منصور بن صالح العُمري
تكررت المحاولات، ولم يعد في الأمر متّسعٌ لعبارةٍ دبلوماسية تُلطّف الحقيقة: الحوثي يمدُّ سلاحه إلى مكة.
وهنا ينبغي أن تتوقف السياسة قليلًا؛ فهذه ليست مدينةً تتنازعها خرائط النفوذ، ولا منشأةً عسكريةً يختلف المتخاصمون في مشروعية استهدافها.
هذه مكة.
المدينة التي يتجه إليها المسلمون في كل بقاع الأرض خمس مرات كل يوم، وفيها البيت الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا.
ولم يحتج أصحاب الفيل إلى بيانٍ يشرح نياتهم؛ كان اتجاههم إلى البيت كافيًا ليعرّف التاريخ بهم.
ولم يسأل القرآن عن مبرراتهم، ولم يناقش دعايتهم، وإنما اختصر القضية كلها في سؤال بقي يتردد أربعة عشر قرنًا: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ).
واليوم تغيّرت أدوات الطريق إلى مكة؛
كان فيلًا، وأصبح صاروخًا ومسيّرة.
ولكن مكة لم تتغيّر، وحرمتها لم تتغيّر، وربُّ البيت هو ربُّ البيت.
ولا حاجة إلى أن نسمّي الحوثي «أصحاب الفيل الجدد»؛ فتلك مقارنةٌ يمنحه فيها التاريخ أكثر مما يستحق. يكفي أن نقول ما حدث: سلاحٌ حوثي اتجه إلى مكة؛ ثم نترك لكل مسلم أن يضع الفعل في موضعه من دينه وضميره.
أما السعودية، فثمة من يخطئ إذا ظن أن مهمتها أن تنتظر المقذوف حتى يأتي، ثم تسقطه، ثم تنتظر الذي يليه.
السعودية لم تُشرَّف بخدمة الحرمين لتكون درعًا تتلقى الضربات فحسب؛ بل دولةٌ تحمل أمانة المقدسات، وتحمي أمنها، وتردع من يتطاول على حرمتها. وقد أعلنت رسميًا أن أمن الحرمين وضيوف الرحمن خط أحمر، وأنها لن تتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة والرادعة.
ومن طبع الحليم أن يحلم،
ولكن ليس من حق المعتدي أن يقرأ الحِلم ضعفًا؛
فالذي يعرف متى يحلم، يعرف أيضًا متى يحزم.
والسعودية حين تحمي مكة لا تحمي جغرافيا داخل حدودها فحسب؛ إنها تحمي قبلةً يتجه إليها أكثر من مليار مسلم، وتحرس أمانةً لم تسأل المعتدي عن مذهبه ولا جنسيته حين جاء حاجًّا أو معتمرًا، ولن تسأله عن شعاراته حين يأتيها معتديًا.
وقد قال الله في حرمة هذا البلد قولًا لا يحتاج إلى تعليق: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ).
مكة ليست ميدانًا لتجربة الصواريخ،
والحرم ليس بندًا في مفاوضات السياسة،
والسعودية ليست حارسًا نائمًا على أبوابه.
ومن أراد أن يعرف ماذا يعني التطاول على مكة، فليقرأ سورة الفيل مرةً أخرى؛
ثم ليقرأ تاريخ هذه الدولة جيدًا:
فلمكة ربٌّ يحميها،
وللحرم دولةٌ تعرف قدر الأمانة... وتعرف كيف تردع من يعبث بها.