إبراهيم أبوهيف
في الثالث والعشرين من سبتمبر، ترفع المملكة العربية السعودية رايتها احتفاءً بيومها الوطني، ويستعيد السعوديون قصة وطن جمع الأرض بعد فرقة، ووحّد الراية بعد شتات، وصان الأمن حتى استقر، وبنى الدولة حتى ازدهرت، ثم مضى إلى المستقبل لا يقطع صلته بماضيه، ولا يبدل أصالته بطموحه، بل يحمل الأولى زادًا للثاني، ويجعل من «عزنا بطبعنا» عنوانًا لوطن يعرف من أين بدأ، ويعرف جيدًا إلى أين يريد أن يصل.
لكن أجمل ما في يوم الوطن ليس أن يفرح السعودي بالسعودية، فهذا حق الأرض على أهلها، وحق الوطن على أبنائه، وإنما أن يجد السعودي من يفرح معه من خارج حدوده، وأن ترتفع رايته في يد لا تحمل جوازه، وأن تأتيه التهنئة من قلب لم يولد على أرضه، وأن تتحول المناسبة من ذكرى وطنية يحتفي بها أهل المملكة إلى مساحة محبة تشاركهم فيها شعوب عرفت السعودية، وعرفت أهلها، وعرفت لها من المقام ما يجعل فرحها قريبًا وإن بعدت الديار.
وهنا تتراجع اللغة أمام الأرقام، لأن ما قد يظنه البعض عاطفة عابرة تكشفه البيانات في صورة أوسع، فقد بلغ حجم المحتوى المرتبط بالاحتفاء باليوم الوطني السعودي في أربع وعشرين دولة خارج المملكة نحو 380 ألف منشور، تجاوزت مشاهداتها 151 مليونًا و600 ألف مشاهدة، وحققت أكثر من 10 ملايين و460 ألف تفاعل ومشاركة، فيما بلغ الاتجاه الإيجابي نحو 92.4 %.
ثلاثمائة وثمانون ألف رسالة وصورة ومقطع وكلمة، وأكثر من مائة وواحد وخمسين مليون مشاهدة، وعشرة ملايين تفاعل جاءت من خارج الأرض التي تحتفل بيومها، وهنا لا يعود الرقم مجرد رقم، بل يصبح شاهدًا على وطن اتسعت مكانته حتى اتسعت به القلوب، وعلى راية رفعتها المملكة فوق أرضها، فرفعها محبوها في أرض غيرها.
كانت مصر في مقدمة هذا المشهد، بنحو 46 ألف منشور تجاوزت مشاهداتها 18 مليونًا و200 ألف مشاهدة، وحققت نحو مليون و200 ألف تفاعل ومشاركة، مع اتجاه إيجابي بلغ 93 %، وهي أرقام لا تصنع المحبة بين الشعبين، لكنها تكشف مقدارها.
فما بين مصر والسعودية ليس علاقة بدأت مع منصة حتى تنتهي بانتهاء منشور، ولا رابطًا ولد من مصلحة حتى يضعف بزوالها، وإنما تاريخ بين دولتين كبيرتين حملتا معًا أثقال المنطقة، وذاكرة بين شعبين عرف كل منهما الآخر في الدين والثقافة والفن والإعلام والعمل والأسرة والحياة، حتى أصبح المصري يعرف للسعودية مقامها، والسعودي يعرف لمصر قدرها، وبقي ما بينهما أكبر من محاولة للوقيعة، وأبقى من رواية طارئة، وأرسخ من صوت يريد أن يجعل بين الشقيقين ما لم تجعله السنوات.
ولهذا لا تبدو صدارة مصر للتفاعل مجرد ترتيب في جدول، بل تبدو امتدادًا طبيعيًا لعلاقة يعرف فيها الشعبان أن قوة أحدهما لا تنتقص من الآخر، وأن مكانة أحدهما لا تقوم على حساب الآخر، وأن القاهرة والرياض حين تقتربان لا تربح دولتان فقط، بل يستعيد العرب بعضًا من وزنهم، وحين يفرح السعودي بوطنه يجد في مصر من يقول له إن فرح الشقيق لا يقف عند بابه.
