سعود عبدالعزيز الجنيدل
متحدث رسمي أم ناطق رسمي؟ إرهاب أم تطرف؟ حرب أم نزاع مسلح؟ هدنة أم وقف إطلاق النار؟ دفاع عن النفس أم دفاع مشروع؟ أسير أم معتقل أم محتجز؟ انسحاب أم إعادة تموضع؟
أسئلة تبدو في ظاهرها لغوية، لكنها في العمل الإعلامي أبعد من ذلك؛ فاختيار المصطلح قد يحدد توصيف الحدث، ويؤثر في فهم المتلقي، بل قد يحمل أبعادا سياسية أو قانونية لم يقصدها المحرر.
لدينا في الإعلام كثير من المصطلحات التائهة؛ تنتقل من خبر إلى آخر، ومن وسيلة إلى أخرى، حتى يستقر بعضها بفعل كثرة الاستعمال لا دقته. فنستخدم «ناطق رسمي» مرة و«متحدث رسمي» أخرى، ونخلط بين «الهدنة» و«وقف إطلاق النار»، وبين «اللاجئ» و«النازح»، وقد نصف شخصا بأنه «إرهابي» في موضع، و«مسلح» في موضع آخر، وكأن الألفاظ مترادفات يمكن تبادلها دون أن يتغير المعنى. وهنا تكمن المشكلة؛ فالمصطلح الإعلامي لا يعيش في المعجم وحده، وإنما يتحرك بين اللغة والقانون والسياسة والمهنة. وما يصح لغويا قد لا يكون الأدق اصطلاحياً، وما شاع إعلامياً قد لا يكون منضبطاً قانونياً، كما أن بعض المصطلحات يتغير معناها باختلاف السياق والجهة التي تستخدمها.
فكيف نضبط هذه المصطلحات؟
البداية من مرجعية مصطلحية موحدة داخل المؤسسة الإعلامية، لا تترك الكلمات الحساسة لاجتهاد كل محرر. ويمكن بناء «معجم تحريري» يحدد المصطلح المعتمد، وتعريفه، وسياق استخدامه، والمصطلحات القريبة منه، والفروق بينها، مع أمثلة تطبيقية توضح متى يستخدم ومتى لا يستخدم. ثم تأتي مرجعية المصدر؛ فالمصطلحات القانونية تعود إلى الأنظمة والاتفاقيات والجهات المختصة، والعسكرية إلى مصادرها المهنية المعتمدة، والسياسية والدبلوماسية إلى الاستخدام الرسمي المستقر، مع الرجوع إلى المعاجم والمجامع اللغوية عندما تكون المسألة لغوية.
ومن المهم أيضاً الفصل بين لغة المصدر ولغة المحرر. فإذا وصف طرف حدثاً أو شخصاً بتوصيف معين، فليس بالضرورة أن تتبنى الوسيلة ذلك المصطلح؛ بل يمكن نسبته إلى قائله، والمحافظة على المسافة المهنية بين الخبر ومصدره.
ولا يقل التدريب أهمية عن المرجعية؛ فالمعجم مهما كان دقيقاً لن يؤدي وظيفته ما لم يعرف المحرر لماذا اختير هذا المصطلح دون غيره. كما ينبغي تحديثه باستمرار؛ فاللغة الإعلامية تتغير، والأحداث تولد مصطلحات جديدة، وبعض المفاهيم تتطور دلالاتها مع الزمن.
لدينا عشرات المصطلحات التي تحتاج إلى تحرير قبل أن نحرر بها أخبارنا؛ لأن ضبط المصطلح ليس ترفاً لغوياً، بل ضبط للمعنى، وأحياناً للموقف كله.