د. طلال الحربي
لا تمر القرارات الوطنية الكبيرة مرورَ الكرام على من تشبّعت نفوسهم بحب هذا الوطن واستوعبت عقولهم أبعادَ الفكر القيادي الذي يرسم مساراتِ المملكة العربية السعودية بحكمةٍ لا تُضاهى ورؤيةٍ لا تُحجَب. وحين يصدر التوجيه الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيَّده الله- بناءً على ما رفعه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- بإطلاق اسم صاحب السمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- على الجامعة السعودية الإلكترونية لتصبح جامعةَ الأمير مساعد بن عبدالرحمن، فإن المتأمّل في هذا القرار يرى فيه ما هو أعمق بكثيرٍ من مجرد تغيير مسمّى مؤسسةٍ تعليمية، بل يرى فيه درساً بليغاً في فقه الوفاء، وتجسيداً حيّاً لفلسفةٍ قيادية تُؤمن إيماناً راسخاً بأن الأمةَ الحية هي التي تصون ذاكرتها وتُكرّم رجالها وتبني مستقبلها على ركائز ماضيها المجيد.
إن الأثرَ الحضاري الذي يتركه الإنسانُ وراءه بعد أن يرحل هو القياسُ الأعدل لحجم ما قدّمه لوطنه ولأجيالٍ لم تشهده ولم تلتقِ به. وصاحب السمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- لم يكن شخصيةً تاريخية تُقرأ في الكتب فحسب، بل كان نموذجاً يُحتذى به لرجل الدولة الذي يرى في حب الوطن قوةً لا تُقهر، و كنوزاً نفيسة. وفي هذا الفعل وحده إن تأمّلناه بعمقٍ ما يكفي من الدلالة على أن سموه رحمه الله كان يؤمن بأن نشر العمل لخدمة الأمة صدقةٌ جارية وأن من يُيسّرها يُسهم في صناعة أمةٍ بأسرها.
وما يزيد هذا القرار الكريم بهاءً على بهاء أنه جاء ليربط بين شخصيةٍ وطنية متجذّرة وبين مؤسسةٍ تعليمية بنيت أصلاً على فكرة التيسير وكسر الحواجز بين طالب العلم ومصدره، وهي الجامعة السعودية الإلكترونية التي تقدّم التعليم لكلِّ من حال بينه وبين قاعات الدراسة التقليدية عائقٌ من مسافةٍ أو ظرفٍ أو إعاقة. فكأنَّ القيادة الحكيمة أرادت بهذه التسمية أن تقول للأجيال القادمة إن الأمير مساعد هو الروح الإلهامية ذاتها التي تفتح اليوم أبوابَ الجامعة الرقمية لكلِّ طالبٍ يحمل في صدره شوقاً للمعرفة ولو كان في أقصى ربوع المملكة. إنه توافقٌ مدهش بين الإرث والمؤسسة، وانسجامٌ نادر بين الاسم والمضمون، يشهد على عمق التفكير وجودة الاختيار.
ومن زاوية أكاديميةٍ وتربوية ما انفككت أدرس فيها مسارات المنظومة التعليمية في المملكة العربية السعودية طوال ما يزيد على ربع قرن من العطاء، أقول إن لأسماء المؤسسات التعليمية وزناً معنوياً ودلاليةً حضاريةً تتجاوز مجرد التعريف والتمييز؛ فالجامعة التي تحمل اسمَ رجلٍ عُرف بحب الوطن تمنح طلابَها مع كلِّ شهادةٍ يحملونها إرثاً قيمياً غير مكتوب، يدفعهم نحو الإبداع والعطاء ويُذكّرهم بأن ما ينالونه من تعليمٍ ليس مجرد أوراقٍ تُوثَّق بل هو امتدادٌ لحلمٍ وطني طالما سكن أرواحَ الرجال الكبار. وفي هذا السياق تحديداً تتجلى عظمة توجيه خادم الحرمين الشريفين، ذلك الملكُ الذي يقرأ التاريخ بعيون الحاضر ويصنع المستقبل بوعي الأجداد.
وقد أكد معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان أن هذا القرار يجسّد العناية الكريمة التي تحظى بها منظومة التعليم في المملكة والاهتمامَ المتواصل ببناء الإنسان وترسيخَ الاعتزاز بتاريخ الوطن ورموزه، فهذه الكلمات في ظاهرها مديحٌ وامتنان وفي باطنها قراءةٌ وافيةٌ لفلسفة القيادة التي لا تفصل بين بناء المؤسسات وبناء الهوية. وفي السياق ذاته، جاء تأكيد رئيس الجامعة الدكتور محمد بن يحيى مرضي ليُضيف بُعداً مؤسسياً عميقاً لهذه اللحظة التاريخية، إذ أكد أن ما اشتُهر به سمو الأمير مساعد -رحمه الله- من ينسجم انسجاماً تاماً مع رسالة الجامعة ودورها في بناء القدرات وتوسيع فرص التعلّم. وهو بذلك لا يُعلن مسمى جديد بل يعلن ميثاقاً صريحاً بأن جامعةَ الأمير مساعد بن عبدالرحمن ستواصل مسيرتها نحو التميز والابتكار وتعزيز أثرها الوطني مستلهمةً مما يحمله هذا الاسم العريق من إرثٍ وطني ومعرفي بما يُسهم في خدمة الإنسان والوطن وصناعة مستقبل التعليم.
يحفل تاريخنا السعودي برجالٍ من طراز سموّ الأمير مساعد بن عبدالرحمن -رحمه الله- رجالٌ آثروا البذل على الأخذ وسخّروا مواهبهم وإمكاناتهم في خدمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر. وحين تلتفت القيادة الرشيدة إلى هؤلاء بعين التقدير والإجلال، وتُعلي أسماءَهم فوق مؤسسات العلم والنهضة، فإنها إنما ترسل للأجيال الصاعدة رسالةً مفادُها أن الوطنَ لا ينسى وأن العطاء الصادق لن يذهب أثره مع صاحبه، بل سيبقى شعلةً مضيئةً تُنير الطريق للقادمين. وما أحوجَ ناشئتنا اليوم إلى هذه الرموز الوطنية الراسخة القيم التي تُجيب بوجودها على سؤال الهوية وتُعلّم بسيرتها ما لا تستطيع المناهج وحدها تعليمَه.
جامعةُ الأمير مساعد بن عبدالرحمن، بهذا الاسم الجديد المُعتزّ به، لن تكون مجرد صرحٍ أكاديميٍّ يمنح الدرجات ويُصدر الشهادات، بل ستكون بحول الله منارةً تجمع بين إرث الأمس الأصيل وطموح الغد الرقمي، وفيّةً لاسمها الذي يحمل من القيم ما يُلزمها بالتميّز والريادة في خدمة كلِّ طالب علمٍ في هذا الوطن المعطاء. وفي كلِّ طالبٍ يتخرّج من بين جدرانها سيكون شيءٌ من روح ذلك الأمير الكريم الذي آمن بأن حب الوطن أشرف ما يُعطيه الإنسانُ لأخيه الإنسان، وبذلك يكتمل الدائرة بين ماضٍ حيٌّ في ذاكرة الوطن وحاضرٍ راسخٌ في مؤسساته ومستقبلٍ مشرقٌ تصنعه أجيالٌ تحمل على عاتقها ميراثَ العظماء.