سعدون مطلق السوارج
في الاقتصاد الحديث، لا تُقاس قيمة السيارة بعدد العجلات التي تتحرك على الطريق، بل بحجم الصناعات والمعرفة والتقنية والاستثمارات التي تتحرك خلفها. فكل سيارة تُنتجها دولة تحمل معها سلسلة واسعة من الهندسة والبرمجيات وسلاسل الإمداد والكفاءات والخدمات، ولذلك فإن دخول المملكة العربية السعودية إلى صناعة السيارات لا يمكن قراءته بوصفه إطلاق منتج جديد فحسب، وإنما بوصفه انتقالاً إلى مرحلة جديدة من بناء قاعدة صناعية متقدمة.
ومن هنا تأتي دلالة إطلاق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة -حفظه الله-، أولى سيارات شركة «سير» الوطنية للسيارات تحت مسمى «إكزوبوت» في 21 سبتمبر 2026؛ باعتبارها خطوة جديدة في مسار استراتيجي تقوده المملكة لبناء منظومة صناعية متقدمة، وتوطين المعرفة والتقنية، وتعزيز حضور الاقتصاد السعودي في القطاعات المستقبلية.
لكن أهمية هذا الإطلاق لا تبدأ من السيارة نفسها، وإنما من المسار الذي سبق ظهورها.
ففي عام 2022 أطلق ولي العهد شركة «سير» بوصفها أول علامة تجارية سعودية لصناعة السيارات الكهربائية، في خطوة ارتبطت منذ بدايتها باستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة لتمكين القطاعات الواعدة وتنويع مصادر الاقتصاد السعودي وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. ولم يكن الهدف بناء علامة سيارات جديدة فقط، بل تطوير منظومة صناعية وطنية، وجذب الاستثمارات المحلية والدولية، وخلق فرص للكفاءات الوطنية والقطاع الخاص، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
وهنا تظهر قيمة ما حدث اليوم؛ فإطلاق «إكزوبوت» يمثل انتقالاً من مرحلة الإعلان عن المشروع إلى مرحلة ظهور المنتج السعودي أمام العالم.
واللافت أن «إكزوبوت» لا تأتي كمنتج منفرد، بل كأولى سيارات أسطول مخطط له أن يضم سبعة إصدارات تُطرح تباعاً خلال السنوات الخمس المقبلة، بما يكشف أن المشروع يتجه إلى بناء قاعدة إنتاج متكاملة قادرة على التوسع، وليس الاكتفاء بإنتاج نموذج واحد.
وهنا تتضح دلالة أكثر عمقاً: المملكة لا تبني سيارة فقط، بل تبني صناعة حول السيارة.
فسيارات «سير» ستُنتج في مجمع «سير» الصناعي ضمن مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، في منشأة وصفتها «واس» بأنها الأكبر من نوعها في الشرق الأوسط وإحدى أكثر منشآت صناعة السيارات تقدماً على مستوى العالم. كما أن سيارات «إكزوبوت» صُممت وهُندست محلياً، واستُلهم تصميمها من أرض المملكة وثقافتها ورؤيتها.
وهذا هو الفارق بين استيراد السيارات وصناعة السيارات.
فالمنتج المستورد ينتهي أثره الاقتصادي عند حدود البيع والاستخدام، أما الصناعة الوطنية فتفتح وراء المنتج سلسلة طويلة من النشاط الاقتصادي: مهندسون ومبرمجون ومصممون وموردون وخدمات لوجستية ومصانع ومراكز تطوير واستثمارات وشركات صغيرة ومتوسطة، وصولاً إلى بناء خبرة وطنية تتراكم من جيل إلى آخر.
ومن هنا يمكن قراءة «سير» باعتبارها إحدى الصور العملية للتحول الذي تستهدفه رؤية السعودية 2030؛ رؤية لا تكتفي بتنويع مصادر الدخل، وإنما تعمل على توسيع قاعدة الإنتاج، وتمكين القطاعات الجديدة، ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد، وتحويل المملكة إلى بيئة قادرة على استقطاب رأس المال والمعرفة والتقنية في آن واحد.
