عوض علي أحمد الطالبي
هندسة العدالة المعاصرة: كيف أعاد الدكتور وليد الصمعاني صياغة المنظومة القضائية في عصر الرؤية؟
شهد المرفق العدلي في المملكة العربية السعودية خلال العقد الأخير تحولات جذرية تخطت الأطر التقليدية البيروقراطية لتلامس آفاق الكفاءة المؤسسية الكاملة والتحول الرقمي الشامل. ولم يكن هذا التحول بموجبات الصدفة، بل جاء نتاج استراتيجية وطنية طموحة وضعتها القيادة الرشيدة ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وترجمتها عقول قيادية متمكنة على أرض الواقع. ويقف على رأس هذا الهرم التطويري معالي وزير العدل، رئيس المجلس الأعلى للقضاء المكلف، الدكتور وليد بن محمد الصمعاني، الذي تمكن منذ توليه حقيبة الوزارة في عام 2015م من إحداث نقلة نوعية وتاريخية في بنية القضاء السعودي وآليات عمله.
الجذور الأكاديمية والمهنية: تكوين رجل القضاء والتشريع
لقد كانت النشأة العلمية والمسيرة العملية للدكتور وليد الصمعاني بمثابة الأساس الصلب الذي انطلقت منه رؤيته الإدارية؛ فقد حصل معاليه على درجة البكالوريوس في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قبل أن يواصل شغفه المعرفي بنيل درجتي الماجستير والدكتوراه في السياسة الشرعية والقانون المقارن مع مرتبة الشرف الأولى من المعهد العالي للقضاء. ولم يكن عطاؤه نظرياً فحسب، بل صقلته الممارسة الميدانية الطويلة عندما التحق بالسلك القضائي في ديوان المظالم (القضاء الإداري)، حيث عمل قاضياً في دوائر مختلفة شملت القضاء الإداري، والتأديبي، والجزائي، والتجاري.
هذا المزيج الفريد بين عمق الفقه الشرعي وضوابط القانون المقارن، مضافاً إليه خبرته القضائية الميدانية، مكّنه من فهم الثغرات الهيكلية التي كانت تواجه المرافق القضائية. وحينما كُلّف مستشاراً في ديوان سمو ولي العهد عام 2013م، ثم صدر الأمر الملكي الكريم بتعيينه وزيراً للعدل في مطلع عام 2015م، كان يحمل في جعبته تصوراً واضحاً لكيفية تحويل البيئة القضائية من نمطها التقليدي البطيء إلى منظومة عدلية سريعة، شفافة، وذكية.
الثورة الرقمية العدلية: من السجلات الورقية إلى منصة «ناجز»
إذا أراد المؤرخون تأريخ التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية العربية، فإن تجربة وزارة العدل السعودية ستظل نموذجاً يُحتذى به كقصة نجاح استثنائية. فقبل سنوات قليلة، كان المستفيد من الخدمات العدلية يواجه رحلة طويلة ومعقدة بين أروقة المحاكم وكتابات العدل، تبدأ بملفات ورقية ضخمة وتنتهي بمواعيد متباعدة تستهلك الوقت والجهد.
تحت قيادة الصمعاني، رفعت الوزارة شعار «ورق أقل.. كفاءة أعلى»، لتبدأ مرحلة تصفير المعاملات الورقية والتحول نحو الرقمية الكاملة. وتوّجت هذه الجهود بإطلاق منصة ناجز الإلكترونية، والتي تحولت من مجرد بوابة خدمية إلى منظومة عدلية متكاملة تقدم أكثر من 160 خدمة إلكترونية بشكل كامل. اليوم، بات بإمكان المواطن والمقيم والمستثمر تقديم الدعاوى، وحضور الجلسات القضائية عبر المحاكمة عن بُعد (التقاضي الإلكتروني)، واستلام الأحكام، وتدقيقها، وتدشين الوكالات، وإفراغ العقارات، والتقدم بطلبات التنفيذ دون الحاجة لزيارة المرفق العدلي نهائياً.
ولم يقف التحول عند تيسير الخدمات للمستفيدين فحسب، بل امتد ليرفع من كفاءة العمل الداخلي للمحاكم؛ حيث أصبحت الملفات القضائية تدار بالكامل رقمياً عبر «الملف الإلكتروني الموحد للقضية»، مما قضى على مشكلات ضياع المستندات أو تأخر وصول خطابات التبليغ التي أصبحت تتم بشكل فوري عبر المنصات الرقمية المعتمدة بالتكامل مع قطاعات الدولة الأخرى.
الجودة القضائية والنضج المؤسسي: هندسة المخرجات العدلية
لطالما أكد الدكتور وليد الصمعاني في اللقاءات المتعددة مع رؤساء المحاكم أن «النضج المؤسسي والجودة القضائية هما محور المرحلة الحالية والمستقبلية لتطوير القضاء». فالتحول الرقمي يظل وسيلة لتسهيل الإجراءات، أما الغاية الأساسية فهي تجويد المخرج القضائي وضمان عدالته واستقراره.
ولتحقيق ذلك، ركزت الوزارة على تعميق المأسسة داخل المحاكم عبر فصل العمل الإداري عن العمل الموضوعي للقاضي. في الماضي، كان القاضي يقضي جزءاً كبيراً من وقته في جدولة المواعيد، وتدقيق المستندات الإدارية، وإدارة شؤون الجلسة. أما اليوم، فتم تفعيل «مراكز الخدمات القضائية المشتركة» ورفد المحاكم بوحدات دعم متخصصة تتولى تهيئة الدعاوى وتدقيقها والتأكد من اكتمال مسوغاتها النظامية قبل عرضها على ناظر القضية. هذا الإجراء أتاح للقضاة التفرغ التام للجانب الموضوعي والدراسة الفقهية والنظامية الدقيقة للوقائع، مما انعكس إيجاباً على سرعة الفصل في القضايا واستقرار الأحكام.
بالتوازي مع ذلك، شهدت المنظومة إطلاق مشروعات كبرى تعنى بتطوير المخرج القضائي، ومن أبرزها تفعيل الرقابة القضائية، وتعزيز التحول المؤسسي عبر مشروعات «التنبؤ القضائي» ودراسة اتساق الأحكام. حيث تسعى المنظومة عبر استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة للمؤشرات القضائية إلى تحديد فرص التحسين ورصد الإشكالات المتكررة ومعالجتها بشكل استباقي، لضمان تطبيق الأنظمة بمرونة وشفافية وبأعلى درجات الموثوقية.
-يتبع-