د. يحيى جابر
وصفت منظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية العمل الإنساني السعودي بأنه جزء مهم من منظومة الاستجابة للأزمات، فيما تكشف الأرقام الرسمية لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية عن اتساع غير مسبوق في نطاق هذا العمل؛ فقد بلغ عدد مشروعات المركز المنجزة والقائمة حتى أحدث تحديث 4463 مشروعًا في 113 دولة، بإجمالي تكلفة تجاوز 8.58 مليار دولار، وبمشاركة 357 شريكًا من المنظمات والجهات الدولية والإقليمية والمحلية، وهي أرقام لا تقدم صورة كمية فقط، ولا تعكس كامل إجمالي ما تم، وكامل الجهود الجبارة التي بذلت، وإنما تكشف عن انتقال الإغاثة السعودية إلى نموذج مؤسسي عابر للقارات يقوم على التخطيط والشراكة والمتابعة وتعدد مجالات التدخل، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، إحصائيات عامة لمشاريع المركز المنجزة وقيد التنفيذ، 2026م»، ومنذ تأسيس المركز في مايو 2015م، لم يتشكل دوره حول المساعدات الغذائية الطارئة وحدها، وإنما اتسع ليشمل الصحة والأمن الغذائي والزراعة والمياه والإصحاح البيئي والتعليم والإيواء والحماية والتعافي المبكر ودعم وتنسيق العمليات الإنسانية والبرامج التطوعية، وهذا التنوع يعكس فهمًا عمليًا لطبيعة الأزمات الحديثة التي لا تنتج حاجة واحدة، بل مجموعة متداخلة من الاحتياجات تبدأ بالغذاء والماء والعلاج، وتمتد إلى السكن والتعليم وسبل العيش وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، من نحن، 2026م».
ضخ المياه ضمن مشروع الاستجابة الإنسانية
المياه تأخذ أهمية استثنائية في مناطق النزوح والحروب؛ لأن نقص المياه الآمنة يرفع احتمالات انتشار الأمراض ويضاعف أعباء الأسر، ولذلك أصبحت مشاريع المياه والإصحاح البيئي جزءًا ثابتًا من برامج المركز، وفي قطاع غزة واصل المركز خلال سبتمبر 2026م ضخ المياه ضمن مشروع الاستجابة الإنسانية العاجلة لتوفير مياه الشرب الآمنة، بالتوازي مع برامج الغذاء والمساعدات الأخرى، وهو ما يعكس تعدد مسارات الاستجابة داخل الأزمة الواحدة، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، أخبار المركز، سبتمبر 2026م»، وفي غزة كذلك استمر المركز في تشغيل المطبخ المركزي وتوزيع الوجبات الساخنة على الأسر الأكثر احتياجًا، حيث أعلن في 14 سبتمبر 2026م توزيع 25 ألف وجبة غذائية ساخنة في وسط القطاع، ضمن الحملة الشعبية السعودية لإغاثة الشعب الفلسطيني، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، توزيع الوجبات الغذائية الساخنة في قطاع غزة، 14 سبتمبر 2026م».
وتكتسب اليمن مساحة بارزة في خريطة عمل المركز، ليس بسبب القرب الجغرافي فقط، وإنما بسبب طول الأزمة وتعدد الاحتياجات الناتجة عنها، وتوضح قاعدة بيانات المركز أن مشروعاته في اليمن تشمل قطاعات متعددة، من بينها 690 مشروعًا في الصحة، إضافة إلى مشروعات في دعم وتنسيق العمليات الإنسانية والأمن والحماية وغيرها، وهو ما يبين أن التعامل مع الأزمة اليمنية اتخذ طابعًا متعدد القطاعات، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، إحصائيات مشاريع المركز في اليمن، 2026م».
الصحة
الجانب الصحي في اليمن يقدم نموذجًا واضحًا لفكرة الاستدامة؛ فالمركز لا يكتفي بحملات علاجية عابرة، وإنما يدعم مرافق تقدم خدمات مستمرة، ومن الأمثلة الحديثة استمرار مركز الغسيل الكلوي في الغيضة بمحافظة المهرة في تقديم خدماته، حيث استفاد من خدماته 160 مريضًا خلال أغسطس 2026م، وهو نموذج لمشروع يرتبط بمرضى يحتاجون إلى علاج منتظم لا يمكن تأجيله أو استبداله بمساعدة غذائية، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، خدمات مركز الغسيل الكلوي في الغيضة، 14 سبتمبر 2026م».