وهذه الرؤية لم تعد مجرد إطار نظري يشرح المستقبل، بل أصبحت مجموعة من المشاريع والمنظومات التي تظهر نتائجها تدريجياً في قطاعات متعددة. وصناعة السيارات الكهربائية واحدة من القطاعات التي تجمع بين الصناعة والتقنية والطاقة والذكاء الاصطناعي والبرمجيات والاتصال، ولذلك فإن الاستثمار فيها يعني الاستثمار في مجموعة من الصناعات المتداخلة، وليس في المركبة وحدها.
والأهم أن هذه الصناعة تُبنى في المملكة ضمن منظومة يقودها صندوق الاستثمارات العامة باعتباره محركاً رئيسياً لتنويع الاقتصاد، حيث تأسست «سير» ضمن استراتيجية تستهدف تطوير منظومة محلية تنافسية لصناعة السيارات، وجذب الاستثمارات، وخلق الفرص للقطاع الخاص، وزيادة الناتج المحلي.
وهنا يبرز الدور الاستراتيجي للقيادة الرشيدة بصورة واضحة.
فولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- لم يقدّم «سير» عند إطلاقها عام 2022 باعتبارها مشروعاً منفصلاً عن الاقتصاد السعودي، بل ربطها بتطوير المنظومة الصناعية الوطنية، وجذب الاستثمارات، واستحداث فرص العمل، وتمكين القطاع الخاص، وزيادة الناتج المحلي بما يتوافق مع رؤية 2030. واليوم، عند إطلاق أولى سياراتها، يعود هذا المشروع إلى الواجهة وقد انتقل من الفكرة إلى المنتج ومن التخطيط إلى التصنيع.
وفي هذا الانتقال تكمن قوة الرؤية؛ فالاستراتيجيات الكبرى لا تُقاس فقط بما تعلنه عند بدايتها، وإنما بقدرتها على تحويل الطموح إلى مؤسسات ومشاريع ومنشآت ومنتجات وأسواق.
ولذلك فإن «إكزوبوت» تمثل في أحد أبعادها صورة لذلك التحول: علامة سعودية، وسيارات صُممت وهُندست محلياً، وتصنيع داخل المملكة، ومنشأة صناعية متقدمة، وخطة توسع تشمل سبعة إصدارات، وكل ذلك ضمن منظومة اقتصادية أوسع تقودها رؤية السعودية 2030.
وتزداد أهمية المشروع عند النظر إلى أثره الاقتصادي المتوقع.
فبحسب البيانات الرسمية، من المتوقع أن تسهم شركة «سير» بأكثر من 30 مليار ريال سعودي، أي نحو 8 مليارات دولار، في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بحلول عام 2034، وأن تسهم في تحسين الميزان التجاري بنحو 80 مليار ريال، أي ما يقارب 21 مليار دولار، إلى جانب توفير وظائف نوعية مباشرة وغير مباشرة. وهذه أرقام مستقبلية مستهدفة، وليست نتائج محققة في الوقت الراهن، وهو ما يجعل الدقة في قراءتها أمراً ضرورياً.
لكن الرقم الأهم ليس الرقم وحده، بل ما يعكسه من حجم الطموح الصناعي.
فحين يصبح قطاع السيارات قادراً على إضافة مليارات الريالات إلى الناتج المحلي، فإنه يتحول من نشاط إنتاجي محدود إلى أحد روافد الاقتصاد. وحين يرتبط ذلك بتحسين الميزان التجاري وخلق وظائف نوعية وجذب الاستثمارات، فإن الصناعة تصبح جزءاً من منظومة التنويع الاقتصادي التي تستهدفها المملكة على المدى الطويل.
كما أن الشراكات التي قامت عليها «سير» منذ تأسيسها تكشف عن منهج يقوم على الجمع بين رأس المال الوطني والخبرة التقنية العالمية؛ فقد تأسست الشركة كمشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة «فوكسكون»، مع حصولها على تراخيص تقنية لمكونات السيارات الكهربائية من «بي إم دبليو»، بما يدعم بناء المعرفة والخبرة اللازمة لتطوير المركبات داخل المملكة.
وهذا يقود إلى نقطة جوهرية في صناعة المستقبل: الدول لا تصبح مراكز صناعية متقدمة بمجرد امتلاك مصنع، وإنما بامتلاك منظومة معرفة وقدرة على التطوير والتوسع.
