د.ناصر بن حمد الهملان
تتجه المملكة العربية السعودية بقوة نحو توطين الصناعات الدوائية والطبية، وهو توجه إستراتيجي لا خلاف على أهميته. لكن هناك حقيقة ينبغي التعامل معها بواقعية: لن تصنع المملكة كل دواء وكل جهاز طبي تحتاج إليه، وربما لا يكون ذلك هدفًا اقتصاديًا أو صناعيًا منطقيًا من الأساس. فبعض الأدوية المبتكرة والعلاجات البيولوجية والتقنيات الحيوية والأجهزة الطبية فائقة التطور هي نتاج عقود من البحث والتطوير، ومليارات الدولارات من الاستثمار، وخبرات علمية وصناعية تراكمت عبر سنوات طويلة. وهذا ليس فشلًا في التوطين، بل طبيعة الصناعة الصحية العالمية. لكن هذه الحقيقة تقود إلى سؤال مختلف: إذا كانت المملكة ستستمر في استيراد بعض المنتجات الصحية والتقنيات المتقدمة، فهل يجب أن تبقى العلاقة مع الشركات التي تعتمد عليها مقتصرة على كون المملكة مشترية فقط؟
تمتلك المملكة قوة شرائية كبيرة في قطاع الأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية. فهي سوق مهم لكثير من الشركات العالمية، وتنفق بصورة مستمرة على منتجات وتقنيات طبية متقدمة. وهنا تبرز فكرة تستحق الدراسة:
إذا كانت المملكة تنفق مبالغ كبيرة لدى شركات عالمية محددة، وتساهم مشترياتها المستمرة في نمو إيراداتها، فهل يمكن، في حالات مختارة، أن تتحول العلاقة من مجرد شراء وبيع إلى علاقة تجمع بين الشراء والاستثمار والشراكة؟ لا يعني ذلك الاستثمار في كل شركة نشتري منها، ولا يعني أن الاستثمار يضمن الأرباح أو يوفر المنتج تلقائيًا عند الحاجة. فالاستثمار يحمل مخاطره، والأسواق لا تمنح ضمانات. لكن هناك فرق بين أن تكون عميلًا مهمًا لشركة، وبين أن تكون، في حالات محددة، عميلًا وشريكًا إستراتيجيًا فيها. وهنا يتحول السؤال إلى: كيف نشتري ونصنع ونستثمر بطريقة تحقق قيمة وطنية أكبر؟
العائد المالي من الاستثمار جزء من الفكرة، لكنه ليس الهدف الوحيد. فالاستثمار في شركة صحية عالمية يمكن أن يكون جزءًا من شراكة أوسع ترتبط بنقل المعرفة والتقنية، وتوطين جزء من سلسلة القيمة، وإنشاء قدرات تصنيع أو تجميع، وتطوير الخدمات الفنية، والاستثمار في البحث والتطوير، وبناء الكفاءات السعودية.
وهنا تظهر إحدى أهم الفرص التي يجب ألا تُهمل: رأس المال البشري. نحن نستطيع شراء جهاز طبي، لكن لا نستطيع شراء الخبرة التي صنعت ذلك الجهاز بنفس سهولة شرائه. ونستطيع شراء دواء مبتكر، لكن المعرفة التي تقف خلف تطويره وتصنيعه وإدارة جودته وبناء الأجيال القادمة منه لا تأتي داخل العبوة. هذه المعرفة تُكتسب من داخل الشركات التي تطور التكنولوجيا وتدير الملكية الفكرية وتبني المنتجات العالمية. ولهذا، إذا أصبحت المملكة شريكًا إستراتيجيًا في شركات مختارة، فمن المنطقي أن تتضمن الشراكة برامج منظمة تتيح للكوادر السعودية العمل داخل عمليات تلك الشركات ومراكزها العالمية، في البحث والتطوير، والهندسة، والتصنيع المتقدم، والجودة، والشؤون التنظيمية، وإدارة المنتجات وسلاسل الإمداد. وهنا يتحول الاستثمار إلى وسيلة لاستيراد المعرفة والخبرة، لا المنتجات فقط.
وهناك أيضًا بعد لا يقل أهمية، وهو الأمن الصحي والطبي الوطني. فالاعتماد على الأسواق العالمية في المنتجات الإستراتيجية يحمل مخاطر لا تتعلق بالسعر فقط. ففي أوقات الأزمات قد تكون المشكلة في توافر المنتج، أو الطاقة الإنتاجية، أو القيود اللوجستية، أو أولوية التوريد، أو تركّز تقنية معينة لدى عدد محدود من الشركات. ولهذا فإن الأمن الصحي لا يعني المخزون الإستراتيجي فقط، ولا المصانع فقط. إنه يعني أيضًا المعرفة، والقدرات المحلية، وتنويع الشراكات، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. وربما امتلاك أسهم في شركة لا يمنح المملكة تلقائيًا أولوية في التوريد. ولهذا، إذا كان أمن الإمدادات جزءًا من الشراكة، فيجب أن يكون التزامًا تعاقديًا واضحًا، لا افتراضًا مبنيًا على الملكية. لكن الجمع بين الاستثمار، والشراكة، وبناء القدرات المحلية، والتصنيع أو الخدمات داخل المملكة، يمكن أن يجعل العلاقة أكثر متانة من العلاقة التقليدية بين المشتري والمورد.
