عبد الله سليمان الطليان
هل يمكن أن يكون التعليم الحقيقي قد بدأ قبل المدرسة؟ وهل يمكن أن تكون الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان أهم دروس حياته، قبل أن يعرف الكتاب والمعلم والفصل الدراسي؟
لا شك أن الأسرة تمثِّل القاعدة الأساسية في بناء الإنسان وتعليمه؛ ففيها يتعلَّم الطفل أولى قواعد السلوك، ومنها يكتسب عاداته وطريقة تعامله مع الآخرين، ومنها يتعرَّف إلى معنى المسؤولية والاحترام والانضباط. ولذلك فإن الحديث عن التعليم لا ينبغي أن يبدأ من المدرسة وحدها، بل من البيئة التي تنشأ فيها الأسرة.
فهناك عوامل كثيرة تشترك في تشكيل شخصية الإنسان، من بينها الدين والثقافة والعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية. وهذه العوامل لا تنتقل إلى الإنسان من خلال الكتب فقط، وإنما تنتقل بالممارسة والقدوة والتكرار، وتنتقل في كثير من الأحيان من جيل إلى آخر.
الأسرة والوصايا العشر
ومن هنا يمكن أن نتوقف عند ما يُعرف بـ«الوصايا العشر»، التي ارتبطت في بعض الأدبيات التنموية بمجموعة من القيم والسلوكيات التي تساعد على بناء الإنسان والمجتمع، مثل الانضباط، واحترام الوقت، والدقة، وتحمّل المسؤولية، والالتزام بالعمل، واحترام النظام.
والأهم من تعداد هذه القيم هو السؤال: أين يتعلَّمها الإنسان؟
إن الطفل لا يتعلَّم احترام الوقت من درس نظري عن أهمية الوقت، وإنما عندما يرى والديه يحرصان على المواعيد. ولا يتعلَّم الانضباط من الكلمات وحدها، وإنما عندما يعيش في أسرة لها نظام واضح في النوم والعمل والدراسة والواجبات. كما أن تحمّل المسؤولية لا يُكتسب بمجرد الحديث عنه، بل عندما يُعطى الطفل مسؤوليات تتناسب مع عمره، ويُطلب منه القيام بها والالتزام بها.
ومن هنا تصبح الأسرة المكان الأول الذي تتحول فيه هذه الوصايا من أفكار إلى سلوك.
فإذا كان الأب يحترم وقته، والأم تحترم مواعيدها، وأفراد الأسرة يلتزمون بما عليهم من واجبات، فإن الطفل يتعلم هذه القيم بصورة طبيعية. أما إذا كان هناك تناقض بين ما يسمعه الطفل من نصائح وما يراه في حياته اليومية، فإن أثر الكلمات يصبح أضعف من أثر السلوك.
التعليم لا ينقل المعرفة وحدها
وهذه الفكرة تتصل بجانب مهم من أعمال المفكر الأمريكي فرنسيس فوكوياما، الذي تناول مفهوم «رأس المال الاجتماعي» وعلاقته بالثقة والقيم والعادات التي تساعد الناس على التعاون والوفاء بالالتزامات وأداء الواجبات.
كما تناول فوكوياما في كتاباته أثر الثقافة والقيم الاجتماعية في عمل المؤسسات والمجتمعات، وأشار إلى أهمية بعض الخصائص الثقافية والاجتماعية في التجربة اليابانية، مثل احترام السلطة والتدريب والاحترافية.
وهذه ملاحظة مهمة؛ لأن التعليم ليس مجرد منهج يمكن نقله من بلد إلى آخر، وإنما هو جزء من منظومة اجتماعية وثقافية متكاملة.
من اليابان إلى أمريكا اللاتينية
وقد حاولت بعض التجارب في أمريكا اللاتينية الاستفادة من أفكار تتعلق بالتنمية وبناء الإنسان من خلال التعليم والتدريب والمؤسسات المتخصصة. لكن الأهم في هذه التجارب ليس مجرد نقل مجموعة من المبادئ، وإنما السؤال عن قدرة المجتمع على تحويل هذه المبادئ إلى ثقافة وسلوك يومي.
وهنا تظهر أهمية التجربة اليابانية بوصفها مثالًا على أن القيم الاجتماعية المتراكمة يمكن أن يكون لها أثر في الحياة الاقتصادية والتعليمية والمؤسسية. فالقيمة لا تكون مؤثرة لمجرد كتابتها في منهج دراسي، وإنما عندما تصبح جزءًا من السلوك الذي تمارسه الأسرة والمدرسة ومكان العمل والمجتمع.
القدوة قبل المنهج
ولعل من أهم الأمثلة على ذلك أن الطفل الذي يرى والده يلتزم بعمله في الوقت المحدد، ويحافظ على وعوده، ويحترم الآخرين، ويؤدي واجباته، يتعلم من ذلك أكثر مما يتعلمه من محاضرة طويلة عن الانضباط.
والأمر نفسه ينطبق على الدقة.