المدارس والتعليم
ويظهر التعليم في هذا السياق كأحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالمستقبل؛ فالطفل الذي ينقطع عن الدراسة بسبب النزوح أو الحرب قد يواجه آثارًا تمتد إلى سنوات طويلة، ولهذا فإن دعم المدارس والحقائب والمرافق التعليمية لا يمثل مساعدة آنية فحسب، بل تدخلًا لحماية رأس المال البشري في المجتمعات المتضررة، وتكتسب هذه البرامج أهمية خاصة عندما تقترن بإعادة تأهيل المنشآت أو توفير الحماية والرعاية للأطفال، أما الإيواء والمواد غير الغذائية، فيمثلان الاستجابة الضرورية للأسر التي فقدت مساكنها أو اضطرت إلى النزوح، وفي هذه الحالات يصبح توفير المأوى والمستلزمات الأساسية مكملًا للغذاء والماء والعلاج، لأن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأسري عنصر مهم في حماية الفئات الأضعف، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن.
الإغاثة والتنمية
ويأتي التعافي المبكر ليشكل مرحلة مختلفة في مسار المساعدة؛ فبعد الاستجابة العاجلة تظهر الحاجة إلى إصلاح بعض الخدمات واستعادة سبل العيش ودعم القدرة المحلية على مواجهة الأزمة، وهذه المرحلة تقلل الفجوة بين الإغاثة والتنمية، وتساعد على منع تحول المساعدة الطارئة إلى حالة دائمة، ولذلك يعد إدراج التعافي المبكر ضمن قطاعات المركز مؤشرًا على تطور أدوات العمل الإنساني لديه، ففي عام 2026م اتخذت برامج المركز طابعًا واسعًا من حيث التخطيط؛ فقد أطلق في يناير خطط العمليات والمشروعات الإغاثية والإنسانية والبرامج التطوعية، وتضمنت الخطة 113 مشروعًا إغاثيًا في 44 دولة و309 مشروعات تطوعية في 42 دولة، إضافة إلى هدية خادم الحرمين الشريفين من التمور التي تستهدف 73 دولة بكمية تبلغ 18 ألف طن، «المصدر - وكالة الأنباء السعودية، إطلاق خطط العمليات والمشروعات الإغاثية والإنسانية والبرامج التطوعية لعام 2026م، 22 يناير 2026م»، وتكشف بنظري هذه الخطة عن عنصر مهم في التجربة السعودية، وهو الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط المسبق؛ فوجود خطة سنوية للمشروعات يتيح تحديد الدول والقطاعات والأهداف قبل التنفيذ، كما يتيح للجهات الشريكة تنظيم مساهماتها وتوزيع الموارد وفق الاحتياجات، ويصبح هذا التنظيم أكثر أهمية عندما يكون النشاط موزعًا على عشرات الدول ومئات المشروعات.
مشاريع غير ربحية
كما أعلن المركز في أبريل 2026م عن تنفيذ 173 مشروعًا في 13 دولة بالشراكة مع منظمات محلية غير ربحية، وبدعم من 60 منظمة مسجلة، وهو مؤشر إضافي على اعتماد نموذج الشراكة المحلية في الوصول إلى المجتمعات المستفيدة، «المصدر ـ العربية، مركز الملك سلمان يعزز شراكاته عبر 173 مشروعًا في 13 دولة، 30 أبريل 2026م»، وهنا تتضح إحدى أهم خصائص تجربة المركز؛ فالحضور الدولي لا يعني العمل منفردًا في الدول المستفيدة، بها شركات تجمع التمويل والخبرة والتنسيق والتنفيذ المحلي، وهذا النموذج يمنح المشروعات قدرة أكبر على الوصول إلى الفئات المستهدفة، ويقلل الفجوة بين التخطيط المركزي والواقع الميداني، خصوصًا في البيئات التي تتطلب معرفة دقيقة بالمجتمع ومناطقه واحتياجاته، ووفق آلية شفافة ومتقنة ومحوكمة.