وهنا يبدأ بسؤال: ما هي الشركات التي تنفق المملكة على منتجاتها مبالغ كبيرة اليوم، ومن المتوقع أن يزداد اعتمادها عليها مستقبلًا؟ لدينا في القطاع الصحي بيانات ضخمة عن المشتريات والإنفاق. ويمكن لهذه البيانات أن تساعد في تحديد الشركات التي يرتفع الإنفاق على منتجاتها، والشركات التي ترتبط منتجاتها بمجالات إستراتيجية، والمنتجات التي يصعب استبدالها، والمجالات التي يتوقع أن ينمو الطلب عليها مستقبلًا. ويجب تقييم الشركة نفسها: قوة تقنياتها، وموقعها التنافسي، ومستقبل منتجاتها، واستثماراتها في البحث والتطوير، وملكيتها الفكرية، ووضعها المالي، وفرص نموها ومخاطر الاستثمار فيها.
ثم يأتي السؤال الأهم: ماذا ستقدم الشركة للمملكة مقابل هذه الشراكة؟ لا ينبغي أن تكون الإجابة عبارات عامة عن التعاون ونقل المعرفة. المطلوب التزامات واضحة وقابلة للقياس.
ما الوظائف النوعية التي ستخلقها الشركة للسعوديين؟ وما فرص التدريب والعمل داخل عملياتها العالمية؟ وما الجزء الذي يمكن نقله من سلسلة القيمة؟ وهل يمكن إنشاء تصنيع أو تجميع أو مركز بحث وتطوير أو خدمات فنية داخل المملكة؟ وهل يمكن أن تصبح المملكة مركزًا إقليميًا لبعض عمليات الشركة؟ وما التزاماتها تجاه أمن واستدامة الإمدادات؟ بهذه الطريقة يصبح اختيار الشركات قائمًا على ثلاثة عناصر رئيسية:
وإذا دخلت شركة عالمية في شراكة إستراتيجية حقيقية مع المملكة، وحققت قيمة واضحة من خلال التصنيع أو نقل التقنية أو تطوير الكفاءات أو البحث والتطوير أو الخدمات الفنية، فمن المناسب دراسة إطار تحفيزي يمنحها مزايا ضمن الأنظمة والضوابط التي تحافظ على المنافسة العادلة والشفافية.
السعودية اليوم لا ينقصها رأس المال، ولا حجم السوق، ولا الطموح. التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على ربط هذه العناصر ضمن منظومة واحدة تولّد قيمة تتجاوز حدود الإنفاق التقليدي.
أن نربط الشراء بالاستثمار، والاستثمار بالتوطين، والتوطين بنقل المعرفة، والمعرفة ببناء رأس المال البشري، وأن ترتبط هذه المنظومة في نهاية المطاف بتعزيز الأمن الصحي والاقتصادي الوطني. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على شراء ما نحتاج إليه، بل في القدرة على تحويل جزء مما نشتريه إلى قيمة أكبر وأثر أكثر استدامة؛ أن يتحول جزء من الإنفاق إلى استثمار، وجزء من العلاقة التجارية إلى شراكة إستراتيجية، وجزء من الاعتماد الخارجي إلى معرفة وقدرات وطنية.
وفي مرحلة تتسارع فيها التحولات في الاقتصاد الصحي العالمي، قد تكمن إحدى أهم الفرص القادمة للمملكة في إعادة النظر إلى الإنفاق الصحي؛ ليس فقط بوصفه وسيلة للحصول على ما نحتاج إليه اليوم، بل بوصفه أيضًا أداة إستراتيجية للمساهمة في بناء ما سنحتاج إليه غدًا.
أن نشتري ما نحتاج إليه، وأن نصنع ما نستطيع، وأن نستثمر حيث يمكن أن تتحول العلاقة إلى شراكة، وتتحول الشراكة إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى قدرات وطنية وقيمة اقتصادية مستدامة.
فالمستقبل قد لا يكون لمن يملك القدرة على شراء أفضل ما ينتجه العالم فقط، بل لمن يستطيع أن يكون شريكًا في تطويره، وتصنيعه، وامتلاك جزء من المعرفة والقيمة التي يولّدها. وهنا يكمن التحول الحقيقي: ألا يكون الإنفاق مجرد تكلفة للحصول على منتج أو خدمة، بل نقطة انطلاق لبناء استثمار، ومعرفة، وقدرة، وقيمة وطنية تستمر آثارها إلى ما بعد الصفقة نفسها.