د. ياسين علي محمد عزي
لم يبلغ الصاروخ الحوثي الرياض؛ حسمته الدفاعات السعودية في السماء، غير أن نهاية المقذوف لم تكن نهاية أثره الممكن. فبعد اعتراضه، بدأت شائعة «تفجير مطار الرياض» تُبنى من أجزاء المشهد نفسه؛ دخان حقيقي قرب مطار الملك خالد، وثقته صور ومقاطع نشرتها «رويترز» من غير أن تحسم صلته بهدف بعينه، وادعاء حوثي عن استهداف «أهداف حساسة» في الرياض من غير تحديد لما استُهدف، ثم وُضع أحدهما إلى جوار الآخر حتى اكتسب التجاور دلالة لم تمنحها الوقائع لأي منهما منفردا. لم تعد الشائعة، بهذا البناء، خبرا يُمتحن في حدود عبارته، بل مدخلا إلى صورة أوسع للصراع؛ فالدولة التي تحمي سماءها من المقذوف، تواجه بعد اعتراضه صراعا على معنى ما حدث: ماذا سيبقى من الواقعة في وعي الناس، وما الذي ستضيفه الرواية إلى ما لم يستطع الخصم تحقيقه في الميدان؟ تصبح حماية الحقيقة بذلك امتدادا لحماية المكان، ويغدو الوعي أحد ميادين القوة. ولا تقف القراءة عند المعلومة منفردة، بل تلاحق ما تفعله اللغة بالعلاقات بينها: كيف تنتقي من الواقع، وتعيد ترتيب أجزائه، وتمنح التجاور هيئة السببية، والادعاء هيئة الواقعة، والاحتمال سلطة اليقين؟ تلك هي «معركة الكلمة»؛ حين يعجز الخصم عن ترك أثره في سماء المدينة، فتحاول اللغة أن تصنع له في الوعي ما لم يصنعه في الميدان.
قد تبقى الوقائع صحيحة في حدودها، فيما يقود اجتماعها إلى معنى لا تقوله أي منها منفردة. صورة لم تُزوّر، وقول لم يُحرّف، وواقعة لم تُختلق؛ ثم يغيّر ترتيبها داخل الخطاب وجهة المعنى. لا يعود السؤال متعلقا بما تقوله كل معلومة وحدها، وإنما بما أصبحت تقوله بعد أن جاورت غيرها: كيف تجاوزت الصورة حدود ما تُظهره إلى ما قيل إنها تعنيه؟ وكيف صار التجاور سببا، والادعاء واقعة، والاحتمال يقينا؟ تحليل الخطاب يمتحن هذه العلاقات، ويتتبع ما أضافته اللغة إلى الحدث أثناء انتقاله من الواقع إلى الخبر، ومن الخبر إلى الوعي. وحراسة الوعي تبدأ من إبقاء المعنى في حدود ما تمنحه الوقائع، حتى لا تكتب اللغة للحدث تاريخا لم يقع.
ذاكرة الرياض ذاتها تحتفظ، عبر أكثر من عقدين، بأثر هذا التحول في طبيعة الخطر؛ ففي 2003 كان الإرهاب يفرض أثره ماديا، فتتركز الجهود على منع تكرار الاعتداء، وتطوير أدوات المواجهة. أما في 2026، فلم يعد الخطر محصورا في المقذوف الحوثي ذاته، بل امتد إلى ما يُبنى حوله من رواية؛ فيستعيد الإخفاق الحوثي بعض أثره داخل السرد، ويتقدم الادعاء على دليله، وتصبح صياغة الخبر جزءا من الأثر السياسي والنفسي للحدث.
بعد عشرة أعوام ويوم واحد من تفجيرات الرياض التي وقعت في 12 مايو 2003، عاد الباحث النرويجي توماس هيغ هامر إلى التجربة السعودية في مقال نشرته «الشرق الأوسط» في 13 مايو 2013 بعنوان «تفجيرات الرياض.. عشر سنوات وعشرة دروس». ومن بين ما استخلصه أن التكنولوجيا قد تمنح الجماعات الإرهابية أفضلية تكتيكية في المدى القصير، لكن أثر هذه الأفضلية يتراجع مع مرور الوقت كلما تطورت أدوات التتبع والمواجهة. كما رأى أن حملة القاعدة داخل المملكة ارتدت على التنظيم نفسه، فأضعفت شبكاته وكبحت قدرته على الاستمرار.
