علي بن عبدالله علي الوهابي
من يجيد التدريس ليس بالضرورة أن يجيد التعليم، فهناك فرق كبير بين أن يكون الإنسان حاصلًا على شهادة تؤهله للعمل في التعليم وبين أن يكون مؤهلًا فعلًا لممارسة مهنة التعليم.
وهذا الفرق قد يبدو بسيطًا في ظاهره لكنه في الحقيقة يمس مستقبل أبنائنا وبناتنا فالمعلم لا يتعامل مع كتاب ومقرر فقط وإنما يتعامل مع طفل له شخصيته ومشاعره وقدراته ومخاوفه وطريقته الخاصة في التعلم والتعبير.
وقد تظهر هذه المشكلة بوضوح أكبر في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية فالطفل الذي يدخل المدرسة لأول مرة لا يزال في مرحلة بناء ثقته بنفسه واكتشاف قدراته والتعود على بيئة جديدة تختلف كثيرًا عن البيت.
ومن الطبيعي أن يكون بعض الأطفال خجولين أو مترددين في الحديث أمام الآخرين، وقد يحفظ الطفل الدرس في المنزل ويستطيع الإجابة أمام والديه ثم يجد صعوبة في الحديث أمام المعلمة وزملائه داخل الفصل..وهنا تظهر قيمة المعلم الحقيقي.
فإذا كان تعامل المعلمة مع الطفل يقتصر على القول: إن «الطالب لم يحفظ» ثم إرسال هذه الملاحظة إلى ولي الأمر فإن المشكلة قد لا تكون في الحفظ أصلًا ربما يكون الطفل حافظًا لكنه لا يستطيع التعبير عن معرفته بسبب الخجل أو الخوف أو التردد.
والسؤال هنا ليس: هل حفظ الطفل؟
بل السؤال الأهم.. لماذا لا يستطيع الطفل إظهار ما حفظه؟
وهذا السؤال لا يستطيع الإجابة عنه كل من يحمل شهادة جامعية وإنما يحتاج إلى معلم يعرف خصائص النمو النفسي والتربوي للطفل ويستطيع التمييز بين الطالب الذي لم يذاكر والطالب الذي يعرف الإجابة لكنه يحتاج إلى طريقة مختلفة حتى يستطيع التعبير عنها.
التعليم ليس مجرد نقل للمعلومة
مهنة التعليم من أكثر المهن التي تحتاج إلى تأهيل متخصص لأن المعلم لا ينقل المعلومة فقط وإنما يبني شخصية.
كلمة تشجيع قد تجعل الطفل أكثر ثقة بنفسه وكلمة قاسية أو أسلوب خاطئ قد تجعله يخاف من المشاركة ويصبح أكثر انغلاقًا.
والطفل الخجول تحديدًا يحتاج إلى أساليب مختلفة..فقد يكون من الصعب عليه أن يسمع أمام جميع زملائه لكنه يستطيع أن يجيب عندما تتحدث معه المعلمة منفردًا وقد يستطيع القراءة أمام مجموعة صغيرة قبل أن يستطيع القراءة أمام الفصل كاملًا.
المعلم التربوي يعرف هذه الفروق ويتعامل معها تدريجيًا.
أما أن نطلب من جميع الأطفال أداء المهمة بالطريقة نفسها ثم نحكم على الطفل بأنه لم يتعلم لمجرد أنه لم يستطع التعبير أمام الآخرين فهذا قد يكون ظلمًا للطفل قبل أن يكون قصورًا في العملية التعليمية.
لماذا لا يكون هناك تأهيل تربوي إلزامي؟
لدينا في المملكة نماذج مهنية تقوم على فكرة مهمة، وهي أن الحصول على المؤهل الأكاديمي لا يعني بالضرورة الانتقال مباشرة إلى ممارسة المهنة.
ومن هنا يمكن التفكير في تطوير مسار واضح لمهنة التعليم.
فبعد حصول المتخصص على مؤهله الجامعي وإذا أراد الالتحاق بالسلك التعليمي يخضع لبرنامج تأهيل تربوي وعملي متخصص قبل أن يتولى مسؤولية فصل دراسي.
ولا أقصد بذلك دورة قصيرة أو برنامجًا شكليًا وإنما سنة تأهيلية متخصصة يمكن أن تشبه في فكرتها التأهيل الذي يخضع له من يريد الانتقال إلى مجالات مهنية تتطلب إعدادًا خاصًا.
يدرس خلالها المتقدم للتعليم علوم التربية وعلم نفس الطفل وخصائص مراحل النمو وطرق التعامل مع الفروق الفردية وأساليب اكتشاف صعوبات التعلم ومهارات التواصل مع الأسرة وإدارة الفصل والتعامل مع الطفل الخجول والقلق والمنطوي والطفل كثير الحركة، إضافة إلى التدريب العملي داخل المدارس تحت إشراف معلمين ذوي خبرة.
وبعد اجتياز هذه المرحلة يكون المعلم قد جمع بين التخصص الأكاديمي والتأهيل التربوي والخبرة العملية.
سنة واحدة قد تصنع فرقًا كبيرًا
لو افترضنا أن شخصًا متخصصًا في الرياضيات أراد أن يصبح معلم رياضيات فمعرفته بالرياضيات لا تعني تلقائيًا أنه يعرف كيف يعلمها لطفل في الصف الأول الابتدائي فمعرفة المادة شيء ومعرفة كيفية إيصالها إلى الطفل شيء آخر.