ومن القاهرة إلى إسلام آباد، تتغير اللغة ويبقى القلب قادرًا على فهم الرسالة نفسها، فقد سجلت باكستان نحو 34 ألف منشور، حققت أكثر من 13 مليونًا و400 ألف مشاهدة، وقرابة 940 ألف تفاعل ومشاركة، مع اتجاه إيجابي بلغ 96 %، لتقدم واحدة من أكثر الصور وضوحًا عن مكانة المملكة في مجتمع لا يجمعه بها جوار جغرافي، وإنما تجمعه بها روابط أعمق من المسافة.
في باكستان، تبدأ السعودية من مكة والمدينة قبل أن تبدأ من السياسة، ومن ذاكرة ملايين البشر الذين عملوا وعاشوا على أرض المملكة قبل أن تبدأ من نشرات الأخبار، ولذلك لا تبدو الراية السعودية غريبة حين تظهر هناك، ولا تبدو التهنئة واجبًا حين تصدر من الناس، بل تبدو المحبة كأنها تعرف طريقها من أرض السند إلى أرض الحرمين دون أن تحتاج إلى خريطة.
ولعل من أجمل صور هذا العام أن يمتد الاحتفاء إلى عمل غنائي خاص حمل العربية والأردية معًا، وجعل من اللغتين جسرًا لمودة واحدة، في صورة تحمل من المعنى أكثر مما تحمله الكلمات، لأن المسافة بين شعبين تقصر كثيرًا حين يستطيع كل منهما أن يغني للآخر بلغته. وقد أُطلق العمل في باكستان بمناسبة اليوم الوطني السعودي، حاملًا رسالة صداقة وأخوة بين الشعبين.
أما الخليج، فهناك يصبح الشرح أقصر من أن يطول، لأن بعض العلاقات تشرح نفسها بنفسها، فقد سجلت الإمارات نحو 31 ألف منشور تجاوزت مشاهداتها 12 مليونًا و600 ألف مشاهدة، والكويت نحو 27 ألف منشور بأكثر من 10 ملايين و800 ألف مشاهدة، والبحرين 18 ألف منشور باتجاه إيجابي وصل إلى 97 %، وسلطنة عمان 16 ألف منشور باتجاه إيجابي بلغ 95 %، فيما سجلت قطر نحو 14 ألف منشور.
ومجتمعةً، قدمت دول الخليج الخمس أكثر من 106 آلاف منشور تجاوزت مشاهداتها 42 مليونًا و800 ألف مشاهدة وحققت أكثر من 3 ملايين تفاعل ومشاركة، وهي أرقام تقول إن الحدود رسمت الدول، لكنها لم ترسم القلوب، وإن ما بين أهل الخليج أكبر من خطوط على الخرائط، لأن البيوت تعرف بعضها، والعائلات تمتد في بعضها، واللهجات تتقارب، والعادات تتشابه، والتاريخ جمعهم قبل أن تجمعهم المنصات.
هناك يكون يوم السعودية فرح قريب بقريبه، وجار بجاره، وأهل بأهلهم، فلا يحتاج الكويتي إلى سبب حتى يفرح للسعودي، ولا البحريني إلى خطاب حتى يعرف معنى المملكة، ولا العماني إلى مناسبة حتى يحفظ للجوار قدره، لأن ما بنته المجتمعات في عشرات السنين لا تحتاج الشاشات إلا إلى إظهاره.
وفي العراق واليمن والأردن وسوريا والسودان وفلسطين ولبنان، تشكلت كتلة أخرى من المحبة بلغ حجمها نحو 121 ألف منشور تجاوزت مشاهداتها 48 مليونًا و600 ألف مشاهدة، وحققت قرابة 3 ملايين و360 ألف تفاعل ومشاركة.
العراق وحده سجل نحو 24 ألف منشور، واليمن 22 ألفًا، والأردن 21 ألفًا، وسوريا 15 ألفًا، والسودان 14 ألفًا، وفلسطين 13 ألفًا، ولبنان 12 ألفًا، ولكل من هذه الشعوب قصته مع المملكة، لكن القصص حين تجتمع تكتب عنوانًا واحدًا، السعودية حاضرة في القلب العربي حتى حين تختلف الظروف، وقريبة من الشعوب حتى حين تتباعد المسافات.