كان هيغ هامر يتحدث يومها عن الإنترنت والهواتف المحمولة والكاميرات الرقمية بوصفها أدوات تساعد التنظيم على الاتصال والحركة والدعاية، غير أن ما جرى بعد ذلك تجاوز حدود الأداة نفسها؛ فالشاشة لم تعد وسيطا ينقل أثر الهجوم فقط، بل أصبحت فضاء يعاد فيه ترتيب الحدث وبناء دلالته، حتى لم يعد السؤال مقتصرا على ما استطاع الخصم أن يفعله، بل امتد إلى ما يستطيع تثبيته في وعي الآخرين بوصفه الصورة التي ينبغي أن تُفهم بها الواقعة.
في أحداث الرياض خلال سبتمبر 2026 بدا هذا التحول أكثر وضوحا؛ فاعتراض الصاروخ أنهى خطره المادي، بينما بقي معنى الحدث قابلا لإعادة البناء داخل المنصات والعناوين والصور المتداولة. لم تعد المنافسة على ما جرى وحده، بل على الصيغة التي سيستقر بها ما جرى في وعي الناس بعد انتهائه في الميدان.
ظهرت قرب مطار الملك خالد صور لدخان، وفي الوقت نفسه بث الحوثيون ادعاءات عن استهداف ما وصفوه بـ«أهداف حساسة». وبين ما ظهر للعين وما قيل في الخطاب بدأت مساحة التأويل؛ فالدخان لا يقول وحده إن المطار قُصف، والادعاء لا يتحول إلى حقيقة لمجرد مجاورته للصورة، لكن جمعهما داخل عنوان واحد قد يدفع القارئ إلى نتيجة لم تثبتها أي منهما منفردة.
وعبارة «دخان قرب المطار» ليست هي «تفجير المطار»، إلا أن المسافة بينهما قد تضيق في ذهن المتلقي إذا جاء العنوان مشحونا، أو سقطت نسبة القول إلى صاحبه، أو قُرئ تجاور حدثين في الزمن كما لو كان علاقة سبب ونتيجة. فلا يكون التضليل في الصورة ولا في العبارة وحدهما، بل في الصلة التي صُنعت بينهما.
قد يبدأ التضليل من حقيقة جزئية، ثم يعيد ترتيب الصلات بينها حتى تفضي إلى نتيجة لا تثبتها مادتها الأصلية. صورة صحيحة في حدود ما تُظهره، وتصريح ثابت في حدود قائله، وواقعة قائمة بذاتها؛ لكن ترتيبها داخل سرد واحد قد يصنع للقارئ سببية لم تقع، أو يقينا لم يكتمل دليله. ولا تكون المشكلة في المعلومة منفردة، بل في الهندسة التي جمعتها بغيرها ومنحتها معنى لم تكن تملكه وحدها.
بعد أيام من حدث الرياض، ظهرت الآلية نفسها في سياق مختلف؛ ففي جلسة لمجلس النواب العراقي نُسب ارتفاع تكاليف نقل النفط العراقي إلى شراء المملكة 25 ناقلة نفطية، قبل أن توضح وزارة الطاقة السعودية في 22 سبتمبر أن المملكة لم تشتر تلك الناقلات، وأن ارتفاع تكاليف النقل يرتبط، وفق بيانها، بالتصعيد العسكري والهجمات الإيرانية المعلنة على السفن واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، وما صاحب ذلك من ارتفاع مخاطر الشحن والتأمين وتراجع المعروض من الناقلات في المنطقة.
ارتفاع تكلفة النقل واقعة قابلة للتحقق، والحديث عن شراء الناقلات قول طُرح فعلا، لكن ربطهما بعلاقة السبب والنتيجة أنشأ ادعاء جديدا لا تمنحه الواقعتان صحته تلقائيا. وحين نفت وزارة الطاقة أصل شراء الناقلات، لم يكن التصحيح متعلقا برقم عابر، بل بالصلة التي حملت التفسير كله؛ فالنتيجة بقيت قائمة، بينما السبب الذي أُلصق بها فقد أساسه.
