لأن الدولة التي تريد أن تحمي مستقبلها لا تستطيع أن تنظر إلى حدودها السياسية باعتبارها نهاية مصالحها، بل ينبغي أن تنظر إلى ما وراء الحدود، حيث تبدأ في كثير من الأحيان مصادر الخطر ومواطن الفرص معاً.
وفي هذا السياق تبرز العلاقات بين الدول العربية ودول الجوار بوصفها واحدة من أهم الملفات التي تحتاج إلى إعادة نظر هادئة، فتركيا وإيران وباكستان ودول آسيا الوسطى ليست كيانات بعيدة عن المجال العربي، كما أن مصر ودول الخليج وبلاد الشام والعراق ليست بعيدة عن المجال الآسيوي، والتاريخ يؤكد أن حركة البشر والتجارة والثقافة بين هذه المناطق كانت أقدم وأعمق من الحدود التي ظهرت في العصر الحديث، ولذلك فإن بناء علاقات مستقرة ومتوازنة مع دول الجوار لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تنازلاً عن الخصوصية العربية، وإنما باعتباره استثماراً في حقيقة جغرافية لا يمكن تغييرها، المشكلة تبدأ عندما تتحول الاختلافات الطبيعية بين شعوب المنطقة إلى أدوات للصراع، أو عندما يجري استدعاء التاريخ لا لفهم الحاضر وإنما لإعادة إنتاج خصوماته، أو عندما تستخدم القومية والمذهبية لتقسيم المجتمعات وتحويل الجوار إلى تهديد دائم، فالتاريخ يمكن أن يكون جسراً إذا قرأناه باعتباره تجربة مشتركة، ويمكن أن يصبح جداراً إذا استخدمناه لإحياء صراعات انتهت ظروفها وبقيت ذاكرتها، ولذلك فإن المنطقة بحاجة إلى قراءة جديدة لماضيها، لا تنكر الخلافات، لكنها لا تجعل منها قدراً أبدياً.لعل ما جرى ويجري في القضية الفلسطينية كان من أكثر الأحداث التي كشفت هذا الترابط، إذ أثبتت الأزمات الكبرى أن الحدود السياسية لا تستطيع دائماً أن تمنع تأثير الأحداث في الرأي العام والشعوب والمجتمعات، كما أن المواقف العربية والإسلامية تجاه ما يجري في فلسطين تكشف عن مساحة واسعة من الشعور المشترك تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وهو ما يؤكد أن الروابط التي تشكلت عبر قرون لم تختف، حتى وإن تغيرت أشكالها، وأن القضايا الكبرى قادرة على إعادة اكتشاف المساحات المشتركة التي تفرقها أحياناً السياسة اليومية، لكن الاعتراف بهذه الروابط لا يعني تجاهل الدولة الوطنية أو التقليل من أهميتها، بل العكس تماماً، فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تبني علاقات متوازنة مع محيطها من موقع الثقة، وتحافظ على سيادتها من دون أن تعزل نفسها عن جوارها، وتدافع عن مصالحها من دون أن تحول الاختلاف إلى خصومة دائمة، ولذلك فإن المطلوب ليس العودة إلى صيغ تاريخية تجاوزها الزمن، وإنما بناء شبكة حديثة من المصالح والتعاون تجعل استقرار كل دولة مصلحة لبقية دول الإقليم، بحيث يصبح الاعتداء على استقرار دولة تهديداًمصالح الجميع، ويصبح نجاحها الاقتصادي والسياسي إضافة إلى محيطها لا خصماً منه.
وفي منطقة شديدة الحساسية مثل الشرق الأوسط، تصبح هذه الرؤية أكثر إلحاحاً، لأن الفراغ لا يبقى فراغاً طويلاً، والمجال الذي لا تشغله الدول بمصالحها وشراكاتها قد تشغله قوى أخرى بأجنداتها، والممر الذي لا يحظى بتعاون إقليمي ودولي لحمايته يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط، والثغرة الأمنية التي لا تعالجها الدولة قد تجد من يستثمر فيها، ولهذا فإن حماية المصالح العربية لا تبدأ دائماً من مواجهة الخصوم، وإنما تبدأ من بناء قدرة جماعية على فهم المنطقة والتعامل مع تحدياتها باعتبارها شبكة واحدة.
لقد تغير العالم كثيراً، ولم يعد النظام الدولي الذي عرفناه خلال العقود الماضية قائماً بالصورة نفسها، وتراجعت بعض المسلمات التي بدت في وقت من الأوقات ثابتة، وظهرت قوى جديدة، وتعددت مراكز التأثير، وأصبحت المنافسة على الطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية والموانئ أكثر وضوحاً، وفي مثل هذا العالم لا تستطيع المنطقة أن تظل أسيرة الخلافات القديمة، لأن الدول التي تنشغل بتناقضاتها الداخلية والإقليمية قد تكتشف متأخرة أن الآخرين رسموا خرائط مصالحهم فوق الجغرافيا التي تركتها هي بلا مشروع مشترك.
خلاصة الأمر فإن الجغرافيا التي جمعت شعوب الشرق الأوسط عبر آلاف السنين لا تزال تفعل الشيء نفسه اليوم، لكنها تفعل ذلك في عالم أكثر تعقيداً وأشد تنافساً، ولذلك لم يعد السؤال هو كيف تستطيع كل دولة أن تحمي نفسها وحدها، وإنما كيف تستطيع دول المنطقة أن تجعل من ترابطها التاريخي والجغرافي مصدراً للقوة بدلاً من أن تتركه يتحول إلى مصدر دائم للصراع، فالجوار قدر لا تستطيع الدول تغييره، لكن طريقة إدارة هذا الجوار تظل قراراً سياسياً، وبين أن يكون الجوار جسراً للتعاون أو ساحة للصراع يتحدد جانب كبير من مستقبل هذه المنطقة، وربما يكون أهم ما تعلمنا إياه السنوات الأخيرة أن الدول قد تختلف في السياسة، لكنها لا تستطيع أن تختلف مع الجغرافيا، لأن الجغرافيا تبقى، بينما تتغير السياسات والحكومات والتحالفات، وتبقى الحقيقة الأهم أن أمن كل دولة في هذه المنطقة يبدأ، بدرجة أو بأخرى، من فهم أمن جيرانها.