د.عبدالله بن موسى الطاير
في مواسم الانتخابات الأمريكية تتحول السياسة إلى سباق للأرقام، والسباق محموم في هذه المدة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، الموضوع الرئيس لتلك الاستطلاعات هو أداء الرئيس ترامب وكأنه على ورقة التصويت. تتصدر نتائج استطلاعات الرأي نشرات الأخبار في الإعلام الليبرالي والمحافظ، ثم تبدأ النقاشات على ضوئها حول من سيسيطر على مجلس النواب ومن يحتفظ بمجلس الشيوخ.
استطلاعات الرأي هي إحدى أفضل الأدوات المتاحة لقياس اتجاهات المجتمع، وتحدث مشكلة الثقة في نتائجها عندما يتم تحميل الأرقام أكثر مما تحتمل. نتذكر انتخابات 2016م كمثال شهير على ما سمي بإخفاق استطلاعات الرأي لأنها توقعت فوز هيلاري كلينتون ففاز دونالد ترامب. صحيح أن الاستطلاعات الوطنية الأمريكية أعطت كلينتون تقدمًا بنحو ثلاث نقاط، وانتهى التصويت الشعبي بتقدمها بنحو نقطتين، لكن الخطأ الأكبر الذي حدث كان في الولايات الحاسمة حيث فاز ترامب بفوارق تقل عن نقطة مئوية، إلا أن نظام المجمع الانتخابي حوّل تلك الفوارق الصغيرة إلى نتيجة كبيرة؛ فالفوز بالرئاسة لا يتحدد بمجموع الأصوات الشعبية، وإنما بالفوز في الولايات وما تمنحه كل ولاية من أصوات في المجمع الانتخابي، ولذلك مكّن فوز ترامب بفارق ضئيل في ثلاث ولايات من الحصول على أصواتها الانتخابية، رغم أن هيلاري كلينتون حصلت على أصوات شعبية أكثر على المستوى الوطني.
لم يمر الموضوع مرور الكرام، فقد كشفت المراجعة التي أجرتها الجمعية الأمريكية لبحوث الرأي العام بعد الانتخابات سببين مهمين لذلك اللغط، فعدد من استطلاعات الولايات لم يوازن عيناته وفق المستوى التعليمي. حملة الشهادات الجامعية كانوا أكثر استعدادا للمشاركة في الاستطلاعات وأكثر ميلا إلى كلينتون، ونسبة معتبرة من المترددين حسموا قرارهم في الأيام الأخيرة لصالح ترامب. كما وجدت المراجعة أدلة على ما سمي بالناخب الخجول الذي يخفي رأيه في الاستطلاعات ويكشفه داخل صندوق الاقتراع. فهناك أشخاص يجيبون في استطلاعات الرأي بما يرونه مقبولا اجتماعيا، ثم يصوتون بما وقر في نفوسهم وأخفوه عن الآخرين، ويعرف هذا السلوك في استطلاعات الرأي بانحياز المقبولية الاجتماعية، وله سوابق أمريكية معروفة، أشهرها ما سمي «تأثير برادلي» نسبة إلى انتخابات حاكم كاليفورنيا عام 1982م، حين خسر توم برادلي رغم تقدمه في عدد من الاستطلاعات.
تشير الدراسات إلى أزمة ثقة، وفتور وتدني ملحوظ في معدلات الاستجابة للاستطلاعات مما جعل الوصول إلى عينة تمثل المجتمع الأمريكي مهمة شبه مستحيلة. الأشخاص الذين يقبلون الإجابة ليسوا بالضرورة تمثيلاً عادلاً للأشخاص الذين يغلقون الهواتف أو يتجاهلون الرسائل التي تدعوهم للمشاركة. وقد يكون أفراد المجموعتين في العمر نفسه والمنطقة نفسها والمستوى التعليمي ذاته، ومع ذلك يختلفون في الثقة بالمؤسسات والاهتمام بالسياسة والاستعداد للتعاون مع جهة جمع البيانات. هذا جعل مهمة الباحث صعبة في تصحيح غياب فئة لا يعرف خصائصها لأنها لم تجب أصلا. ولهذا بدأ بعض أبرز مراكز الاستطلاع الأمريكية يغير منهجيته، حيث أعلن مركز بيو Pew في العام الماضي أنه أصبح يستخدم التصويت السابق ضمن عملية وزن العينات، وأوضح لاحقاً أن قرابة 70 % من الاستطلاعات الوطنية في انتخابات 2024م استخدمت الانتماء الحزبي أو التصويت السابق ضمن عمليات الموازنة.
استطلاع الرأي يسأل الناخب المحتمل عمن يفضله، بينما النتيجة يقررها من يذهب فعلا إلى الصندوق. وقد يقيس الاستطلاع تفضيلات المجتمع بدرجة مقبولة، ثم يخطئ في تقدير أي جزء من ذلك المجتمع سيخرج للتصويت؛ فالناخب قد يقول في سبتمبر إنه مستقل أو متردد، وقد يختار مرشح مستقل عندما يسأله الباحث، وربما تكون استجابته تعبيرا عن امتعاضه من الحزبين. وعندما يحل شهر نوفمبر، تتحول المسألة من تعبير عن موقف إلى قرار له نتيجة سياسية مباشرة، وعندها قد يعود إلى حزبه، أو يبقى في منزله ولا يصوت.
أظهر استطلاع في سبتمبر 2026م تقدماً للديمقراطيين على الجمهوريين بثماني نقاط، وهذا رقم مهم في قراءة المزاج العام في لحظة إجراء الاستطلاع، لكن لا يجب أن نقفز بناء على هذه النتيجة لتحديد من سيسيطر على مجلس النواب بعد الانتخابات، فالناخبون لا يصوتون في دائرة وطنية واحدة، وإنما في 435 دائرة، وتؤثر في النتيجة طبيعة المرشح والدائرة وحدودها وحجم المشاركة السياسية فيها.
إحدى الدراسات الأكاديمية التي شملت 4221 استطلاعاً انتخابياً وجدت أن الخطأ الكلي في الاستطلاعات كان أكبر بكثير من هامش الخطأ الإحصائي الذي تنشره المؤسسات البحثية، لأن الرقم المعلن لا يشمل عدم الاستجابة، وطريقة وزن العينة، وتقدير من سيصوت فعليًّا. ومن هنا أعتقد أن أفضل طريقة لقراءة نتائج استطلاعات الرأي هي التعامل معها بوصفها صورا متتابعة لمجتمع يتحرك، وليست صورًا مسبقة لنتيجة الانتخابات النصفية.
وخلاصة القول إن الصندوق الانتخابي يملك خاصية لا يستطيع أي استطلاع محاكاتها وتتمثل في السرية المقرونة بالقرار النهائي، فلا يوجد باحث ينتظر إجابة، ولا حاجة إلى تبرير الاختيار، ولا يملك الناخب خيارًا لم أحسم رأيي بعد، فهناك الناخب وورقة الاقتراع، وقناعاته الشخصية.