3 نماذج إنسانية سعودية
مكَّن مشروع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية مسام لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام خلال الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر للعام 2026م، من انتزاع 1.303 ألغام في مختلف مناطق اليمن، منها لغم واحد مضاد للأفراد، و18لغمًا مضادًا للدبابات، و1.276 ذخيرة غير منفجرة، و8 عبوات ناسفة، ونزع فريق «مسام» في محافظة عدن 3 ذخائر غير منفجرة بمديرية الشيخ عثمان، وذخيرة واحدة غير منفجرة بمديرية خور مكسر، و186 ذخيرة غير منفجرة في مدينة عدن، وفي محافظة الضالع نزع الفريق لغمًا واحدًا مضادًا للأفراد وذخيرة واحدة غير منفجرة في مديرية قعطبة، وفي محافظة الحديدة نزع الفريق 3 ألغام مضادة للدبابات وذخيرتين غير منفجرتين بمديرية حيس، و17 ذخيرة غير منفجرة بمديرية الخوخة، وفي محافظة حضرموت نزع فريق «مسام» 1.000 ذخيرة غير منفجرة بمديرية المكلا، وفي مديرية ميدي بمحافظة حجة نزع الفريق 15 لغمًا مضادًا للدبابات و51 ذخيرة غير منفجرة و8 عبوات ناسفة، وفي محافظة تعز نزع الفريق 6 ذخائر غير منفجرة بمديرية المخا، و5 ذخائر غير منفجرة بمديرية ذباب، و4ذخائر غير منفجرة بمديرية القاهرة، وبذلك ارتفع عدد الألغام المنزوعة خلال شهر سبتمبر حتى الآن إلى 2.166 لغمًا، فيما ارتفع عدد الألغام المنزوعة منذ بداية مشروع «مسام» حتى الآن إلى 590.491 لغمًا، بعد أن زُرعت عشوائيًّا في مختلف الأراضي اليمنية لحصد الأرواح البريئة من الأطفال والنساء وكبار السن، وزرع الخوف في قلوب الآمنين، ولازالت تواصل السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة جهودها في تطهير الأراضي اليمنية من الألغام، ضمن مشروع يُعزِّز سلامة المدنيين، ويسهم في تمكين الأشقاء اليمنيين من عيش حياة كريمة وآمنة.
التوائم الملتصقة
أما البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة، فقد بدأ عمليات فصل التوائم عام 1990م، ووصل حتى سبتمبر 2026م إلى 72 عملية فصل ناجحة لتوائم من 28 دولة في خمس قارات، فيما درس البرنامج 158 حالة، ويتكفل بتكاليف الفصل والعلاج والتأهيل والنقل والإقامة للمرضى وذويهم، وهو ما يجعل المشروع نموذجاً طبياً وإنسانياً عابراً للحدود، وقد وصفت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح ما تقدمه المملكة بأنه أمل حقيقي ونموذج يحتذى به دولياً، المصدر - مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، 7 سبتمبر 2026م.
منتدى الرياض الدولي الخامس
ويستعد منتدى الرياض الدولي الإنساني الخامس للانعقاد في الرياض يومي 11 و12 أبريل 2027م، برعاية خادم الحرمين الشريفين وتنظيم مركز الملك سلمان للإغاثة، ويهدف إلى تعزيز الحوار بين القادة والمانحين والعاملين والباحثين، وتطوير الحلول الإنسانية، وتوظيف التقنية والتحول الرقمي، ودعم العمل الإنساني المبني على الأدلة والبحوث. وتكشف نتائج النسخة الرابعة حجم الحضور الدولي للمنتدى، إذ سجلت 6566 مشاركاً، و91 متحدثاً، و150 منظمة، و316 ممثل دولة، و23 اتفاقية، و15 جلسة.
الصدى العالمي
لا يقتصر الحضور الدولي للمركز على الأرقام، بل يظهر أيضاً في شراكاته وشهادات المنظمات الدولية؛ فقد وصفت منظمة الصحة العالمية مركز الملك سلمان بأنه شريك عالمي رئيسي في الصحة ومحرك مهم للعمل الإنساني، مشيرة إلى شراكاته في الاستجابة الصحية في غزة وسوريا والصومال والسودان واليمن، كما أشارت إلى مساهمة المركز البالغة 300 مليون دولار في المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، وفي ديسمبر 2025م أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارته المركز بـ»عمله الإنساني الاستثنائي حول العالم»، وهو ما يعكس أن أثر المركز بات حاضراً في منظومة العمل الإنساني الدولية، لا بوصفه ممولاً للمشاريع فقط، وإنما شريكاً في تنفيذ الاستجابات الصحية والإغاثية وبناء القدرات وحماية المدنيين.
أخيراً:
يبقى شيء مهم لابد أن أذكره وهو الدور الفاعل والاستثنائي الذي تقوم به إدارة الإعلام والعلاقات العامة ومديرها المبدع الأخ شلهوب بن عبد الله الشلهوب، الذي يتعامل بحماس ومهنية عالية مع وسائل الإعلام والذي يبذل جهدا كبيرا وتواصل نشط مع كافة وسائل الإعلام والإعلاميين والنشطاء، الأمر الذي فعل دور المركز وأعطاه الزخم الذي يعكس جهوده الإنسانية العظيمة.
كما سنكمل في الجزء الثاني بعضاً مما لم يتسن لنا ذكره ولاسيما أن أعمال المركز كثيرة وعديدة، وتستحق منا نقلها لكم للاطلاع على هذه الجهود الإنسانية العظيمة، من موطن السلام والإنسانية.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام