أبوبكر الموسى
يحمل اليوم الوطني السعودي 96 شعاراً يتكرر للعام الثاني على التوالي، ينسب العز إلى الطبع، في إحالة عميقة تستحق التأمل، فالطبع في أصل دلالته هو السجية الراسخة في النفس والملَكة المستقرة في الجوهر، تمييزاً لها عن الصفات المكتسبة والعوارض الطارئة، فلا ترتفع بالظروف، ولا تُبدّلها المراحل، وتظل ثابتةً حين يتغيّر كل ما حولها، وهذه الإحالة تفتح نافذة لقراءة بعض الجوانب الثابتة خلال هذه المسيرة الممتدة.
حيث تعيش المملكة العربية السعودية اليوم في عقدها الثاني من رؤية 2030، بمحاورها الثلاثة التي جعلت من المجتمع الحيوي والاقتصاد المزدهر والوطن الطموح إطاراً لتحول وطني شامل، فما كان بالأمس خططاً تُطرح أصبح نتائج تُقاس بمؤشرات معلنة، والأهم من ما تحقق ما يجري التخطيط لتنفيذه في المرحلة المقبلة من مشاريع تعيد تعريف موقع المملكة في الاقتصاد العالمي والنقل والطاقة والتقنية، ومع هذا التقدم المطرد تتصاعد وتيرة خطاب مضاد يستهدف ما تقوم عليه المملكة من قيم ومبادئ راسخة وما تختاره من مسارات تطويرية وتنموية، وهي ملاحظة جديرة بالتفكيك، لأن المنطق المجرد يقتضي أن يخفت التشكيك كلما تحققت النتائج على أرض الواقع.
والقراءة الأدق لهذه الظاهرة تبدأ من معطى تاريخي، مؤداه أن حملات الاستهداف ليست طارئة على المرحلة الراهنة ولا وليدة سياسات بعينها، فقد رافقت السعودية منذ التأسيس، وتجددت مع إعلان التوحيد، وظلت ملازمة لها في كل مرحلة من مراحلها التاريخية، وإذا كانت قراءة الأمن في امتداده التاريخي منهجاً استقر وتجسد في الخطاب الوطني من خلال مؤتمر حوار الأمن والتاريخ الذي انعقد في الرياض قبل أيام وحمل عنوان «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء»، فإن هذا المنهج ذاته هو ما نحتاج إليه لقراءة هذا الاستهداف الممنهج وفهم دوافعه، فما يبدو حملات متفرقة وآنية لا يكشف عن دلالتها إلا حين تٌقرأ في إطار امتدادها التاريخي، فلا فهم لحاضر دون استحضار حيثياته وخلفياته.
ففي ستينيات القرن الماضي، كانت المنطقة العربية تعيش موجة فكرية عارمة حملتها التيارات القومية الثورية والاشتراكية واليسارية، وقد بلغت هذه الموجة من الاتساع مبلغاً جعلها تتقدم بصفتها المشروع الحضاري الوحيد المتاح أمام الشعوب، فأسقطت أنظمة قائمة في أكثر من عاصمة عربية، وسيطرت على المنابر الإعلامية والأوساط الثقافية، واستقطبت شرائح واسعة من الشباب والمثقفين في المشرق والمغرب معاً، حتى بدا الخروج عن أطروحاتها في ذلك الزمن نوعاً من التخلف عن ركب التقدم، وقد وجدت هذه الموجة لها امتداداً في الحدود الجنوبية تحول إلى مواجهة عسكرية امتدت ثماني سنوات، أعقبتها مواجهة أخرى قرب نهاية العقد ذاته، وكان الخطاب الموجه إلى المملكة في تلك المرحلة يصفها بالجمود ويرميها بمناهضة التقدم، ويقدّم الانقلاب على الأنظمة القائمة باعتباره عنواناً للنهضة، في حين اختارت المملكة أن تمضي في بناء مؤسساتها ومسار تنميتها، وأن تحتفظ بثوابتها في لحظة بدا فيها التمسك بالثوابت خروجاً على السائد.
وفي السبعينيات، تزامناً مع الطفرة الاقتصادية، نشطت الأيديولوجيا اليسارية الأممية من الأطراف الجنوبية نفسها، وأصدرت مطبوعات دورية كانت تُهرَّب بوسائل عدة إلى الداخل، ورفعت مطالب كان هدفها الاستيلاء على الثروة والمقدرات والمكاسب الوطنية تحت شعار تحرير الجزيرة العربية، وقد قام الخطاب الموجه إلى المملكة حينها على اتهامها بالارتباط بالمعسكر الغربي والانحياز إلى مصالحه، أي مخاصمتها لانفتاحها على العالم واختيارها موقعها في النظام الدولي بإرادتها المستقلة.