من هذه الشعوب من عرف المملكة من الحج والعمرة، ومن عرفها من العمل والحياة، ومن عرفها من الفن والإعلام، ومن يعرفها اليوم من الدوري السعودي وفعاليات الرياض والعلا والدرعية والبحر الأحمر، لكن السعودية في كل صورة تبقى واحدة، بلدًا يحمل مكانته القديمة، ويضيف إليها كل يوم سببًا جديدًا للحضور.
وفي المغرب العربي، لم تكن المسافة أقوى من المودة، فقد سجل المغرب 12 ألف منشور، والجزائر 11 ألفًا، وليبيا 10 آلاف، وتونس 8 آلاف، وموريتانيا 5 آلاف، ليبلغ مجموعها نحو 46 ألف منشور تجاوزت مشاهداتها 18 مليونًا و100 ألف مشاهدة.
وهنا يكتسب الرقم جماله من بعد المسافة، لأن المحبة حين تأتي من القريب لها معناها، وحين تعبر آلاف الكيلومترات يصبح لها معنى آخر، فقد تكون الرياض بعيدة عن الرباط والجزائر وتونس، لكن السعودية لم تعد بعيدة عن شاب يرى مدنها كل يوم، ويتابع رياضتها، ويعرف ثقافتها، ويرى نهضتها، ويشعر أن ما يتحقق على أرض عربية هو مساحة فخر لا تحتاج إلى جواز سفر.
وفي الصومال وجيبوتي وجزر القمر، بلغ المحتوى نحو 11 ألف منشور بأربعة ملايين مشاهدة تقريبًا، وقد تكون الأعداد أقل بحكم حجم المجتمعات واستخدام المنصات، غير أن مكانة المملكة هناك أكبر من أن يقيسها رقم، لأن أرض الحرمين لا تحتاج في قلب المسلم إلى حملة تعريف، ومكة لا تسأل القادم إليها عن لغته قبل أن تجمعه بغيره، والمدينة لا تفرق بين قلب جاءها من أفريقيا وقلب جاءها من آسيا.
وفي تركيا سجل المحتوى نحو 9 آلاف منشور تجاوزت مشاهداتها 3 ملايين و600 ألف مشاهدة، وهو حضور يرتبط بصورة المملكة لدى جمهور يعرفها اليوم من الاقتصاد والسياحة والرياضة والثقافة والفعاليات، بقدر ما يعرفها من العلاقات السياسية.
أما إيران، فقد سجلت نحو 7 آلاف منشور وقرابة 2 مليون و900 ألف مشاهدة، مع اتجاه إيجابي بلغ 76 %، وربما يكون هذا الرقم من أكثر أرقام المشهد إثارة للتأمل، لأن خلفه أجيالًا بدأت تنظر إلى السعودية بعيونها هي، لا بعيون خصومات لم تصنعها.
وهذه المساحة هي التي تجعل السعودية الجديدة قادرة على الوصول إلى من لم تصل إليهم اللغة التقليدية، لا لأنها تخلت عن هويتها حتى تُعجب الآخرين، بل لأنها مضت بهويتها إلى المستقبل، فأصبح التاريخ إلى جوار التقنية، والحرمين إلى جوار مدن المستقبل، والأصالة إلى جوار الانفتاح، والراية نفسها ترفرف فوق وطن يعرف أن الحداثة لا تعني أن ينسى الإنسان نفسه.
وهنا يأخذ شعار «عزنا بطبعنا» معناه الحقيقي، فالعز لا يكون فيما يملكه الوطن فقط، بل فيما يتركه من أثر، والطباع لا تعرفها الشعوب من الحملات، بل من الناس، من سعودي عرفه مصري فحفظ له كرمًا، ومن سعودي عاش معه باكستاني فحمل عنه ذكرًا طيبًا، ومن حاج عاد إلى بلده وهو يحمل في ذاكرته مكة وأهلها، ومن زائر خرج من المدينة وقلبه ترك شيئًا منها هناك.