قد تبقى الوقائع صحيحة في حدودها، بينما يُعاد تشكيل ما بينها. يرى الجمهور صورة حقيقية، فيأتي العنوان ليقترح زاوية بعينها لقراءتها؛ ويسمع تصريحا ثابتا، ثم يوضع إلى جوار واقعة أخرى فتنشأ بينهما سببية لم يقلها التصريح ولم تثبتها الوقائع. ولا تصبح هندسة المعنى رهينة المعلومة المختلقة، بل قد تنشأ من ترتيب حقائق صحيحة على نحو يجعلها تقول مجتمعة ما لا تقوله منفردة.
تزداد صعوبة قراءة الرواية حين لا تكمن المراوغة في المعلومة نفسها، بل في الصلة التي صيغت بينها وبين غيرها؛ فالكذبة الصريحة قد يسقطها دليل واحد، أما السببية المضللة فتتخفى داخل ترتيب يبدو منطقيا، حتى يصبح الانتقال من الواقعة إلى تفسيرها أكثر خطرا من الواقعة نفسها. وصحة طرفي الجملة لا تكفي، ما لم تكن العلاقة بينهما قد ثبتت أيضا.
في 24 سبتمبر ظهر مثال ثالث، مختلف في طبيعته عن المثالين السابقين؛ إذ نشرت إحدى الصحف المحلية السعودية خبراً عن مقطع متداول يظهر فيه وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند مع القيادي الحوثي أحمد محمد يحيى الوشلي، ونقلت عن الوزير قوله: «العزيمة التي عندكم هي من تحفزنا.. والموضوع ليس صاروخا فقط». واختارت الصحيفة أن تبقي العبارة في حدود ما تسمح به مادتها، فطرحت أسئلة المقصود والسياق وطبيعة اللقاء، دون أن تضيف إلى المقطع دلالة لم يثبتها بذاته.
وما استوقفني في «ليس صاروخا فقط» هو ذلك الجزء الذي لم يُقل. فـ«فقط» تجعل الصاروخ بعض المعنى لا كله، ثم تترك ما عداه دون تسمية. المتحدث نفى أن يكون الأمر مقصورا على الصاروخ، لكنه لم يسم ما يتجاوزه؛ فبقي في الجملة غياب له وظيفة، لا معنى يجوز لنا أن نملأه.
فالجملة السياسية لا تعمل بما تصرح به وحده، بل كذلك بما تؤجله، وما تتركه بلا تسمية، والطريقة التي يُسند بها القول، والعلاقات التي يصنعها العنوان من حوله. وقد يغيّر فعل واحد، أو نسبة واحدة، أو حرف جر، موقع القارئ من شاهد على واقعة إلى شريك في تأويلها؛ فتغدو اللغة جزءا من الطريقة التي تُصنع بها السياسة في الوعي، لا مجرد وصف لما يجري فيها.
تصبح اللغة جزءا من الأمن المعرفي للمجتمع حين تضبط الفاصل بين ما وقع وما قيل إنه وقع، وبين الادعاء والدليل، وبين التجاور والسببية، وبين السؤال المشروع وما يستند فعلا إلى برهان. فهي لا تغير الواقعة، لكنها تستطيع أن تمنع معناها من أن يسبقها أو يتجاوزها.
لذا لا تمتحن مهنية الإعلام بصحة المعلومة منفردة؛ فالسؤال يمتد إلى ما صنعه النص بها: هل ثبتت العلاقة بين الوقائع أم اكتفينا بتجاورها؟ هل بقي الادعاء منسوبا إلى صاحبه أم منحه العنوان هيئة المعلومة؟ هل نقلنا ما رأته الكاميرا أم استكملنا لها ما لم تره؟ وهل خرج القارئ من النص وهو يميز بين الواقعة وتفسيرها، وبين القول وما يسنده؟
ولا تقف هذه الأسئلة عند اللغة بوصفها صياغة للحدث؛ فهي تمس الصراع على معناه نفسه. فالرواية لا تنازع على ما جرى وحده، بل على ما سيعنيه ما جرى: أين توضع القوة والفشل، وعلى من تستقر المسؤولية، وبأي صورة يبقى الحدث في الذاكرة بعد أن يخفت صخبه. ومن ينجح في تثبيت العلاقات التي تخدم روايته قد ينتزع أثرا سياسيا لم تمنحه إياه الوقائع ذاتها.
أفهم الكتابة الوطنية بوصفها فعلا يشارك في حماية المعنى العام وصون الوعي من أن تُفرض عليه رواية تتجاوز حدود ما ثبت؛ فالوطن في أزمنة الاستهداف لا يواجه الصاروخ والمسيّرة وحدهما، بل يواجه كذلك ما يُبنى حولهما من سرد قد يمنح الخصم أثرا يتجاوز ما استطاع تحقيقه في الميدان. وتبدأ قيمة الكاتب حين لا يكتفي بمتابعة الخبر، بل يقرأ اللغة التي صيغ بها، ويميز بين الادعاء ودليله، وبين الصورة وما أضيف إليها، وبين الواقعة وما أعيد تركيبه حولها أثناء انتقالها في المجال الإعلامي.
تزداد قيمة الكتابة الوطنية كلما جعلت من الدقة أداة قوة، ومن الوعي باللغة وسيلة لحماية صورة الوطن من الاختزال والتشويه؛ فالكاتب الذي يقرأ كيف صيغ الخبر، وما الذي أبرزه العنوان أو حجبه، وكيف رتبت الوقائع وربط بعضها ببعض، لا يضيف تفسيرا إلى الحدث فحسب، بل يشارك في تحصين المجال الذي يتشكل داخله فهم المجتمع لما يجري. ويصبح النص نفسه جزءا من المناعة المعرفية، لأنه يحرم الرواية المعادية من أن تستكمل في الوعي ما لم تستطع إنجازه في الميدان.
لا تنتهي مسؤولية الإعلام عند نشر الخبر؛ فالكلمة ما إن تدخل المجال العام حتى يتجاوز أثرها وقت النشر، وتشارك في تشكيل الذاكرة التي سيُستعاد منها الحدث لاحقا. ويغدو ضبط الصلة بين الوقائع، والانتباه إلى ما تصنعه الصورة وما يضيفه العنوان، وما تقوله اللغة وما تتركه بلا تصريح، من صميم أمانة المهنة؛ لأن الخبر لا ينقل ما وقع فقط، بل يشارك في تثبيت الصورة التي سيبقى بها الحدث بعد انطفاء صخبه.
ولا تنتقص هذه الصرامة من استقلال الصحافي أو الكاتب، بل تعطيه وزنه الحقيقي؛ فالمهنية تبدأ من إبقاء المسافة واضحة بين ما ثبت وما رُجح، وبين ما قيل وما أمكن التحقق منه، وبين ما أظهرته الوقائع وما أضافه التأويل. وكلما حفظ الإعلام هذه الحدود، قل احتمال استدراجه إلى استكمال قصة لم تكتمل شواهدها بعد.
تحليل الخطاب لا يقف عند الكلمات منفردة، بل ينظر في النظام الذي منحها معناها داخل الرواية؛ ما حضر وما غاب، وما تقدم وما تأخر، ومن سُمّي ومن تُرك بلا تسمية، وما الذي صنعه العنوان والصورة والترتيب والصمت بين واقعة وأخرى. فالتضليل لا يقتضي دائما تغيير الحقيقة في مادتها؛ قد يكفي أن تتغير العلاقات بين أجزائها حتى تنتهي حقائق لا خلاف عليها إلى معنى لم تنتجه الوقائع وحدها.
وفرة المعلومات لا تحصن الوعي بالضرورة؛ فقد يرى المتلقي صورة حقيقية، ويسمع عبارة قيلت فعلا، ويقرأ رقما صحيحا، ثم ينتهي إلى استنتاج مضلل لأن العلاقة بين تلك الأجزاء سبقت وصولها إليه مكتملة البناء. وقيمة قراءة الخطاب لا تقف عند السؤال عما حدث، بل تمتد إلى كيفية بناء ما حدث داخل اللغة، وما أُبرز منه وما غاب، والسياق الذي وُضع فيه، والافتراضات التي حملها، والمعنى الذي انتهت إليه هذه الاختيارات مجتمعة.
