نجلاء العتيبي
صبيحة يومنا الوطني تشبه صباحات العيد، نستيقظ وفي النفس بهجة سبقت الضوء إلى الغرفة؛ نفتح الهاتف، فإذا صندوق الوارد عامر بالتهاني، وإذا مواقع التواصل تعرض مقاطع صنعتها محبة الناس للمملكة، نقرأ الأسماء المألوفة، ونبتسم لعبارات جاءتنا من بعيد، فنشعر أن هذا التاريخ يعرف طريقه إلى القلوب قبل أن تبدأ احتفالاته في الشوارع.
لهذا الصباح إيقاع يخصه، تتأخر الخطوات قليلًا عند نافذة تطل على مدينة تتهيأ ليومها، ويصبح للسلام بين أفراد الأسرة وقع آخر، لا يحتاج أحد إلى شرح سبب الفرح؛ فكل من في البيت يحمل صورة من الوطن، وموقفًا يربطه به، وأمنية يدعو أن يراها تتحقق على أرضه، حتى الطفل الذي ينتظر الخروج إلى الفعاليات يدرك بطريقته أن اليوم يخصه، وأن السعادة التي يراها حوله أكبر من زينة المكان.
وحين نتأمل وجوه الناس، نجد لكل إنسان بابًا يدخل منه إلى هذه المناسبة؛ فالجدة تستعيد أعوامًا مضت وما شهدته خلالها من تحولات، والأب يرى أبناءه أمامه، فيحمد الله على وطن يتيح لهم أن يحلموا ويجتهدوا، والشابة تتطلع إلى موقعها في مستقبل المملكة، وقد صار للطموح متسع تشارك فيه بعلمها وعملها، والمسافر -مهما طال مقامه خارجها- يجد في رسالة تهنئة سببًا لأن يستحضر رائحة بيته وأصوات من يحب.
تتجاوز مشاعر هذا اليوم حدود التجربة الشخصية، ففي كل مدينة وقرية أناس صنعوا من أعمارهم جزءًا من حكاية البلاد: معلم أخلص لطلابه، وطبيب سهر على مريض، ومزارع اعتنى بأرضه، وأم ربت أبناءها على الوفاء والمسؤولية، والكثير من قام بخدمة الوطن بشتى الطرق لا نعرف أسماءهم جميعًا، غير أن أثرهم حاضر في حياتنا، وحين نفرح بما بلغته المملكة، نذكر أن نهضتها تنمو أيضًا بأيدي هؤلاء، وبكل عمل أنجز بإتقان بعيدًا عن عدسات التصوير.
وتزداد فرحتنا عمقًا عندما نفكر في الأجيال التي ستأتي بعدنا، ماذا نريد لها أن تجد؟ نريد أن ترث وطنًا آمنًا، وأن ترى في العلم والعمل سبيلًا مفتوحًا، وأن تعرف تاريخ بلادها بثقة تليق بمن صنعوه، هذه الرغبة تمنح الاحتفال معنًى يمتد إلى ما بعد انتهائه؛ فالفخر الحقيقي يوقظ فينا حرصًا على ما نحب، ويدفعنا إلى أداء نصيبنا من العناية به.
ولعل ما يميز فرحة هذا اليوم أنها تمنح الناس فرصةً للتعبير عما يعجزون عن قوله في الأيام العادية، يكتب أحدهم عن حي نشأ فيه، ويذكر آخر أول وظيفة نالها، ويروي ثالث كيف تحول حلمه إلى مشروع، وتحضر في هذه الحكايات تسهيلات يسرت سبل العمل والعيش، ونعم أكرم الله بها أبناء هذا الوطن، فوجدوا في أرضه ما يعينهم على بناء أحلامهم؛ فتختلف الحكايات، ويجمعها إحساس عميق بأن الانتماء يعيش في تفاصيل التجربة، ويكبر كلما اتسعت مساحة الأمل بين أبناء الوطن.
وللتهاني القادمة من خارج المملكة أثر جميل كذلك، نسمع فيها تقدير أصدقاء عرفوا أهلها وعاشوا بينهم، ونرى في مشاركتهم فرحتنا شاهدًا على صلات إنسانية لا تقف عند الجغرافيا، أما ما يتداوله الناس من صور ومقاطع، فأجمله ما يكشف عفويتهم: نظرة فخر في عين كبير، أو حماسة طفل يحاول أن يشرح بلغته لماذا يحب بلاده، صدق الشعور يمنح تلك اللقطات قيمتها.
في المساء ستضيء المدن، وتتسع الساحات للفرح، لكن صباح اليوم الوطني يظل الأقرب إلى نفسي؛ لأنه يمنحنا فسحةً نسمع فيها ما تقوله قلوبنا قبل أن تعلو أصوات الاحتفال، نعرف كم تعني لنا هذه الأرض، وكم ندين لها من وفاء، وكم نتمنى لها من خير، نبدأ يومنا بتهنئة، ونمضي فيه باعتزاز، ونختمه بدعاء صادق: حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام أمنها، وبارك في أهلها.
ضـــــــــوء
«عمار يا دار السعد
لا يالسعودية عمار
والله ما قبلك بلد
والله ما بعدك ديار
إي والله نحبك عدد
ما يطوي الليل النهار»
- فهد المساعد.