لهذا لا تُقرأ 380 ألف منشور باعتبارها رقمًا، وإنما باعتبارها ثلاثمائة وثمانين ألف مرة اختار فيها إنسان خارج السعودية أن يمنح يوم المملكة مساحة من حسابه ووقته ومشاعره.
ولا تُقرأ 151 مليونًا و600 ألف مشاهدة باعتبارها حركة على شاشة، وإنما باعتبارها مائة وواحدًا وخمسين مليون نافذة فُتحت على راية المملكة ويومها وفرح أهلها.
ولا تُقرأ 10 ملايين و460 ألف تفاعل ومشاركة باعتبارها ضغطات أصابع، وإنما باعتبارها ملايين المرات التي وجد فيها شخص ما أن فرحة السعودية تستحق أن يشاركها مع غيره.
وتلك هي الأرقام حين يكون خلفها قلب، فالمال يستطيع أن يشتري إعلانًا، والإعلام يستطيع أن يصنع حملة، لكن لا إعلان يشتري مودة شعب، ولا حملة تستطيع أن تأمر مصريًا بأن يحب السعودية، أو باكستانيًا بأن يحمل لها هذا القدر من الوفاء، أو خليجيًا بأن يرى يومها يومًا قريبًا منه، أو شابًا إيرانيًا بأن يركض خلف حافلة نادي النصر السعودي في طهران.
المحبة لا تصدر بمرسوم، ولا تُفرض ببيان، ولا تُشترى بميزانية، وإنما تبنى موقفًا بعد موقف، وإنسانًا بعد إنسان، وعامًا بعد عام، حتى تأتي لحظة مثل اليوم الوطني، فتكشف الشاشة ما كان مستقرًا في القلب.
وهنا تكمن قوة السعودية، ليست في أنها تحتفل فيجد العالم صورتها أمامه، بل في أن يحتفل معها من لم تطلب منه الاحتفال، وأن يكتب لها من لم تطلب منه أن يكتب، وأن يأتيها الوفاء من شعوب بعيدة كما يأتيها من شعبها، لأن المكانة الحقيقية ليست ما تقوله الدولة عن نفسها، بل ما يقوله عنها الآخرون حين تترك لهم حرية الكلام.
وفي يوم الوطن، يرفع السعودي علمه لأنه يعرف قصة هذه الأرض، ويرفع المصري العلم معه لأنه يعرف قدر المملكة، ويرفعه الباكستاني لأن للحرمين في قلبه وطنًا آخر، ويرفعه الخليجي لأن الفرحة في البيت الكبير لا تعرف حدود الغرف، ويرفعه العربي من المحيط إلى الخليج لأن السعودية جزء من ذاكرته وحاضره، وربما يرفعه شاب في إيران لأن جيله يريد أن يرى المستقبل أكثر.
عندها فقط يصبح اليوم الوطني أكثر من ذكرى، يصبح يومًا تعرف فيه السعودية كم يحبها أهلها، وتعرف فيه أيضًا كم ترك أهلها ووطنهم من أثر في غيرهم.
فإذا كان «عزنا بطبعنا» عنوان يوم المملكة، فإن محبة الشعوب بعض من شهادة تلك الطباع، وإذا كان السعودي يرفع الراية فخرًا بوطنه، فإن من خارج المملكة من يرفعها وفاءً لأهلها، وإذا كانت الحدود تقول أين تنتهي أرض السعودية، فإن القلوب تقول إن مكانتها لا تنتهي عند الحدود.
السعودية وطن لأهلها، ومقام في قلوب محبيها، وراية تعلو في سمائها، ومحبة تسافر أبعد من مداها، فإذا فرحت فرح لها من عرف قدرها، وإذا علت دعا لها من أحب أهلها، وإذا جاء يومها الوطني لم يكن السؤال كم احتفلت السعودية، بل كم قلبًا خارج السعودية احتفل بها.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، واحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ـ حفظه الله ـ، وأدم على المملكة أمنها وعزها ورخاءها، حتى تبقى لأهلها وطنًا يملأ القلب فخرًا، وللعرب سندًا يعرفون قدره، وللمسلمين أرضًا تهفو إليها الأرواح، ولمن أحبها من شعوب الدنيا ذكرًا طيبًا لا تمحوه المسافات، وودًا صادقًا لا تبدله الأيام.