عنبر المطيري
عندما تتصفح ذاكرتي عين الأمس تهرول إليّ الحياة البسيطة وبداخلها تاريخ الأيدي العاملة، فكانت البيوت تعرف كيف تمنح يومها مذاقها الخاص مما تجود به النفس وتضعه في أيدي المهتمين من الأقارب والأصدقاء.
وسأسلط عيني هذه المرّة على سيدة الأمس التي وجدت في تلك الأعمال البسيطة المعنى الأكبر، حيث كانت تعتبره مورداً من خلال مهارتها التي تمرستها في حياتها وأعمالها اليومية كالمفارش التي طرزتها بيديها الصابرتين، البراقع المنسوجة، زيت الزيتون بالخوى جوى، البيز، البهارات، وبعض الأقمشة، تُعرَض وتُباع في دائرة اجتماعية.
كانت أيدي النساء ذلك الوقت تساهم في حركة الحياة وتمنح ذاتها وأبناءها درجة عالية من الاكتفاء.
ومن ناحية أخرى تختلف اهتمامات النساء من مدينة لمدينة، ومن قرية لقرية، ومن محافظة لمحافظة.
نساء الشمال يختلفن عن نساء الجنوب، ونساء الحجاز يختلفن عن نساء نجد تبعاً لما يُتيحه المكان طبعا وما تفرضه بيئتها من احتياجات كذلك، فبعض الجهات تهتم ببيع السدو، تطريز الملابس والمفارش والمناديل والوسائد مع اختلاف النقوش والخامات.
وقد أتطرق من هذا المنفذ إلى نساء الحجاز اللاتي يجدن صناعة العطور والبخور والخلطات العطرية كذلك، وبعض الأطعمة المهمة كالمخللات والدقة وبعض الحلويات التي تحمل الطابع الحجازي.
ولا أنسى اهتمامات نساء نجد وكما تعرفون نجد مترامية الأطراف باختلاف الطباع، فهناك فروق بين نساء الرياض ونساء القصيم وبين نساء الوشم ونساء سدير، كل بقعة منها تحمل طبائعها ومقتنياتها التي ترمز لها وتعنيها، فكانت اليد النجدية تعرف كيف تستخرج من الصوف والوبر نسيجًا، ومن الخيط ثوبًا، ومن الإبرة زينة، ومن خيرات النخلة مؤونةً تحفظها للبيت.
أما نساء القصيم فكان اهتمامهن يصب في السبح بشتى أنواعها فتختار حباتها وتنسقها وتجمعها، بالإضافة إلى إعداد التمور وحفظها وتجهيزها.
وصناعة بعض الأطعمة المنزلية كالمأكولات الشعبية مثلاً والتي تشتهر بها القصيم آنذاك.
والجدير بالذكر أن بعض المنتجات تشترك فيها مدن المملكة كالخياطة والتطريز، وإعداد الطعام، وصناعة العطور والبخور.
وبشكل خاص كان لكل مدينةٍ نساؤها، ولكل بيئةٍ مهاراتها فكما حفظت نساء الشمال أسرار الصوف والسدو، حملت نساء نجد حِرف البيت واحتياجاته، «وحملت نساء الحجاز ذاكرةً أكثر اتصالًا بالتجارة والحج وتنوع القادمين.
وفي كل ذلك كانت يد المرأة شريكةً صامتةً في اقتصاد البيت وذاكرة المجتمع.