د. سطام بن عبدالله آل سعد
منذ اعتزالك كرة القدم، بقي الرقم 20 يبحث عن صاحبه؛ تعاقب المهاجمون، وتغيَّر المدربون والخطط، وبقيت جماهير المنتخب كلما اقتربت بطولة تنظر إلى مقدمة التشكيلة وتسأل: من سيسجل؟
في زمنك، كان وجودك أمام المرمى يمنح الجماهير شعورًا بأن الهدف محقق؛ كنت مهاجمًا شرسًا، تعرف متى تتحرك وأين تتمركز، وتجيد اللعب بالرأس والقدمين، وتملك حسًا تهديفيًا يجعل حضورك مصدر قلق دائم لدفاعات الخصوم. ومن هنا تتجاوز الحكاية ياسر القحطاني نفسه إلى سؤال أكبر: لماذا لم تنجح الكرة السعودية بعده في صناعة مهاجم يفرض نفسه في هذا المركز؟
المفارقة أن كرة القدم لدينا تطورت بصورة هائلة؛ فلدينا دوري يستقطب نخبة مهاجمي العالم، ومدربون عالميون، واستثمارات ضخمة، ومنشآت وتقنيات وتحليل بيانات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، ومع ذلك ما زال المنتخب يبحث عن مهاجمه. نجحنا في استقطاب الهدّاف العالمي لأنديتنا، وعجزنا عن صناعة الهدّاف السعودي للمنتخب.
ولنأخذ مهاجم المنتخب الأساسي عبدالله الحمدان مثالًا لحالة فنية تعكس جانبًا من المشكلة؛ فبحسب إحصاءات «Global Sports Archive»، خاض مع الشباب والهلال والنصر 226 مباراة في مختلف البطولات، سجل خلالها 27 هدفًا، بمعدل 0.12 هدف في المباراة. ومع المنتخب السعودي الأول، تشير إحصاءات «Zerozero» المحدثة إلى خوضه 56 مباراة دولية سجل خلالها 13 هدفًا، بمعدل 0.23 هدف في المباراة. وبذلك بلغت حصيلته الإجمالية مع الأندية والمنتخب الأول 40 هدفًا خلال 282 مباراة، بمعدل 0.14 هدف في المباراة!
هذه الأرقام لا تختصر المشكلة في الحمدان وحده، لكنها تفتح سؤالًا مهمًا حول توظيف اللاعب واختيار من يشغل هذا المركز. نحن أحيانًا نصنع للاعب وظيفة ثم نحاسبه على فشله فيها، ونكرر التجربة مباراة بعد أخرى، ثم نستغرب أن النتيجة بقيت كما هي. ننتظر أن يتحول الحمدان إلى رأس حربة قاتل، وحين لا يحدث ذلك تصبح المشكلة في اللاعب، مع أن السؤال الأهم يجب أن يسبق ذلك كله: هل اخترنا اللاعب المناسب لهذه المهمة أصلًا؟
والأغرب أن بعض المدافعين عنه يقولون إنه ليس مهاجم صندوق. فإذا كان كذلك، فلماذا نضعه أمام المرمى ثم نحاسبه بعدد الأهداف؟ وإذا كان مهاجم صندوق فعلًا، فمن حق الجمهور أن يسأل عن حصيلته التهديفية. هنا لا يعود السؤال عن الحمدان وحده، وإنما عن سبب الإصرار على توظيف لاعب في مركز لا تتفق متطلباته مع خصائصه.
لهذا تصبح قصة الحمدان جزءًا من قصة أكبر؛ قصة مركز يعاني منه المنتخب السعودي منذ سنوات طويلة. وقد يكون أحد أسباب ذلك أن تطور المنظومة الكروية لدينا لم ينعكس بالقدر الكافي على صناعة اللاعب السعودي ورفع مستواه، فتظهر الفجوة في أغلب المراكز مع كل مشاركة، ومن بينها خط الهجوم، حيث نفتقد المهاجم القادر على الحسم أمام المرمى.
وحين نقول اليوم «وا ياسراه» فنحن لا نستدعي لاعبًا اعتزل بقدر ما نستدعي إحساسًا افتقدناه أمام المرمى. نستدعي صورة المهاجم الذي يعرف زملاؤه كيف يصلون إليه، ويصعب على المدافعين مراقبة تحركاته وإيقافه. مهاجمًا يدخل منطقة الجزاء فتسبقه إليها ثقة الجماهير قبل الكرة.
أما الآن، فعند كل هجمة تضيع على منتخبنا، تتذكر الجماهير صورة الرقم 20، فتصرخ: وا ياسراه.. وا ياسراه.