فالسيارة الكهربائية الحديثة لم تعد مجرد هيكل ومحرك، بل أصبحت منصة تجمع البرمجيات والأنظمة الذكية والإلكترونيات والاتصال وتقنيات القيادة المتقدمة. ولذلك فإن بناء صناعة السيارات الكهربائية يفتح الباب أمام تنمية قطاعات تقنية أخرى، ويخلق طلباً على المهارات الهندسية والبرمجية والتصميمية، ويمنح القطاع الخاص فرصاً جديدة للدخول في سلسلة القيمة.
ومن هذه الزاوية، يصبح تمكين الكفاءات الوطنية جزءاً أساسياً من المشروع، لا نتيجة جانبية له.
فالمنشأة الصناعية تستطيع أن تنتج سيارة، لكن الكفاءات هي التي تستطيع أن تطور الجيل التالي منها، وتبني المعرفة المتراكمة، وتؤسس شركات جديدة، وتوسع سلسلة الإمداد، وتدفع الصناعة من مرحلة التصنيع إلى مرحلة الابتكار.
وهذه هي الصورة الأوسع التي تقدمها «سير»: اقتصاد سعودي لا يكتفي بجذب المنتجات، وإنما يعمل على بناء المنتجات؛ ولا يكتفي باستخدام التقنية، وإنما يسعى إلى توطينها وتطوير القدرات المرتبطة بها؛ ولا ينظر إلى الصناعة باعتبارها نشاطاً منعزلاً، بل باعتبارها منظومة قادرة على خلق أثر اقتصادي واسع.
ومن هنا فإن إطلاق «إكزوبوت» يحمل دلالة تتجاوز حدود قطاع السيارات. إنه يعكس اتجاهاً سعودياً نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وتوسيع القاعدة الصناعية، واستثمار الإمكانات الوطنية في قطاعات عالمية شديدة التنافس.
وإذا كانت السيارة هي الصورة التي يراها الناس اليوم، فإن خلفها صورة أكبر: رؤية استراتيجية، واستثمارات، ومنشآت، وشراكات، وكفاءات وطنية، وسلاسل إمداد، وطموح لصناعة تمتد من السوق المحلي إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وهنا تحديداً يمكن فهم كلمات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- عند إطلاق أولى سيارات «سير»، حين وصف الخطوة بأنها جزء من رحلة المملكة لبناء منظومة صناعية مستدامة ومزدهرة، وتمكين صناعة السيارات لتكون رافداً أساسياً للنمو الاقتصادي، من خلال جذب الاستثمارات وتمكين الكفاءات الوطنية وتعزيز دور القطاع الخاص، وصولاً إلى أن تكون المملكة مركزاً إقليمياً وعالمياً رائداً في هذا القطاع.
إنها رؤية تتعامل مع الصناعة باعتبارها أداة لبناء المستقبل، لا مجرد وسيلة لإنتاج سلعة.
ومن هنا فإن «إكزوبوت» ليست نهاية مشروع «سير»، بل بداية مرحلة جديدة في مسارها؛ كما أن «سير» نفسها ليست مشروعاً منفصلاً عن التحول السعودي، وإنما إحدى الأدوات التي تجسد كيف يمكن لرؤية السعودية 2030 أن تنتقل من الأهداف الاستراتيجية إلى قطاعات ومصانع ومنتجات وأسواق.
وما يخرج اليوم من خطوط الإنتاج في المملكة لا يمثل مجرد سيارة تحمل علامة سعودية، بل يحمل معه اختباراً حقيقياً لقدرة الصناعة الوطنية على النمو والتوسع والمنافسة وبناء قيمة اقتصادية مستدامة.
فحين تصنع المملكة سيارة تحمل هويتها، فهي لا تصنع مركبة للطريق فقط؛ بل تصنع طريقاً جديداً للاقتصاد. وحين يقود هذا الطريق رؤية واضحة، وقيادة تصنع المستقبل، واستثمار يبني الصناعة، وكفاءاتٌ تحمل المعرفة، فإن «إكزوبوت» لا تكون مجرد أولى سيارات «سير»؛ وإنما تصبح علامة على فصل صناعي سعودي جديد، يكتب فيه طموح المملكة على الطريق، وتكتب فيه رؤية 2030 ملامح اقتصاد المستقبل.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي