د. طلال الحربي
جاء إعلان شركة «سير» عن إطلاق طرازها الأول «إكزوبوت» في سبتمبر من عام 2026 ليؤكد أن ما كان يُظن يومًا حلمًا مستحيلًا أصبح اليوم حقيقة تُصنع على أرض الوطن، وليضع المملكة العربية السعودية رسميًا على خارطة الدول المصنّعة للسيارات الكهربائية، في لحظة لا يمكن قراءتها بوصفها حدثًا صناعيًا معزولًا، بل بوصفها تجسيدًا عمليًا لرؤية إستراتيجية أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أعادت تعريف موقع المملكة في سلاسل القيمة العالمية، ونقلتها من موقع المستورد والمستهلك للتقنية إلى موقع المنتج والمطوّر لها. فالسيارة في الأدبيات الاقتصادية ليست مجرد سلعة استهلاكية، بل هي من أكثر المنتجات الصناعية تعقيدًا وتشابكًا، إذ تستند إلى منظومة واسعة من الصناعات المغذية والتقنيات المتقدمة وسلاسل الإمداد متعددة المستويات، ومن ثمّ فإن امتلاك القدرة على تصنيعها يُعد مؤشرًا بنيويًا على نضج القاعدة الصناعية للدولة وقدرتها على استيعاب التقنية وتوطينها.
وحين نتأمل تفاصيل هذا الإطلاق ندرك أننا أمام مشروع صُمّم وفق منطق التخطيط الإستراتيجي بعيد المدى لا وفق منطق المبادرات الرمزية، فالسيارة تُطرح بفئتين رئيسيتين هما السيدان والدفع الرباعي، بما يعكس فهمًا دقيقًا لخصائص الطلب في السوق المحلية والإقليمية، والشركة تخطط لتقديم أسطول متكامل يضم سبعة طرازات متنوعة بحلول عام 2030، وهو ما يشير إلى تبنّي إستراتيجية تنويع المحفظة المنتجية لتغطية شرائح سوقية متعددة، والإنتاج الفعلي ينطلق من مصنع الشركة في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بطاقة إنتاجية مستهدفة تصل إلى مئتين وأربعين ألف سيارة سنويًا، وهو رقم يتجاوز منطق التجربة إلى منطق اقتصاديات الحجم التي تُعد شرطًا حاسمًا لأي صناعة سيارات قادرة على المنافسة والاستدامة. أما استهداف رفع نسبة المحتوى المحلي إلى 45 في المئة بحلول عام 2034 فهو في تقديري جوهر هذا المشروع وقيمته المضافة الحقيقية، لأن توطين المكونات يعني بناء قاعدة من الموردين المحليين، وخلق وظائف نوعية عالية المهارة، ونقل المعرفة التقنية من مستوى التجميع إلى مستوى التصنيع والتطوير، وتقليص التسرب الاقتصادي الناتج عن الاستيراد، وتعظيم الأثر المضاعف للاستثمار داخل الاقتصاد الوطني.
وهذا التحول لم يكن ليتحقق لولا بيئة تمكينية صنعتها رؤية المملكة 2030، التي جعلت التنويع الاقتصادي وتنمية القطاعات غير النفطية خيارًا إستراتيجيًا لا رجعة فيه، ووظّفت أدوات الدولة الاستثمارية وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة بوصفه محركًا لبناء قطاعات جديدة بالكامل، عبر شراكات نوعية مع كبرى الشركات العالمية تضمن نقل التقنية وتسريع منحنى التعلم الصناعي. وهكذا هي المملكة في عهد قيادتها الرشيدة؛ قيادة لا تعرف المستحيل، ولا تتوقف أمام الظروف، بل تحوّل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى إنجازات ملموسة يراها المواطن ويعيشها ويشاهدها العالم من حولنا.
لقد تغيّرت لغة الطموح في المملكة تغيّرًا جذريًا، فما كان بالأمس سؤالًا عن الإمكان: هل نستطيع؟ أصبح اليوم سؤالًا عن التوقيت: متى نحقق ذلك؟ وهذه هي النقلة المعرفية والنفسية الكبرى التي صنعتها الرؤية والإرادة، أن يؤمن الوطن بقدرته على الوصول، وأن تتحول الطموحات الكبيرة إلى مشروعات حقيقية، وأن يصبح المستقبل هدفًا يُعمل من أجله اليوم لا أمنية تُرجأ إلى الغد. فمن الصناعة إلى التقنية، ومن السياحة إلى الثقافة، ومن الرياضة إلى الاقتصاد، ومن المدن الذكية إلى المشروعات العملاقة، تتسع خارطة الإنجاز السعودي يومًا بعد يوم، والأهم من ذلك كله أن الإنسان السعودي أصبح في قلب هذه الرحلة، شابًا وشابةً، رأس مال بشريًا يمتلك المعرفة والطموح، يشارك في صناعة التحول ويكتب بيده فصولًا جديدة من قصة وطنه.
