عبدالعزيز عبدالرحمن الخريف
إِذَا زُرْتَ أَرْضاً بَعْدَ طُولِ اجْتِنَابِهَا
فَقَدْتُ صَدِيقِي وَالبِلادُ كَمَا هِيَا
فَأَكْرِمْ أَخَاكَ الدَّهْرَ مَا دُمْتُمَا مَعاً
كَفَى بِالمَمَاتِ فُرْقَةً وَتَنَائِيَا
إن مما يسعد النفس ويبهجها ويروح عنها، زيارة الأماكن التي كانت له فيها ذكريات جميلة، ولا سيما التي تقادم عهده بها وعاش فيها أجمل الأوقات مع صحبة طيبة من زملاء وأصحاب كرام.
ففي يوم الأحد 3-4-1448هـ هيأ الله لي زيارة محافظة الطائف بعد غياب عن زيارتها لعدد من السنوات، فبدعوة كريمة وإلحاح من الابن البار عبدالعزيز بن الابن محمد «أبو سعود»، انطلقنا من حريملاء صوب الطائف يحدونا الأمل والشوق بمشاهدة مراتع الشباب حينما كنت أدرس في دار التوحيد بالطائف وذلك في عامي 1371هـ و1372هـ، وفور وصولنا استقبلنا الابن عبدالعزيز بالحفاوة والإكرام في منزله العامر بحي الخالدية بالطائف.
وفي اليوم التالي قمنا بجولة حيث مررنا بدار التوحيد المدرسة التي أمر الملك عبدالعزيز -طيَّب الله ثراه- بإنشائها في الطائف وجلب لها من خيرة المعلمين من علماء الأزهر، وحين وقوفي أمام باب الدار ودخولي إلى القسم الداخلي تذكرت تلك الأيام الجميلة التي جمعتنا بزملاء الدراسة وأماكن جلوسنا ودراستنا فيها، فعادت بي الذكريات إلى تلك السنون الماضية ولسان حالي يردد هذا البيت.
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا
عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
ثم تجولت فيها متذكراً معلمينا وزملائنا ومترحماً على من مات منهم وداعياً بالصحة والعافية لمن بقي منهم. ثم بعد ذلك أخذنا جولة في محيط دار التوحيد وما جاوره من معالم ما زالت باقية على حالها، وأدينا الصلاة في جامع محمد سرور الصبان وبجواره قصره الجميل ذو القبب الحديدية وبستانه الذي لا يزال على حاله من تلك الفترة، ومررنا بقصر الدهلوي وقصر البوقري الأثريين، وكذلك قصر الكعكي الجميل الذي نقش فوق بابه بخط جميل هذين البيتين:
قَسَماً بِمَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ طَيّْ
وَاخْتَارَ خَيْرَ الْخَلْقِ مِنْ آلِ قُصَيّْ
لَمْ أَبْنِهَا طَمَعَ الْخُلُودِ وَإِنَّمَا
هِيَ زِينَةُ الدُّنْيَا لِحَيٍّ بَعْدَ حَيّْ
ثم مررنا بقصر شبرا التاريخي وما يحويه من تاريخ عريق، بعد ذلك اتجهنا إلى حي المثناة التاريخي، حيث كنا نقضى فيها معشر الشباب أوقاتاً ممتعة بين بساتينها وأشجارها الوارفة الظلال:
تَحِيَّةٌ مِنْ رُبَى نَجْدٍ إِلَى بَلَدٍ
قَضَيْتُ فِيهِ مِنَ الْأَيَّامِ أَحْلَاهَا
وَإِنْ نَسِيتُ فَلَنْ أَنْسَى مَرَابِعَهَا
وَسِدْرَةً كُنْتُ فِي الْمَثْنَاةِ أَرْقَاهَا
والحقيقة أن الطائف زاخرة بالمعالم الأثرية من مساجد ومبان وحري بالجهات المعنية بالسياحة والآثار الاهتمام بها والتنسيق مع ملاكها بترميمها مع المحافظة على نفس الطراز المعماري التي كانت عليه وجعلها وجهات يؤمها السياح، وهو ما يحظى اليوم باهتمام بالغ ومتابعة مستمرة من صاحب السمو الملكي الأمير فواز بن سلطان بن عبدالعزيز محافظ الطائف، لتطوير المحافظة والاهتمام بمواقعها التراثية العريقة.
