«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
احتفلت القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية بجدة بالذكرى الـ77 لتأسيس الجمهورية، بحضور صاحب السمو الأمير سعود بن عبدالله بن جلوي، محافظ جدة، الذي كان في استقباله القنصل العام الصيني يانغ يي، إلى جانب مدير عام فرع وزارة الخارجية بمنطقة مكة المكرمة فريد الشهري، وعدد من أعضاء السلك الدبلوماسي.
وتأتي المناسبة في عام يجمع عدة محطات مهمة للصين، منها الذكرى الـ77 لتأسيس الجمهورية، وبدء تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة، إلى جانب مرور عشر سنوات على إقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين والسعودية.
وفي كلمته، استعرض يانغ يي مسار التنمية الصينية وتطور العلاقات مع المملكة، موضحًا أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بدأت في 21 يوليو 1990، قبل أن ترتقي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المملكة في يناير 2016.
وأشار إلى أن الصين شهدت منذ تأسيس الجمهورية عام 1949 تحولات اقتصادية وصناعية واسعة، كان من أبرز محطاتها الإصلاح والانفتاح الذي بدأ عام 1978، وأسهم في تسريع التصنيع والتجارة والاستثمار والتحضر، وصولًا إلى بناء قاعدة صناعية تمتد اليوم من الإلكترونيات والاتصالات إلى الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والبطاريات والذكاء الاصطناعي.
ووصف يانغ يي ما حققته الصين خلال العقود الماضية بـ«معجزتين»، هما التنمية الاقتصادية السريعة والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد، مشيرًا إلى انتقال الاقتصاد الصيني إلى مرحلة من التنمية عالية الجودة تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا والانفتاح.
وبحسب الأرقام التي عرضها، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين خلال النصف الأول من 2026 نحو 69.6 تريليون يوان، بنمو سنوي قدره %4.7، فيما تجاوزت تجارة السلع خلال الأشهر السبعة الأولى 30.13 تريليون يوان، منها 17.44 تريليون للصادرات و12.69 تريليون للواردات.
وعلى مستوى العلاقات مع المملكة، اتسعت مجالات التعاون خلال العقد الأخير من التجارة والطاقة إلى الاستثمار والتمويل والصناعة والتقنية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتعليم والثقافة.
وخلال مباحثاته مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في بكين في يونيو 2026، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي أهمية توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والتنمية الخضراء، فيما تناول الجانب السعودي مجالات الاستثمار والتمويل والطاقة والذكاء الاصطناعي والتبادل الثقافي والشعبي.
وفي أبريل 2026، أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصال هاتفي، أهمية الذكرى العاشرة للشراكة الاستراتيجية الشاملة، وتعزيز الثقة وتوسيع مجالات التعاون.
وفي المجال التقني، أشار يانغ يي إلى مشاركة أكثر من 30 شركة صينية مبتكرة في معرض LEAP 2026 بالرياض، لافتًا إلى الذكاء الاصطناعي والذكاء المتجسد والاقتصاد الرقمي باعتبارها مجالات جديدة للتعاون بين البلدين.
وانعكست هذه الشراكة أيضًا على حركة التجارة. فقد بلغت واردات المملكة من الصين في 2025 نحو 261.2 مليار ريال، بزيادة %25.1 عن العام السابق، مقابل صادرات سعودية إلى الصين بلغت 170.4 مليار ريال، تصدرتها المنتجات النفطية والبتروكيماوية. وشملت أبرز الواردات السعودية من الصين الآلات والمعدات الكهربائية والصناعية والسيارات.
وفي مايو 2026، بلغت الواردات السعودية من الصين 14.9 مليار ريال، بما يعادل %22 من إجمالي واردات المملكة خلال الشهر، فيما بلغت الصادرات السعودية إلى الصين 11.6 مليار ريال.
وقال القنصل العام: إن الصين حافظت على موقعها كأكبر شريك تجاري للمملكة لـ13 عامًا متتالية، فيما ظلت السعودية أكبر شريك تجاري للصين في غرب آسيا وشمال أفريقيا، مشيرًا إلى تجاوز التجارة الثنائية 100 مليار دولار لأربع سنوات متتالية، واقترابها من 50 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026.
وبلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في المملكة 10.6 مليار ريال بنهاية 2024، مقارنة بـ9.3 مليار ريال في نهاية 2023.
وفي قطاع الطاقة الجديدة، تجاوز إنتاج ومبيعات مركبات الطاقة الجديدة في الصين 16.4 مليون وحدة لكل منهما خلال 2025، لتحتل الصين المرتبة الأولى عالميًا في هذا القطاع للعام الحادي عشر على التوالي. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بلغ الإنتاج 10.668 مليون وحدة، والمبيعات 10.650 مليون وحدة، بنمو سنوي قدره %10.8 و%10.7 على التوالي.
كما بلغت صادرات المنتجات الكهروميكانيكية الصينية 11.12 تريليون يوان خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مع نمو في صادرات السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم ومعدات طاقة الرياح. ويرتبط ذلك بمجالات تعاون محتملة مع المملكة في الطاقة الجديدة والاقتصاد الأخضر ومكافحة التصحر والحد من زحف الرمال.
وفي الجانب السياسي، تناول يانغ يي التطورات الدولية والإقليمية، متحدثًا عن الصراعات الجيوسياسية وفجوة التنمية والتحديات التي تواجه التعددية الدولية، ومستعرضًا المبادرات الصينية الأربع: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.
وأشار في الشأن الإقليمي إلى اتصالات الرئيس شي جين بينغ مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، واتصالات المبعوث الخاص للحكومة الصينية لشؤون الشرق الأوسط مع مسؤولين في المنطقة، بينهم وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في إطار الجهود الصينية المعلنة لدعم السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
وامتد التعاون كذلك إلى التعليم والثقافة والإعلام. ففي أبريل 2026، شارك أكثر من ألف شخص في فعالية اليوم الدولي للغة الصينية بجدة، التي تضمنت عروضًا لتقنيات الترجمة بالذكاء الاصطناعي ومركبات الطاقة الجديدة، إلى جانب الفنون والثقافة الصينية.
كما وصلت الدفعة الثالثة من معلمي اللغة الصينية القادمين من الصين للتدريس في المدارس الثانوية السعودية، بالتزامن مع تنامي التبادل الجامعي وإقبال طلاب سعوديين على الدراسة في الجامعات الصينية.
وفي سبتمبر، استضافت جدة ندوة إعلامية صينية–سعودية ناقشت كتاب «حوكمة الصين تحت قيادة شي جين بينغ» والذكرى الأولى لمبادرة الحوكمة العالمية، بمشاركة مؤسسات إعلامية من البلدين.
وشهدت جدة خلال 2026 لقاءات بين القنصلية الصينية ومسؤولين محليين وجامعات وممثلين عن القطاع الخاص، تناولت البنية التحتية والتجارة والثقافة والاستثمار. وفي لقاء سابق مع أمين محافظة جدة، قال يانغ يي: إن الشركات والجالية الصينية تسهمان في دعم «رؤية السعودية 2030» والتنمية الاقتصادية والثقافية في جدة، فيما رحب الجانب السعودي بمزيد من الاستثمارات الصينية.
وتتقاطع في هذا السياق مبادرة «الحزام والطريق» مع «رؤية السعودية 2030» في مجالات الاقتصاد والتجارة والعلوم والتكنولوجيا والثقافة والتعليم.
ومع دخول الشراكة الاستراتيجية الشاملة عامها الحادي عشر، تتوزع مجالات التعاون السعودي–الصيني بين التجارة والطاقة والاستثمار والصناعة والتقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة، إلى جانب التعليم والثقافة والإعلام، بعد 36 عامًا من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وفي ختام كلمته، أشار يانغ يي إلى رمزية اكتمال القمر في الثقافة الصينية والهلال في الثقافة العربية، في إشارة إلى البعد الثقافي للعلاقة الممتدة بين البلدين.