والأمر نفسه ينطبق على اللغة والعلوم والدراسات الاجتماعية وغيرها.
المعلم يحتاج إلى معرفة ماذا يقول وكيف يقوله ومتى يقوله والأهم من ذلك أن يعرف كيف يقرأ شخصية الطالب الذي أمامه.. قد يكون أمامه طالب متفوق لكنه خجول وطالب متوسط يحتاج إلى تكرار وطالب يحتاج إلى تبسيط وطالب يحتاج إلى تشجيع مستمر.
الفصل الدراسي ليس مجموعة متطابقة من الطلاب.. إنه مجموعة من الشخصيات والقدرات والظروف المختلفة، ولذلك فإن التعامل معها بأسلوب واحد قد لا يكون كافيًا.
لا نريد معلمًا يخيف الطالب من المدرسة
الهدف من التعليم ليس أن يحفظ الطفل الدرس فقط وإنما أن يحب التعلم ويشعر بالأمان داخل المدرسة ويكتسب الثقة في نفسه.
والطفل في الصف الأول تحديدًا يحتاج إلى أن يشعر بأن المدرسة مكان يستطيع فيه أن يخطئ ويتعلم دون أن يخاف من الخطأ.. إذا أخطأ الطفل في الإجابة فلا ينبغي أن يشعر أن الخطأ فشل بل يجب أن يكون الخطأ جزءًا من عملية التعلم.
وإذا كان خجولًا فلا ينبغي أن يكون الحل هو الضغط عليه أمام زملائه بل مساعدته على تجاوز خجله خطوة بعد خطوة.
وهنا تظهر أهمية المعلم التربوي الذي يعرف أن وراء كل سلوك سببًا وأن الطفل لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم في كشف الحضور أو درجة في سجل التحصيل.
الأسرة والمدرسة شريكان
ومن المهم أيضًا ألا نحمّل المدرسة كل المسؤولية..فالأسرة لها دور أساسي في بناء شخصية الطفل وتشجيعه وتعزيز ثقته بنفسه والمدرسة تكمل هذا الدور
وعندما يبلغ ولي الأمر المدرسة بأن ابنه خجول أو يواجه صعوبة في الحديث أمام الآخرين ينبغي أن تكون هناك آلية تربوية للتعامل مع الحالة بدل أن تتحول المسألة إلى مجرد ملاحظة تقول»ابنكم لم يحفظ» فربما كان الطفل قد حفظ بالفعل المشكلة أنه لم يجد الطريقة المناسبة لإظهار ما يعرفه وهذه نقطة جوهرية ينبغي أن ننتبه إليها.
نحتاج إلى إعادة تعريف مهنة التعليم
المعلم ليس موظفًا يدخل الفصل وينهي الحصة ثم ينصرف..المعلم مسؤول عن مرحلة مهمة من حياة الإنسان وقد تبقى بعض كلماته ومواقفه في ذاكرة الطالب سنوات طويلة.
ولهذا فإن تطوير التعليم لا ينبغي أن يقتصر على المناهج والمباني والتقنيات والأجهزة، بل يجب أن يبدأ من الإنسان الذي يقف أمام الطالب كل يوم.
نحن بحاجة إلى معلم متخصص في مادته ومؤهل تربويًا ومدرب عمليًا وقادر على فهم الفروق الفردية بين الطلاب وقد يكون من المناسب دراسة إنشاء مسار مهني واضح لمن يرغب في دخول مهنة التعليم..مؤهل جامعي ثم تأهيل تربوي متخصص ثم تدريب ميداني ثم تقييم مهني قبل السماح بممارسة التعليم بصورة مستقلة.
فإذا كنا نحرص على تأهيل من يعمل في المجالات التي تتطلب مهارات مهنية متخصصة فإن أبناءنا أولى بأن يكون من يتولى تعليمهم وتربيتهم قد مر بتأهيل حقيقي لهذه المسؤولية.
كلمة أخيرة
ليس المقصود من طرح هذه الفكرة التقليل من المعلمين والمعلمات فهناك معلمون ومعلمات يقومون برسالة عظيمة ويملكون خبرة تربوية تستحق التقدير.
لكن وجود نماذج متميزة لا يعني أن النظام لا يحتاج إلى تطوير.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه هو:
هل كل من يحمل مؤهلًا أكاديميًا يستطيع أن يصبح معلمًا مباشرة؟ أم أن مهنة التعليم تحتاج إلى تأهيل تربوي مستقل يسبق ممارسة المهنة؟
أعتقد أن مستقبل التعليم يستحق أن نناقش هذا السؤال بجدية.
فالمعلم قد يعلّم الطفل درسًا وينتهي الدرس في نهاية الحصة لكنه قد يترك في شخصية الطفل أثرًا يستمر معه سنوات طويلة.. ولهذا فإن إعداد المعلم يجب ألا يكون أقل أهمية من إعداد المنهج الذي سيقوم بتدريسه.
نحن لا نحتاج فقط إلى من يعرف المادة بل نحتاج إلى من يعرف الإنسان الذي سيتعلمها.