فإذا تعود الطفل في أسرته أن يعيد الأشياء إلى أماكنها، وأن ينجز عمله بصورة صحيحة، وأن يراجع ما قام به قبل أن ينهيه، فإن الدقة تتحول إلى عادة. أما إذا كانت الفوضى والإهمال هما السلوك السائد في البيئة المحيطة به، فإن الحديث عن الدقة قد يبقى مجرد نصيحة.
وهنا يتضح أن الأسرة لا تعلّم الطفل ماذا يفعل فقط، وإنما تعلّمه كيف يعيش.
الدين والثقافة والعادات
ولا يمكن فصل ذلك كله عن الدين والثقافة والعادات والتقاليد؛ فكل مجتمع لديه منظومة من القيم التي تشكل نظرته إلى الأسرة والعمل والوقت والمسؤولية والآخرين.
وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، توجد منظومة واسعة من القيم الدينية والأخلاقية التي تؤكد بر الوالدين، والوفاء بالعهد، وإتقان العمل، وتحمل المسؤولية، واحترام الآخرين، والتعاون، والأمانة. ولذلك فإن الاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى لا تعني البحث عن قيم غريبة عن المجتمع، بل يمكن أن تعني اكتشاف طرق جديدة لتطبيق قيم موجودة أصلًا، وتحويلها إلى سلوك عملي في الحياة اليومية.
وهذا هو الفرق بين أن ندرس قيمة ما، وأن نعيشها.
هل يمكن نقل التجربة كما هي؟
إن نقل تجربة تعليمية أو اجتماعية من بلد إلى آخر يحتاج إلى أكثر من نقل المناهج والكتب والأنظمة؛ لأن وراء كل تجربة ناجحة تاريخًا طويلًا من العادات والقيم والثقافة.
وقد أشار فوكوياما، في دراساته حول رأس المال الاجتماعي، إلى أن كثيرًا من القيم غير الرسمية تنشأ من الدين والتقاليد والتجارب التاريخية المشتركة، وأن الدولة لا تستطيع ببساطة أن تصنعها بقرار إداري.
ولهذا فإن التجربة التي تنجح في مجتمع معين قد تحتاج إلى إعادة صياغة عندما تنتقل إلى مجتمع آخر؛ لأن الإنسان يستقبلها من خلال ثقافته السابقة وتجربته الأسرية والاجتماعية.
الأسرة هي البداية
ومن هنا نعود إلى الفكرة الأساسية: أساس التعليم الأول هو الأسرة.
فالمدرسة تأتي بعد الأسرة، والمعهد يأتي بعدها، والجامعة تكمل الطريق، لكن البداية تكون في البيت. فإذا كانت الأسرة قد غرست في الطفل احترام الوقت، والانضباط، وتحمّل المسؤولية، والصدق، واحترام الآخرين، فإن المدرسة تجد أرضًا صالحة للبناء عليها.
أما إذا كانت هناك فجوة كبيرة بين ما يتعلمه الطفل في المدرسة وما يراه في البيت، فقد يجد نفسه أمام قيم متناقضة؛ يسمع شيئًا في المدرسة، ويرى شيئًا مختلفًا في حياته اليومية.
ولذلك فإن أي مشروع لإصلاح التعليم لا ينبغي أن ينظر إلى المدرسة بمعزل عن الأسرة والمجتمع.
أخيراً إن محاولة الاستفادة من خبرات الآخرين من خلال التعليم أمر مهم، ولكن نقل التجارب لا يعني نقلها كما هي؛ فكل مجتمع له تاريخه وثقافته وعاداته وتقاليده التي تراكمت عبر سنوات طويلة، وهذه العناصر تؤثر في طريقة فهم الإنسان للقيم الجديدة وفي مدى قدرته على تحويلها إلى سلوك.
ومن هنا تأتي أهمية الوصايا العشر؛ فالقيم التي تقوم عليها، مثل الانضباط واحترام الوقت والدقة وتحمل المسؤولية وتقدير الأسرة والعمل، لا يمكن أن تصبح جزءًا من شخصية الإنسان بمجرد تدريسها في مدرسة أو معهد، وإنما تبدأ من الأسرة، ثم تعززها المدرسة، ويمارسها المجتمع.
فالأسرة هي المكان الذي تتحول فيه القيمة إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك، مع مرور الزمن، إلى ثقافة.
ولهذا فإن الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى لا ينبغي أن تكون مجرد تقليد، وإنما فهمًا لجوهر التجربة، ثم تكييفًا لها مع دين المجتمع وثقافته وقيمه وتاريخه.
وفي النهاية، يظل السؤال الأهم ليس: ماذا نعلّم أبناءنا؟ وإنما: ماذا يرون منا ونحن نعلّمهم؟
فالتعليم يبدأ من الأسرة، وتدعمه المدرسة، ويختبره المجتمع، وبقدر ما تنسجم هذه الحلقات الثلاث، تتحول المعرفة من معلومات في الكتب إلى قيم حاضرة في حياة الإنسان.