وبعد ذلك برز مشروع عقدي عابر للحدود يقوم على تصدير ثورته إلى محيطه ومنازعة غيره مكانته الرمزية في العالم الإسلامي، وقد اتخذ هذا المشروع من المواسم الدينية منصةً لخطابه السياسي، فشهد موسم الحج في منتصف الثمانينيات محاولة لإدخال متفجرات ضُبطت وسُجلت اعترافات المتورطين فيها وأُذيعت، ثم شهد موسم العام التالي مظاهرات منظمة انتهت إلى أحداث مؤسفة سقط فيها مئات الضحايا وقُطعت على إثرها العلاقات الدبلوماسية لسنوات، ورافق ذلك بث إذاعي موجّه لنشر الأفكار الثورية، وتشكيل تنظيم محلي حمل شعارات المشروع ذاته ونفّذ تفجيرات في الداخل، وتحمل هذه الوقائع رمزية أعلى تتشكل في أن استهداف موسم الحج تحديداً لم يكن استهدافاً أمنياً عارضاً، فهو مساس مباشر بالمكانة والقيمة الثابتة التي تمثلها المملكة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وقد حمل الخطاب الموجه إليها في هذه الموجة اتهامها بالانفتاح، في تصدير لتهمة سابقة متعلقة بالارتباط بالمعسكر الغربي، غير أنها سيقت هذه المرة بصيغة عقدية بعد أن كانت تُساق في سياق المزايدة القومية.
وفي التسعينيات وما بعدها، تصاعد فكر تكفيري وجد في الاعتدال خصومة، وفي الدولة الوطنية المستقرة نقضاً لأطروحته في الاجتماع ووحدة الصف، فالتقى مع المشروع العقدي السابق عند التهمة ذاتها وإن تباعدت المرجعيات، وهي مفارقة تكشف أن المزايدة على الثوابت تجمع المتناقضين حين يكون المستهدف واحداً، ثم انتقل هذا الفكر إلى العنف المسلح في الداخل مطلع الألفية، وفي المرحلة ذاتها انقلب الخطاب الخارجي الموجه إليها إلى نقيضه مرة أخرى، فصار يرميها برعاية التطرف وتصديره، في الوقت الذي كانت تخوض فيه مواجهة داخلية مكلفة مع التنظيمات نفسها، وقد واكبت هذه المواجهة بمسار فكري مؤسسي استشرف الخطر قبل تمدده، فأنشأت مركزاً وطنياً للحوار خُصص لقاؤه الأول لمناقشة الغلو والتطرف والوحدة الوطنية، واحتضنت الجهاز العلمي الأمني العربي ببحوثه المتصلة بتحصين الشباب من الانحراف الفكري، ثم استضافت مركزاً عالمياً لمكافحة الفكر المتطرف يقوم على المواجهة الفكرية والإعلامية والرقمية معاً.
أما في المرحلة الراهنة، ومع اتساع مسارات التنمية المستدامة والتحول الوطني الشامل، فقد تحولت مفردات الخطاب المضاد إلى لغة القيم، وصارت المخاصمة موجهة إلى التطوير والمواكبة بعد أن كانت موجهة إلى الجمود، وفي هذه الشواهد المتعاقبة، رُميت المملكة بالجمود ثم بالتطوير، وبالانغلاق ثم بالانفتاح، وبالتفريط في الثوابت ثم برعاية التطرف، ورُميت بالارتباط بالمعسكر الغربي في أكثر من مرحلة وبمنطلقات متباينة، وهذه اتهامات يناقض بعضها بعضاً تناقضاً لا يحتمل التوفيق، ولا يمكن أن تكون جميعها صادرة عن تقدير موضوعي واحد، ولا أن تصح كلها في موصوف واحد، وما يكشفه هذا التناقض المتراكم أن الذريعة هي المتغير في هذه المعادلة، وأن الموقف من المملكة ذاتها هو الثابت فيها، وأن الاستهداف لم يقم يوماً على سياسة بعينها يمكن مراجعتها أو تعديلها، وإنما على دولة اختارت طريقها بإرادتها واستقل قرارها السيادي وثبتت على مبادئها وطباعها.
وتتعدد دوافع هذا الاستهداف بتعدد مصادره، فمنها ما يصدر عن مشاريع عقدية عابرة للحدود ترى في الدولة الوطنية المستقرة نقضاً عملياً لأطروحتها في الاجتماع السياسي، ومنها ما تفرزه المنافسة على النفوذ والمصالح في مجالات باتت المملكة فيها فاعلاً مؤثراً، من الاقتصاد والطاقة إلى الخدمات اللوجستية واستقطاب المقار الإقليمية والفعاليات الدولية الكبرى، فيتخذ التنافس صورة خطاب قيمي في ظاهره، ويتصل بهذا تعزيز المملكة لدورها في مراكز الثقل وصناعة القرار الدولي والإقليمي على وجه الخصوص، وما يصاحب هذا عادةً من استجابات وردود أفعال.