ولا أنسى كذلك سوق عكاظ التاريخي الذي أعيد إحياؤه عام 1428هـ ليصبح معلماً سياحياً وثقافياً يبرز التراث العربي الأصيل والعريق. وقد سبق لي أن حظيت بدعوة كريمة من أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، ومن محافظ الطائف الأسبق معالي الأستاذ فهد بن عبدالعزيز المعمر لحضور حفل افتتاح مهرجان سوق عكاظ، ثم توالت الدعوات الكريمة لحضور فعالياته على مدى سنوات. وقد كتبت عن هذه المناسبة مقالات تناولت أهميته التاريخية والثقافية والسياحية:
عَادَتْ عُكَاظُ وَعُدْنَا فِي مَرَابِعِهَا
وَأَشْرَقَتْ شَمْسُهَا مِنْ بَعْدِ مَهْجَعِهَا
سُوقٌ لَهَا فِي قَدِيمِ الْعَهْدِ مَنْزِلَةٌ
وَمُلْتَقَى لِوُفُودِ الضَّادِ أَجْمَعِهَا
وكان من ضمن جولتنا الحالية زيارة وسط الطائف والدخول من باب الربع والتجول في برحة القزاز، وكذلك الصلاة في مسجد عبدالله بن العباس -رضي الله عنه- والدخول إلى المكتبة الملحقة بالمسجد (مكتبة عبدالله بن العباس). وفي اليوم التالي أخذنا جولة بين جبال الهدا والشفا، حيث الأجواء اللطيفة. والطائف له منزله خاصة في قلبي ولي فيه ذكريات جميلة:
بَلَدٌ صَحِبْتُ بِهِ الشَّبِيبَةَ وَالصِّبَا
وَلَبِسْتُ ثَوْبَ الْعُمْرِ وَهْوَ جَدِيدُ
بِنَفْسِيَ تِلْكَ الْأَرْضُ مَا أَطْيَبَ الرُّبَا
وَمَا أَحْسَنَ الْمُصْطَافَ وَالْمُتَرَبَّعَا
وقبل نهاية الرحلة انطلقنا صوب مكة المكرمة قاصدين بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة، وذلك عن طريق الهدا نزولاً مع جبل الكرا؛ الطريق الذي أنشأته الدولة -أعزها الله- قبل أكثر من سبعين عاماً، وما هي إلا لحظات حتى وصلنا إلى مكة المكرمة، ونحن نستشعر الرعاية الفائقة والإنجازات التاريخية العظيمة التي يحظى بها المسجد الحرام منذ تأسيس المملكة على يد المغفور له الملك عبدالعزيز وأبنائه الملوك البررة من بعده، وصولاً إلى هذا العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- حيث شيّدت الدولة الطرق الواسعة وشقت الأنفاق من تحت الجبال ليتمكَّن الزائر لبيت الله من الوصول له بكل يسر.
وقد تجلت هذه الرعاية فيما تحقق من مشروعات وإنجازات عظيمة، وكان من أبرزها التوسعات الكبرى في المسجد الحرام، التي امتدت إلى الساحات الشاسعة المحيطة به، وكُسيت بالرخام الفاخر المقاوم لحرارة الشمس، وشملت المطاف وجميع الساحات الداخلية والخارجية، مما جعل الحجاج والمعتمرين يسيرون في أشد أوقات النهار حرارة وهم في راحة وطمأنينة، ولسان حالهم يلهج بالدعاء لولاة أمر هذه البلاد على ما قدموه من جهود عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما. كما هيأت الدولة كذلك كل ما يحتاجه الحاج والمعتمر من خدمات، ومن ضمنها العربات الكهربائية للطواف والسعي، وخاصة لكبار السن ومن في حكمهم لكي يتمكنوا من أداء العمرة بكل يسر وسهولة. وامتداداً لهذه الجهود المباركة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وبتوجيه ومتابعة من القيادة الرشيدة، يتابع مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، ونائبه صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، ومعالي الدكتور توفيق بن فوزان الربيعة وزير الحج والعمرة ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومعالي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس رئيس الشؤون الدينية في المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ باهتمام بالغ كافة مشروعات التوسعة والأعمال بالحرم الشريف، لضمان سرعة إنجازها وفق أعلى المعايير.
وفي ختام هذه الرحلة المباركة، وبعد أن منَّ الله علينا بأداء مناسك العمرة، عدنا إلى الطائف لنأخذ قسطاً من الراحة، ومن ثم مواصلة السير نحو حريملاء مودعين، «أبا سعود» بعد أيام جميلة في رحاب الطائف وذكريات الماضي. حفظه الله، وأصلح له النيَّة والذرية، ومتعه الله بالصحة والعافية.. وحين انطلقنا نطوي المسافات، كان لسان الحال يردد قول الشاعر البحتري:
إِذَا التَفَتَتْ نَحْوُ الدِّيَارِ قُلُوبُنَا
حَثَثْنَا رِكَابَ الشَّوقِ نَحْوِ المَنَازِلِ