صالح الشادي
أنا لست طبيبًا، ولست مختصًا في الشأن الصحي، لكني أنقل ملاحظة مهمة أرجو أن تلتفت إليها الجهات المعنية بشكل حقيقي، وأن تترجم إلى أوامر وقوانين صارمة لا تنازل عنها، لحماية الفرد والمجتمع. كثفوا التنويه والتحذير، وليكن ذلك واجبًا في كل القطاعات والمؤسسات، لا في القطاع الصحي وحده، فالمرض لا يعرف الإدارات ولا التخصصات، والموظف المتعطل يمكن تعويض غيابه، أما الموظف المصاب الذي يحضر إلى عمله وهو يسعل ويعطس، فإنه يحوّل مؤسسته إلى مستعمرة مرض، ويصيب زملاءه ومراجعيه وأسرهم. ارحموا من في الأرض.
مع دخول هذا الموسم تبدأ أمراض الإنفلونزا في الانتشار، وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن الإنفلونزا الموسمية تصيب نحو مليار شخص سنويًا حول العالم، منهم ثلاثة إلى خمسة ملايين حالة خطيرة، وتؤدي إلى وفاة ما بين 290 ألفًا و650 ألف شخص بسبب مضاعفات تنفسية.
وفي السعودية، كان موسم 2025-2026 موسومًا بانتشار سلالة A(H3N2) التي بلغت ذروتها في الفترة من 20 أكتوبر إلى 16 نوفمبر 2025. هذه ليست أرقامًا مجردة، بل معاناة أسر، ومرضى يرهقهم المرض معنويًا وماديًا، وحكومات تتحمل تكاليف باهظة، ومؤسسات تتعطل، وحياة أسرية تختل. المرض من الله، وليس للمريض ذنب في مرضه، لكنه يصبح مذنبًا عندما يتحول إلى وسيلة لنقل العدوى إلى الآخرين. في المسجد بين المصلين، وفي الطائرة بين المسافرين، وفي القطار بين الركاب، وفي المدارس بين الطلاب، وفي الجامعات بين المحاضرين والطلاب، وفي الأسواق بين المتسوقين، وفي الحرمين الشريفين بين المعتمرين والزوار، وفي المناسبات والاجتماعات، يتحول السعال والعطاس إلى قنابل موقوتة تنشر الفيروس بسرعة. هنا تتضاعف المسؤولية، وتصبح الوقاية واجبًا جماعيًا قبل أن تكون فرديًا.
المشكلة لا تتوقف عند آلام الحلق والحمى، بل تمتد إلى مضاعفات خطيرة: الالتهاب الرئوي، والتهاب الشعب الهوائية، والتهابات الأذن، وتسمم الدم، بل والوفاة، كما ترتبط العدوى بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية الحادة والسكتات الدماغية في الأسبوع الأول من الإصابة. يضاف إلى ذلك الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التغيب عن العمل والدراسة، والإرهاق المالي للعلاج، والأثر النفسي العميق على المرضى وعائلاتهم، ولهذا فإن منع دخول المصابين الذين يمكن ملاحظتهم بسهولة، من خلال العاملين المدربين، ليس ترفًا، بل ضرورة.
على جهات النقل، والجامعات، وإدارات الأسواق، والمدارس، والمساجد، والجهات المنظمة للعمرة والزيارة، أن تتحرك بجدية. يجب تكثيف حملات التطعيم ضد الإنفلونزا، إذ تؤكد وزارة الصحة السعودية أن اللقاح يقلل شدة الإصابة، ويخفض الحاجة إلى العناية المركزة، ويحد من الوفيات المرتبطة بالإنفلونزا الموسمية، وقد أسهمت جهود التطعيم المعززة في خفض الوفيات التراكمية بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالموسم السابق، مع تلقي أكثر من ثلاثة ملايين شخص من الفئات عالية الخطورة اللقاح. إلى جانب التطعيم، يجب التشديد على التعقيم المستمر للأماكن العامة، خاصة الأسطح عالية اللمس كالدرابزين ومقابض الأبواب وأزرار المصاعد، مع توفير المعقمات في المداخل والمرافق العامة. والتعقيم ليس رشًا عشوائيًا، بل مهارة تحتاج تدريبًا، ويجب تدريب العاملين في هذه الأماكن على إجراءات التنظيف والتعقيم الصحيحة، ليصبحوا خط الدفاع الأول في مواجهة الفيروس.
وعلى الجهات المشغلة لوسائل النقل، من طيران وقطارات وحافلات أن ترسل رسائل نصية واضحة إلى العملاء قبل الرحلات، تتضمن عبارة صريحة: «في حالة إصابتك بالإنفلونزا، نأسف لذلك، ونتمنى تأجيل رحلتك حفاظًا على سلامة الجميع». هذه الرسالة البسيطة قد تمنع انتقال العدوى إلى مئات المسافرين. وفيما يتعلق بالعمرة والزيارة، لا ينبغي للسفارات أن تمنح تأشيرة العمرة إلا بعد تقديم تقرير طبي حديث جدًا يشمل فحصًا للإنفلونزا وأمراض الجهاز التنفسي. وقد دعت الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين الشريفين ضيوف الرحمن إلى أخذ لقاح الإنفلونزا الموسمية والالتزام بارتداء الكمامة داخل الحرمين، ضمن الإجراءات الوقائية لمنع انتقال العدوى خلال مواسم الازدحام.
إن الأمر بسيط إذا أردنا: تطعيم، وتعقيم، وتدريب، ورقابة على البوابات، ورسائل توعوية واضحة، وقوانين صارمة لا تنازل عنها. لكنه يصبح صعبًا جدًا ومكلفًا إذا تهاونا، فلنعمل جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، على حماية المجتمع من موسم إنفلونزا أكثر أمانًا، حتى لا يتحول مرض بسيط إلى مأساة يمكن تجنبها. وارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.