غير أن ثمة منطلقاً ثالثاً يختلف عن سابقيه في طبيعته، فالدافعان الأولان يدوران حول ما يمكن كسبه أو المنافسة عليه من نفوذ وتأثير ومصالح، أما هذا المنطلق فيتصل بما لا يُكتسب ولا سبيل إلى انتقاله، فالمملكة العربية السعودية بلاد الحرمين الشريفين، وهي مهبط الوحي ومهد الرسالة وقبلة المسلمين، وقد جعلت من خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما وخدمة ضيوف الرحمن شرفاً ومسؤولية، ومن واجبها تجاه العالم الإسلامي مسؤولية لا تقف عند حدودها، وهذه المكانة ثابتة بحكم الجغرافيا والتاريخ معاً، لا تُنقل ولا تُقتسم ولا تُبلغ بالمنافسة مهما تعاظمت الإمكانات، ومن هنا يتخذ الاستهداف الصادر عن هذا المنطلق صورة مغايرة لما عداه، فحين يتعذر بلوغ المكانة يتحول المسعى إلى التشكيك في اضطلاع صاحبها بها.
وينتقل الأمر من هذه المنطلقات إلى ما يميز المرحلة الراهنة عن سابقاتها، وهو ليس في طبيعة الاستهداف ودوافعه المتغيرة، وإنما في طبيعة الأداة التي يُدار بها، ففي الموجات السابقة كانت الفكرة تحتاج إلى مطبوعة تُهرَّب بطرق شتى إلى الداخل، أو إلى بث موجّه يتطلب كلفة، وكان مصدر كل منهما معروفاً في الوقت نفسه، أما اليوم فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، والتقنيات الحديثة وأدوات التزييف العميق وانتحال الهوية الرقمية والهندسة الاجتماعية ما لم يكن متاحاً من قبل، وهو صناعة رأي داخلي لا وجود له، بكلفة تقترب من الصفر ومن مصدر يصعب معرفته، وهنا ينتقل خط التماس إلى موقع أقرب، وتتلاشى المسافة الفاصلة بين ميادين الحرب، ومنها الحرب المعلوماتية، وبين الحياة المدنية، فيغدو وعي الفرد وقدرته على التمييز خط الدفاع الأول.
وقد عالجت الأدبيات الأمنية السعودية هذه الظاهرة بمفهوم دقيق هو «الإرجاف»، ووصفته بأنه سعي إلى السلطة على عقول الناس، يعمل باستحضار القضايا النفسية والاجتماعية وصولاً إلى اختراق العقل الجمعي، فتبلغ الإشاعة مع التكرار ثم مزيد التكرار حد القبول، وتُنتج حالة من التيه في البحث عن وهم الحقيقة، ينتهي فيها المتلقي إلى قوالب فكرية جاهزة أعدّها من خطط لهذا الإرجاف سلفاً، حتى يصل إلى مرحلة يفقد فيها القدرة على التقدير المستقل فيبحث عمّن يقرر عنه، ووُصف بأنه سلاح يستهدف بث الذعر في المجتمع ليجد التطرف فرصته.
ويقتضي الوعي بهذا كله أمرين متلازمين، أولهما إدراك أن هذه الظاهرة دورية في طبيعتها وليست طارئة في لحظتها، وهذا الإدراك وحده كفيل بإسقاط أثرها النفسي، فمن استوعب أن الموجة متكررة في تاريخ بلاده لن يُفاجأ بظهورها بشكل متجدد ولن يستنزف طاقته في ملاحقتها، وثانيهما التمييز بين حملة ممنهجة تُدار من الخارج بأدوات منتحلة، وبين رأي ناقد صادر عن مواطن معني بشأن مصلحة وطنه، فالنقد المشروع مكفول نظاماً، والفارق بين الرأي الحقيقي والتضليل المنسق بيّن لمن تأمله، فالأول يصدر عن معرفة بالتفاصيل واهتمام بالمآلات، والثاني يتكرر بصيغ متطابقة ويتجنب التفاصيل بالقفز إلى الأحكام.
ويعود الأمر في خاتمته إلى ما بدأ منه، فحين يكون العز في الطبع، يكون المستهدف الطرف الثابت في المعادلة، ويصبح الاستهداف نفسه على امتداد المسيرة شهادةً على رسوخ الطبع، والمملكة التي عبرت هذه الموجات المتعاقبة لم تعبرها بالانشغال بالرد عليها، وإنما بتمسكها بوحدة الصف، واجتماع الكلمة، واللحمة الوطنية، والالتفاف حول قيادتها الرشيدة، والموجة تلو الموجة تبقى على السطح، وتتكسر عند حدود الرمل، ولا يمكن لها أن تصل إلى العمق والطبع.