د. طارق بن محمد بن حزام
ليس اليوم الوطني مجرد تاريخٍ يتكرر في التقويم، ولا مناسبةً عابرةً تمضي بانقضائها؛ بل هو استحضارٌ لمسيرة وطن، وتأملٌ في نعمة الوحدة، وتذكيرٌ بأن الانتماء ليس كلماتٍ تُقال، بل أمانةٌ تُحفظ، وعملٌ يُبذل، وإنجازٌ يُصنع، ومسؤوليةٌ يحملها كل فرد تجاه وطنه ومجتمعه.
وفي هذا اليوم، تستحضر النفوس ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، حين صدر المرسوم الملكي بتوحيد أجزاء البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، وأُعلن ذلك في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932م. وكانت تلك اللحظة ثمرة مسيرة طويلة من توحيد المناطق وجمع الكلمة، وبداية مرحلة جديدة من بناء الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا، فإن الحديث عن اليوم الوطني ليس حديثًا عن حدثٍ تاريخي فحسب، بل عن مسيرةٍ امتدت عبر الأجيال؛ انتقلت فيها البلاد من مرحلة التوحيد إلى بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الأمن والاستقرار، ومواصلة التنمية والبناء. وقد واصل أبناء المؤسس من بعده مسيرة تعزيز وحدة الدولة وبنائها، حتى غدت التنمية مشروعًا متواصلًا يستثمر في الإنسان، ويستشرف المستقبل.
ولعل من أعظم ما يستحق التأمل في هذه المسيرة نعمة الأمن والاستقرار؛ فأن يعيش الإنسان في وطنٍ آمن، مطمئنًا على أهله، يمارس حياته بسلام، ويخطط لغده بثقة، نعمة عظيمة تستوجب الحمد والشكر. وقد تألف النفوس بعض النعم حتى لا تشعر بعظمتها، لكن التأمل فيما يجري في بعض البلدان من خوفٍ واضطرابٍ وفقدانٍ للأمن يوقظ في القلب معنى النعمة، ويذكّرنا بواجب شكر الله عليها.
قال الله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 3-4].
ومن شكر هذه النعمة أن نحافظ عليها، وأن نؤدي ما علينا من مسؤوليات، وأن يكون الدعاء للوطن وقيادته وشعبه دعاءً صادقًا مستمرًا، لا يرتبط بمناسبةٍ أو يومٍ معين؛ فشكر النعم من أسباب حفظها، كما قال الله تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: 7].
وفي اليوم الوطني تتلاقى الأجيال؛ فتستحضر جهود الآباء والأجداد، وتدرك أن ما تنعم به البلاد من أمنٍ واستقرارٍ ورخاء لم يكن وليد المصادفة، وإنما جاء بعد توفيق الله ثم بعزيمة رجال، وجهود قادة، وتكاتف شعب، ومسيرة متواصلة من البناء.
ومن هنا، يصبح اليوم الوطني محطةً للتأمل بقدر ما هو استحضارٌ للتاريخ: كيف نحافظ على هذا الإرث؟ وكيف نغذي جذور الوحدة، ونمد فروع التنمية، لتظل شجرة الوطن وارفة الظلال لأبنائه وأحفاده؟ وكيف نرسخ في النفوس معنى المسؤولية، بحيث يدرك كل فرد أن له دورًا في حماية مكتسبات وطنه، والإسهام في تقدمه، وصناعة مستقبله؟
إن حب الوطن الحقيقي لا يقف عند حدود المشاعر والمظاهر، بل يتحول إلى سلوكٍ ومسؤولية؛ في إتقان العمل، واحترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات، والإسهام في التنمية، والحرص على أمن المجتمع واستقراره، وأداء كل إنسان ما اؤتمن عليه في موقعه.
فالحمد لله على وطنٍ نرفع فيه رؤوسنا، ونطمئن فيه على أهلنا، ونعيش فيه بأمان، وننظر إلى المستقبل بثقة. ومن أعظم الوفاء لهذه النعمة أن نحمد الله عليها، وأن نحفظ أمانتها، وأن نسهم في بقائها قويةً آمنةً مزدهرة.
وليس الدعاء للوطن وقيادته مرتبطًا بمناسبة؛ بل هو من الدعاء الذي يستمر مع استمرار النعمة، نسأل الله أن يحفظ بلادنا، ويديم عليها أمنها واستقرارها، ويحفظ قيادتها وشعبها، ويديم عليها نعمة الأمن والإيمان.
فالوطن أمانة، والانتماء مسؤولية، والمستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.