نجلاء العتيبي
في متجر كانت تمُدُّ إليَّ قطعة حلوى، وفي يدها الأخرى عَلَمُ المملكة، فيما راحت أصابعها الملائكية تُداعب طرف عبايتي بعفوية آسرة، جاءتني مسرعةً بلباسها السعودي التراثي، تحمل فرحةً أكبر من قامتها، فاتَّجهتُ إليها بقلبي قبل خُطاي؛ فبراءة الأطفال تفتح في الروح بابًا لا يحتاج إلى استئذان، سألتها عن هذه الزينة التي غمرتها، فأجابت بملامحها قبل كلماتها: اقترب اليوم الوطني.
ذلك اللقاء لم يكن موقفًا لطيفًا ينتهي بانتهاء الزيارة، فقد ترك في نفسي معنًى يستحق أن يُكتَب: الوطن في وجدان الطفل لا يبدأ من درس محفوظ، وإنما من شعور آمن يُحيط به، وبيت يُعلّمه الاعتزاز، ومدينة تُهيّئ له مساحة يُعبّر فيها عن محبَّته بطريقته؛ فقطعة الحلوى التي قدَّمتها لم تكن ضيافة فحسبُ؛ كانت مشاركتها الأولى في مناسبة تعرف أنها تخصُّها، وأن فرحتها جزء من فرحة بلاد كاملة.
للأطفال في اليوم الوطني حضورٌ يختلف عن سائر الحضور؛ فهم لا يقيسون المناسبة بعدد الأعوام، ولا يقرؤون منجزاتها بلغة الأرقام، غير أنهم يلتقطون معناها في وجوه أُسرهم، وفي الأعلام التي تملأ الطرق، وفي الأهازيج والألوان والملابس الموروثة، ومن هذه الصور البسيطة يتكوَّن لديهم إحساس مبكر بالانتماء؛ إحساس ينمو معهم، ويتحوَّل مع العمر إلى معرفة بالمسؤولية، ووفاء للأرض، وتقدير لما صُنع فوقها من أمن ونماء.
ومن الجميل أن يُدرك منظمو احتفالات اليوم الوطني مكانة الطفل، فيمنحوه فعالياتٍ صُممت لأجله، لا برامج أُعدّت للكبار ثم أُضيف إليها مقعد صغير؛ فالأركان الفنية، والحكايات الوطنية، والألعاب المعرفية، والمسابقات، وتجارب الحِرَف التقليدية، كلها تمنحه فرصةً ليرى وطنه قريبًا من عالمه، يرسم، ويسأل، ويُجرّب، ويرتدي زي منطقته، ويتعرَّف إلى تنوُّع المملكة بوصفه ثراءً يجمع أبناءها تحت راية واحدة.
وتكشف مشاركة الصغار أن الاحتفاء الناجح لا يكتفي بأن يُبهج أعينهم، فهو يمنحهم دورًا حقيقيًّا داخل المناسبة؛ فالطفلة التي تُلوّن خارطة بلادها، أو تصنع علمًا بيديها، أو تسمع قصةً عن منطقة سعودية بعيدة، تعود إلى منزلها وفي ذاكرتها معرفةٌ ارتبطت بالسرور، هنا تتجلَّى قيمة الجهد الذي يبذله المنظمون؛ فهم لا يملؤون وقتًا، وإنما يصوغون تجربةً تحترم عقل الطفل، وتصون فرحته، وتجعله شريكًا صغيرًا في رواية وطنه، قادرًا على أن يحكي لأسرته ما رآه، وما تعلَّمه، وما أحبَّه في ذلك اليوم، بمحبة تنمو معه عامًا إثر عامٍ.
والعناية بهذه الفعاليات عملٌ يتجاوز الترفيه؛ فهي تكتُبُ في ذاكرة الصغير علاقة وجدانية مع يومه الوطني، وما يتعلَّمه الطفل عبر الفرح يبقى أرسَخَ مما يُلقى عليه في خطاب طويل؛ لذلك تحمل جودة التنظيم مسؤولية تربوية وجمالية: أن تكون المساحات آمنة، والمضامين لائقة، واللغة مفهومة، والتجربة غنية بما يليق بطفولة ستصبح غدًا صاحبة الدور والقرار.
وطننا العظيم لا يسكن الخرائط وحدها؛ بل يسكن تلك اليد الصغيرة التي ترفع علمه بمحبة صافية، وتلك العينين اللتين تريانِ في لونه وعدًا بالطمأنينة؛ فكل طفلة تحتفل اليوم تحمل في داخلها صفحة من مستقبل المملكة، وكل طفل يُردّد اسمها بفرحٍ يتلقَّى أول دروس الوفاء دون تلقينٍ.
غادرتُ المكان، وبقي أثر أصابعها على عباءتي حاضرًا في خاطري، أدركتُ أن أجمل صور اليوم الوطني قد تأتينا بلا ترتيبٍ: طفلة بزي أصيل، وحلوى في كفّها، وعلم في الأخرى، وقلب صغير يعرف -بفطرته النقية- أن هذه البلاد بيته الكبير، عندها فقط بدا الاحتفال أعمق من زينةٍ واحتفالاتٍ؛ بدا عهدًا تتناقله القلوب، جيلًا بعد جيل، في وطن يصون طفولتهم، ويفتح أمام أحلامهم أفقًا يليق بهم.
ضــــــــوء
«الروح تُشفَى بالبقاء مع الأطفال».
- دوستويفسكي