وإذا كانت «إكزوبوت» قد جاءت رائعة بكل ما فيها من مواصفات وتصميم وجودة وهوية بصرية تعبّر عن روح المرحلة، فإن ما نأمله في الطرازات القادمة يتصل بجوهر مفهوم التوطين ذاته، وهو أن تتحول السيارة السعودية من منتج نخبوي إلى منتج جماهيري، عبر سيارات للاستخدام اليومي بأسعار في متناول الجميع، وسيارات عائلية رحبة تلائم خصائص الأسرة السعودية الممتدة، إذ لا يكاد يخلو بيت سعودي من سيارة عائلية كبيرة، وفهم هذه الخصوصية الاجتماعية وتحويلها إلى ميزة تنافسية هو ما سيمنح العلامة الوطنية ولاء المستهلك المحلي قبل أن تنطلق إلى الأسواق الإقليمية والعالمية. ولأن الهوية التجارية في أدبيات التسويق ليست مجرد اسم، بل هي حامل رمزي للقيم والانتماء ورأس مال معنوي يتراكم مع الزمن، فإننا نتطلع إلى أن تُستلهم أسماء الطرازات القادمة من البيئة السعودية وجغرافيتها وتراثها، فتحمل سيارة الدفع الرباعي اسم «طويق» بما يختزنه من دلالات الصلابة والشموخ، وتحمل السيارة العائلية اسم «نجد» بما يرمز إليه من الأصالة والاتساع، وتتوالى الأسماء المعبّرة من «الدهناء» و»السروات» و»العُلا» و»الحجاز» و»النفود» وغيرها من أسماء الأرض والمكان التي تناسب طبيعة كل فئة وشخصيتها، لتصبح كل سيارة سفيرًا متحركًا للهوية الوطنية على طرق العالم. ونتطلع كذلك إلى أن يحمل المصنع اسم «مصنع الأمير محمد بن سلمان لصناعة السيارات» أو «مصنع MBS لصناعة السيارات»، امتنانًا لصاحب الرؤية التي حوّلت هذا الحلم إلى واقع، واعترافًا بأن هذا المنجز الصناعي هو ثمرة مباشرة لإرادته وعزيمته. وطموحنا أن تكون السيارة السعودية الأولى على الطرق السعودية، وأن تنافس بثقة في أسواق العالم أجمع، وأن نرى علامة «صُنع في السعودية» على سيارة أمام بيت كل مواطن ومقيم في هذه البلاد، وأمام كل شركة وكل جهة حكومية أو خاصة، شاهدًا على أن الاقتصاد الوطني بات قادرًا على إنتاج ما يستهلكه، وتصدير ما يبتكره.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الظروف مهما تغيرت فإن الإرادة قادرة على تجاوزها، وأن التحديات مهما كبرت فإن الطموح حين يكون مدعومًا بقيادة تؤمن بقدرات شعبها يستطيع أن يحولها إلى فرص. ونحن اليوم لا نحتفل فقط بما وصلنا إليه، بل نحتفل بالثقة التي أصبحنا نحملها تجاه ما هو قادم، ثقةٌ تقول إن القادم أكبر، وإن ما نراه اليوم ليس نهاية الحلم بل بداية مرحلة جديدة منه. ففي وطنٍ تأسس على التوحيد والعزيمة، واستمر على البناء والتنمية، ويعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله تحولًا، لم يعد الطموح ترفًا، ولم تعد الأحلام بعيدة. ننظر إلى ما تحقق فنفخر، وننظر إلى ما هو قادم فنطمح أكثر، لأن السعودية التي عرفناها بالأمس ليست هي السعودية التي نعيشها اليوم، والسعودية التي نعيشها اليوم ليست إلا خطوة نحو سعودية المستقبل. ومع قيادتنا الرشيدة، ومع قائدٍ جعل الطموح عنوانًا لمرحلة كاملة، ومع شعبٍ يؤمن بأن وطنه يستحق الأفضل دائمًا، ستبقى المسيرة مستمرة؛ من حلمٍ كان يبدو مستحيلًا إلى حقيقة تُصنع بأيدينا، ومن إنجازٍ إلى إنجاز، ومن قمةٍ إلى قمة.