د.شريف بن محمد الأتربي
عملت في التعليم لما يقارب الثلاثين عاما، كان جل تركيز القائمين عليه- خاصة في المرحلة المتوسطة- أن يهيئوا الطلاب للالتحاق بالمرحلة الثانوية في المسار الثانوي العام، لم يكن هناك أي إشارة إلى النمط الثاني للتعليم وشريك المجتمع في تحقيق السعودة؛ التعليم المهني.
لقد كانت هناك جملة تكشف كثيرًا من نظرات المجتمع إلى التعليم المهني، حتى وإن لم نقلها صراحة: «لم يدخل الجامعة، فاتجه إلى التعليم المهني».
وكأن التعليم المهني هو الخطة البديلة لمن لم ينجح في الوصول إلى الجامعة.
وكأن المسار الأكاديمي هو الطريق الطبيعي للنجاح، بينما المسار المهني يأتي بعده في سلم الاختيارات.
لكن هل هذه النظرة ما زالت منطقية في عالم تتغير فيه المهن بسرعة، وتتسع فيه الحاجة إلى المهارات التقنية والمهنية، وتصبح فيه قدرة الإنسان على الإنتاج والعمل بكفاءة أكثر أهمية من مجرد المسار الذي اختاره؟
ربما آن الأوان أن نعيد طرح السؤال: لماذا لا يكون التعليم المهني اختيارًا أولًا، وليس بديلًا أخيرًا؟
ليست كل الطرق تؤدي إلى الجامعة
نجح التعليم خلال عقود طويلة في بناء صورة ذهنية تقول للطالب والأسرة: بعد المدرسة تأتي الجامعة. لكن الإنسان ليس نسخة واحدة. والطلاب ليسوا متشابهين في قدراتهم، ولا في اهتماماتهم، ولا في طريقة تعلمهم، ولا في المجالات التي يستطيعون أن يحققوا فيها أفضل ما لديهم.
هناك طالب يبرع في التحليل النظري، وآخر يبرع في العمل التطبيقي، وثالث يستطيع التعامل مع الآلات، ورابع يمتلك حسًا تقنيًا، وخامس يتفوق في التصميم، وسادس يجد نفسه في البرمجة، أو الكهرباء، أو التبريد، أو البناء، أو الصناعة، أو الخدمات.
فلماذا نفترض أن نجاحهم جميعًا يجب أن يمر من البوابة الجامعية نفسها؟
العدالة التعليمية لا تعني أن نسير بالجميع في الطريق نفسه، وإنما أن نتيح لكل طالب الطريق الذي يمكن أن يحقق فيه إمكاناته.
المشكلة ليست في التعليم المهني.. بل في الصورة التي صنعناها عنه
ربما لا يعاني التعليم المهني من مشكلة في طبيعته بقدر ما يعاني من الصورة الاجتماعية التي ارتبطت به.
عندما ينظر المجتمع إلى المهنة باعتبارها خيارًا أقل مكانة، فإن الطالب سيبحث عن أي مسار آخر، حتى لو لم يكن مناسبًا له.
وعندما تقاس قيمة الطالب باسم الجامعة التي التحق بها، بدلًا من المهارة التي أتقنها والقيمة التي يستطيع إنتاجها، فإننا نرسل رسالة خاطئة إلى أبنائنا.
نقول لهم، بطريقة غير مباشرة: العمل بيديك أقل قيمة من العمل خلف مكتب. وهذه فكرة لا تستند إلى منطق اقتصادي ولا تعليمي.
فالطائرة لا تطير بالمهندس وحده. والمستشفى لا يعمل بالطبيب وحده. والمصنع لا ينتج بالمهندس وحده. والمدينة الحديثة لا تبنى بالمخطط وحده. هناك فنيون وتقنيون ومختصون ومشغلون وحرفيون ومبرمجون ومهنيون في مجالات متعددة، وكل واحد منهم يمثل حلقة أساسية في منظومة الإنتاج.
المهنة ليست وظيفة.. إنها تخصص
ربما نحتاج إلى تغيير اللغة التي نتحدث بها عن التعليم المهني. فالمهنة ليست مجرد «وظيفة» يؤديها الإنسان.
