أمل حمدان الشريف
ثمة قيمٌ لا تُختبر في مواسم الرخاء، وإنما تُستدعى حين تضيق المسافات بين الإنسان ومصلحته، وحين تنتهي الحاجات، وتتبدل المواقف، وتصبح الخصومة أكثر سهولة من الوفاء.
في مقدمة تلك القيم تأتي المروءة؛ تلك القيمة التي لا تصنع ضجيجًا حول صاحبها، لكنها تكشف معدنه حين تتغير الظروف.
المروءة ليست أن تحفظ الودّ ما دام قائمًا، ولا أن تُحسن إلى من يُحسن إليك فحسب؛ فتلك أخلاق جميلة، لكنها لا تبلغ ذروة المروءة. المروءة أن تعرف للناس أقدارهم بعد اختلافك معهم، وأن تحفظ لهم ما كان بينهم وبينك من جميل، وألا تجعل نهاية علاقةٍ ما مبررًا لبداية الإساءة.
فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما انتهى ينبغي أن يُشوّه.
وهنا تكمن قيمة الإنسان الحقيقية: في قدرته على الفصل بين انتهاء العلاقة وانتهاء الأخلاق.
لقد أصبحنا نعيش في زمن سريع التحولات؛ تتغير فيه المواقف كما تتغير المسافات، وتُختبر فيه العلاقات عند أول اختلاف، حتى بات بعض الناس يتعاملون مع الماضي وكأنه قابل للمحو بمجرد أن تتغير الحاضر.
لكن الماضي لا يُمحى، والفضل لا يسقط، والمواقف الكريمة لا تفقد قيمتها لمجرد أن أصحابها افترقوا.
أن تختلف معي، حقك.
أن تبتعد، حقك.
أن تنهي علاقة لم تعد مناسبة لك، حقك.
لكن أن تجعل من الاختلاف ذريعةً لهدم ما كان، فهنا لا نخسر علاقة فحسب، بل نخسر شيئًا من إنسانيتنا.
المروءة لا تعني الضعف، ولا تعني السكوت عن الخطأ، ولا أن يتنازل الإنسان عن حقه. بل قد تكون المروءة في أن تقول «لا» في وقتها، وأن تضع الحدود دون إساءة، وأن تحفظ كرامتك دون أن تنتقص من كرامة غيرك.
فالإنسان الراقي لا يحتاج إلى تشويه من غادره ليبرر رحيله، ولا إلى كشف أسرار الأمس ليقنع الآخرين بصحة موقفه اليوم.
بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أخلاقنا من أجلها.
وفي زمن أصبحت فيه الكلمة قابلة للانتشار في لحظات، أصبح ضبطها مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهارة اجتماعية. قد تكتب جملة واحدة في لحظة غضب، ثم تمضي أنت، بينما تبقى الجملة في ذاكرة إنسانٍ آخر طويلًا.
لهذا، ليست الحكمة أن نملك القدرة على الرد، بل أن نملك القدرة على اختيار الرد الذي لا نندم عليه.
وما أكثر ما تكشف الخصومات عن أصحابها؛ فهناك من إذا اختلف معك أسقط كل فضلك، وهناك من يحفظ لك الجميل حتى وهو يختلف معك. الأول تحكمه اللحظة، والثاني تحكمه قيمة أعمق من اللحظة.
تلك هي المروءة: أن لا تسمح لتقلب الآخرين أن يجعلك متقلبًا عن مبادئك.
فالعلاقات قد تنتهي، والمقاعد قد تتبدل، والطرق قد تفترق، والأشخاص الذين ملأوا الأمس حضورًا قد يصبحون اليوم مجرد ذكرى. لكن ما يبقى في النهاية ليس من انتصر في الخلاف، ولا من كان صوته أعلى، بل من خرج منه محافظًا على صورته أمام نفسه.
ربما لا نستطيع أن نمنع الناس من تغيير مواقفهم، ولا أن نضمن دوام العلاقات، ولا أن نتحكم في نهايات الحكايات.
لكننا نستطيع أن نختار كيف نغادرها.
أن نغادر دون تشهير.
دون انتقام.
دون إنكار للجميل.
ودون أن نترك خلفنا ما يؤذي إنسانًا كان يومًا جزءًا من حكايتنا.
فالأخلاق لا تُقاس بما نفعله حين نحتاج الآخرين، وإنما بما نفعله حين لا نعود بحاجة إليهم.
وفي زمنٍ تتقلب فيه الوجوه والمصالح والمواقف، تظل المروءة واحدة من أصدق العلامات التي تقول لنا: من نحن حقًا؟
لأن الإنسان قد يخسر علاقة، أو مكانًا، أو شخصًا… لكن خسارته الحقيقية أن يخسر مروءته وهو يحاول أن ينتصر.