وبين الرياض في 2003 وما شهدته في 2026 أكثر من ثلاثة وعشرين عاما؛ تغيرت معها هندسة الخطر نفسه. كان الإرهاب يومها يسعى إلى صناعة أثره في المكان، بينما أضاف الصراع المعاصر ميدانا آخر يمكن فيه للإخفاق الحوثي أن يُعاد تقديمه سرديا بحلة انتصار، حتى يكتسب الاحتمال هيئة الواقعة، ويُقرأ تجاور حدثين في الزمن كأنه علاقة سبب ونتيجة. ولم يعد السؤال أين انتهى المقذوف وحده، بل أي معنى سيبقى له بعد أن ينتهي.
كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة اتساع المعرفة؛ فسرعة الصور والمقاطع والعناوين قد تمنح المتلقي شعورا بأنه يرى المشهد كاملا، بينما يكون أمام أجزاء اختير ترتيبها قبل أن تصل إليه. قيمة الوعي ليست في مقدار ما يستقبله، بل في قدرته على مساءلة الصلات التي جُمعت بها تلك الأجزاء؛ فالمعلومة الصحيحة قد تقود إلى فهم مضلل إذا سبقتها إلى ذهن المتلقي علاقة لم تثبتها الوقائع.
ولا تبدأ «معركة الكلمة» بالضرورة من كذبة صريحة؛ فقد تكون مادتها صورة حقيقية قرب مطار لم يثبت قصفه، أو سببا اقتصاديا أُلصق بنتيجة لم تثبت صلته بها، أو عبارة سياسية دُفعت إلى معنى واحد فيما أبقت هي معناها دون ذلك الحسم. ليست قوة الرواية، في هذه الحالات، فيما اختلقته، بل فيما فعلته بالعلاقات بين ما لم تختلقه؛ إذ يكفي أن تتغير الصلة بين الوقائع حتى يتغير المعنى الذي تقوله مجتمعة.
وتتجلى قيمة تحليل الخطاب في قدرته على تتبع صناعة هذا المعنى قبل أن يستقر في هيئة حقيقة مكتملة؛ كيف تُنتقى الوقائع، وتُرتب مواقعها، وتُسمى الأشياء، وتُبنى العلاقات، وما الذي يظهره الخطاب وما يحجبه أو يتركه مضمرا، وما الذي تضيفه اللغة إلى الحدث أثناء انتقاله من الميدان إلى الخبر، ومن الخبر إلى الوعي. فاللغة لا تحمل الرواية فحسب؛ فيها يعاد بناء الصلات بين الوقائع، ومنها يخرج الحدث محملا بمعنى قد لا تمنحه إياه الوقائع وحدها.
قبل أكثر من عقدين كان الإرهاب يراهن على الأثر الذي يتركه في جسد المدينة؛ أما صراع اليوم فأضاف إلى ذلك رهانا على المعنى الذي يبقى للحدث في وعي الناس بعد انتهائه في الميدان. والدولة السعودية التي بنت من القوة والقدرة ما يحسم الخطر في سمائها وميدانها، تواجه في فضاء الرواية وجها آخر للصراع؛ إذ يحاول الخصم أن يسترد بالكلمة أثرا حرمته منه القوة السعودية بالفعل. وحماية الوطن، بهذا الاتساع، تشمل حماية دلالة ما يجري فيه من أن يعاد تشكيلها بما يمنح الإخفاق صورة غير صورته.
تلك هي «معركة الكلمة»: أن يجد ما لم يقع موضعا في الذاكرة، لا بقوة واقعة تثبته، بل بقوة العلاقات التي أقامها الخطاب حوله. فليس أخطر ما تفعله الرواية أن تبدل حقيقة، بل أن تبدل الصلات بين حقائق لا خلاف عليها، حتى تقول مجتمعة ما لم تقله منفردة. وفي الفارق بين أثر صنعه الخصم وأثر صنعته له اللغة، تبدأ حراسة الوطن من حراسة المعنى.