إنها معرفة، ومهارة، وانضباط، وخبرة، وتخصص، ومسار نمو يمكن أن يبدأ من التدريب ويصل إلى مستويات عالية من الاحتراف والقيادة وريادة الأعمال.
المشكلة أن بعض المسارات المهنية تُقدَّم للطالب بوصفها تدريبًا قصيرًا على وظيفة، بينما ينبغي أن تقدم له بوصفها مسارًا مهنيًا متكاملًا.
مسار يبدأ بالتأسيس، ثم التدريب، ثم الاعتماد، ثم الخبرة، ثم التخصص، ثم التطور المستمر.
وعندما يرى الطالب هذا المسار أمامه، يصبح قادرًا على تصور مستقبله، وليس فقط الحصول على وظيفة أولى.
ماذا لو جعلنا الطالب يختار المهنة مبكرًا؟
لا يعني ذلك أن نجبر الطالب على اختيار مهنته وهو صغير، وإنما أن نعرّفه منذ مراحل مبكرة على عالم المهن الحقيقي. أن يرى كيف تعمل الأشياء. أن يجرب. أن يصمم. أن يصلح. أن يبني. أن يبرمج. أن يكتشف ميوله وقدراته من خلال التجربة، لا من خلال الاختبارات النظرية فقط.
فالطالب قد لا يعرف أنه يمتلك قدرة عالية في مجال معين حتى يمنح فرصة لممارسته.
وهنا يمكن للمدرسة أن تلعب دورًا مختلفًا: أن تفتح للطالب نوافذ على المستقبل قبل أن تطلب منه اختيار طريقه.
التعليم المهني في عصر الذكاء الاصطناعي
قد يبدو للبعض أن الحديث عن التعليم المهني في عصر الذكاء الاصطناعي تراجع إلى الوراء. والحقيقة عكس ذلك تمامًا. فالتحول التقني لا يلغي الحاجة إلى المهارات المهنية، بل يعيد تشكيلها.
الفني اليوم لن يعمل بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها قبل سنوات. سيستخدم أدوات رقمية، وأنظمة ذكية، وأجهزة استشعار، وتحليلات، وروبوتات، ومنصات متقدمة.
وهذا يعني أن التعليم المهني نفسه يجب أن يتغير.
لم يعد كافيًا أن نعلم الطالب كيف ينفذ المهمة. بل يجب أن نعلمه لماذا ينفذها، وكيف يشخص المشكلة، وكيف يستخدم التكنولوجيا، وكيف يقرأ البيانات، وكيف يتعامل مع الأنظمة الذكية، وكيف يتعلم مهارة جديدة عندما تتغير الأدوات.
وهنا يلتقي التعليم المهني مع التعليم الأكاديمي في نقطة مهمة: كلاهما يحتاج إلى بناء القدرة على التعلم المستمر.
من التدريب إلى الاحتراف
إذا أردنا أن نغير صورة التعليم المهني، فلا بد أن يرى الطالب مستقبلًا واضحًا أمامه.
لماذا لا يستطيع خريج المسار المهني أن يصبح لاحقًا مشرفًا، أو خبيرًا، أو مديرًا، أو صاحب منشأة، أو مدربًا، أو مستشارًا في مجاله؟
ولماذا لا تكون للمهن مسارات مهنية واضحة، كما توجد المسارات الأكاديمية؟
إن الطالب عندما يعرف أن اختياره للمهنة لا يغلق الأبواب أمامه، بل يفتح أمامه سلمًا من التطور والاحتراف، فإنه سيتعامل مع المسار بثقة مختلفة.
نحن لا نحتاج فقط إلى تغيير المناهج. نحتاج إلى تغيير الصورة الذهنية للمستقبل المهني.
المدرسة وسوق العمل.. شراكة لا زيارة
ومن أهم ما يمكن أن ينجح التعليم المهني هو ألا يبقى بعيدًا عن أصحاب المهن والقطاعات التي سيعمل فيها الطالب.
لا يكفي أن تتحدث المؤسسة التعليمية عن سوق العمل. يجب أن يكون سوق العمل حاضرًا في تصميم البرامج، وفي التدريب، وفي المشروعات، وفي تقييم المهارات.
فالطالب يحتاج إلى أن يرى بيئة العمل الحقيقية، ويتعامل مع مشكلات حقيقية، ويستخدم أدوات حقيقية، ويعرف منذ وقت مبكر ماذا يعني أن يكون محترفًا. وهنا تصبح الشراكة مع القطاع الخاص جزءًا من العملية التعليمية، وليست مجرد تعاون جانبي.
ليس كل طالب يحتاج إلى جامعة
قد تكون هذه العبارة صادمة، لكنها تستحق أن تُقال. ليس كل طالب يحتاج إلى جامعة. لكن كل طالب يحتاج إلى تعليم جيد، ومسار واضح، وفرصة حقيقية لبناء مستقبله.
وهذا فرق جوهري.
فالهدف من التعليم ليس أن نجعل الجميع يحملون النوع نفسه من الشهادات، وإنما أن نساعد كل إنسان على الوصول إلى أفضل ما يستطيع أن يكون عليه. وقد يكون مستقبل أحد الطلاب في الجامعة. وقد يكون مستقبل آخر في تخصص مهني وتقني. وقد يكون ثالث في ريادة الأعمال. وقد يجمع رابع بين التعليم الأكاديمي والمهني. المهم ألا يصبح اختيار المسار نتيجة للفشل في المسار الآخر. بل نتيجة لفهم الطالب لنفسه وقدراته وفرص المستقبل.
عندما نحترم المهنة
احترام التعليم المهني لا يبدأ من المؤسسات وحدها. يبدأ من الأسرة، ومن المدرسة، ومن المجتمع، ومن اللغة التي نستخدمها عندما نتحدث عن المهن. حين يقول الأب لابنه: «اختر ما يناسبك وما تستطيع أن تتميز فيه».
بدلًا من: «ادخل الجامعة أولًا ثم فكر».
نحن نغير شيئًا كبيرًا
وحين يرى الطالب فنيًا محترفًا يحظى بالتقدير نفسه الذي يحظى به غيره من المتخصصين، ويدرك أن الخبرة والمهارة يمكن أن تصنعا مستقبلًا مهنيًا وماديًا واجتماعيًا محترمًا، فإن الصورة تبدأ في التغير.
التعليم الذي يعطي كل إنسان مكانه
ربما لا نحتاج إلى أن نسأل: كم طالبًا دخل الجامعة؟
بقدر ما نحتاج إلى أن نسأل: كم طالبًا وجد المسار الذي يناسب قدراته؟ وكم واحدًا منهم أصبح محترفًا؟ وكم استطاع أن ينتقل من التعلم إلى الإنتاج؟
وكم استطاع أن يبني مشروعًا أو مهنة أو قيمة حقيقية؟
فالدولة التي تريد اقتصادًا متنوعًا ومجتمعًا منتجًا لا تحتاج إلى خريجي جامعات فقط.
تحتاج إلى منظومة متكاملة من العقول والمهارات والمهن والخبرات.
ولهذا فإن التعليم المهني لا ينبغي أن يكون غرفة جانبية في النظام التعليمي، نضع فيها من لم يجد مكانًا في الجامعة. بل ينبغي أن يكون أحد الأبواب الرئيسة لصناعة الإنسان المنتج.
وربما آن الأوان أن يتغير السؤال الذي نطرحه على أبنائنا من: «إلى أي جامعة ستذهب؟»
إلى سؤال أوسع وأكثر عدلًا: «أي مستقبل يناسبك؟ وأي طريق يمكن أن تصبح فيه الأفضل؟»
عندما نصل إلى هذه المرحلة، لن يعود الطالب يعتذر عن اختياره للمهنة، ولن يعود التعليم المهني خطة بديلة.
بل سيصبح ما ينبغي أن يكون عليه منذ البداية: اختيارًا واعيًا، ومسارًا محترمًا، وطريقًا حقيقيًا لصناعة المستقبل.