د. عبدالمحسن الرحيمي
في جدة، في السابع عشر من سبتمبر، اجتمع 154 من قادة القوات البحرية والمخططين والسفراء وممثلي الاتحاد الأوروبي، يمثلون 41 دولة، في الاجتماع الرابع للتخطيط للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، الذي انتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة القدرة التشغيلية الأولية، وبدأ دمج القدرات والاستعداد للتنفيذ العملياتي والوجود الفعلي في منطقة المسؤولية البحرية. وكان الاجتماع امتدادًا لمبادرة سعودية بدأت في يوليو لتأسيس تحالف دفاعي متعدد الجنسيات يعزز أمن الملاحة ويحمي الممرات والمضائق البحرية، ويجعل مواجهة التهديدات التي تمس حرية الملاحة مسؤولية تشترك فيها دول متعددة.
ولم تأتِ هذه المبادرة بعيدًا عن واقع أمني عرفت المملكة تحدياته على مدى سنوات؛ فقد تعرض أمنها وسيادتها ومجالها الحيوي لمحاولات استهداف متكررة، وامتدت التهديدات إلى الأماكن المقدسة، ثم إلى أمن الملاحة والممرات البحرية، في منطقة يرتبط أمنها بحركة التجارة وسلاسل الإمداد ومصالح دول عديدة. ومع ذلك، لم يبقَ التعامل السعودي مع هذه التحديات في حدود الاستجابة للحدث، بل اتجه إلى بناء شراكة متعددة الجنسيات تقوم على تكامل القدرات، وتبادل المعلومات، ووحدة العمل، والاستعداد المشترك، بما يحول التهديد من أزمة متكررة إلى مسؤولية جماعية وأطر مؤسسية قادرة على التعامل معها.
هذه إحدى صفحات أطلس السياسة السعودي؛ أطلس لا يرسم النفوذ بقدر ما يرسم المسؤولية، ولا يجعل القوة غاية في ذاتها، وإنما يضعها داخل منظومة من السيادة والأمن والشراكة والاستقرار. وهو أطلس له جذور أبعد من اللحظة الراهنة، بدأ مع الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، في بناء دولة جعلت السيادة أساسًا للاستقرار، والأمن شرطًا لبناء الإنسان، ثم تطور عبر عقود الدولة السعودية حتى تعددت أدواته بين الدبلوماسية والتحالفات والاقتصاد والتنمية والشراكات الدولية والعمل الإنساني.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومع ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، اتسعت أدوات هذه المدرسة لتتعامل مع عالم تتشابك فيه المصالح والمخاطر، فلم يعد الأمن منفصلًا عن الاقتصاد، ولا التجارة عن الاستقرار، ولا التنمية عن البيئة الدولية التي تتحرك فيها الدول. وأصبحت الشراكات والتحالفات إحدى أدوات حماية المصالح الوطنية وتوسيع القدرة على التعامل مع الأزمات، من دون أن تفقد السيادة موقعها في قلب القرار.
وتتجاور السكينة والحزم داخل هذه المدرسة؛ فالسكينة ليست ترددًا، والحزم ليس اندفاعًا، والدبلوماسية ليست تنازلًا، والقوة ليست إغلاقًا لأبواب التفاهم. إن الدولة التي تعرف مصالحها تستطيع أن تكون هادئة حين يكون الهدوء أكثر قدرة على صناعة الحل، وحازمة حين تمس سيادتها وأمنها، ومنفتحة على الشراكة حين تكون الشراكة طريقًا إلى استقرار أوسع وأطول.
وقدم اجتماع جدة صورة عملية لهذا النهج؛ فقد تحولت المبادرة السعودية من فكرة لتأسيس تحالف دفاعي إلى إطار تشارك فيه عشرات الدول، ثم إلى مرحلة القدرة التشغيلية الأولية ودمج القدرات والاستعداد للعمل الفعلي. وفي هذا الانتقال تتحول المبادرة السياسية إلى مؤسسة، والقدرات المتفرقة إلى عمل منسق، وحماية الممرات البحرية إلى مسؤولية تتقاطع فيها مصالح دول متعددة.
غير أن هندسة الأثر السعودي لا تتوقف عند الأمن؛ فالمقصود بالقيادة هنا ليس قيادة الدول أو التدخل في سياساتها، وإنما الإسهام في دفع الطريق نحو السلام والتنمية، وحماية الإنسان، ودعم حقه في أن يعيش بأمن واستقرار وجودة حياة، من خلال بناء الشراكات والتحالفات، ومساندة الدول في أزماتها، ومساعدتها على استعادة توازنها والعودة إلى البناء. وعندما تتحول العلاقات الدولية إلى وسيلة لفتح أبواب جديدة أمام الدول والشعوب، يصبح أثر السياسة أبعد من حدود القرار نفسه.
ومن أكثر الإيماءات التي تختصر هذا المعنى ذلك المشهد الذي احتضنته الرياض في مايو 2025، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجه الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات عن سوريا، بعد طلب من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في خطوة قال ترامب إنها تتيح لسوريا فرصة لإعادة البناء. ثم صدر في يونيو أمر تنفيذي أمريكي أنهى برنامج العقوبات العام على سوريا، مع استمرار عقوبات محددة على أطراف وملفات بعينها.
لم تكن قيمة تلك الإيماءة في لحظتها السياسية وحدها، وإنما فيما يمكن أن تفتحه أمام بلد أنهكته سنوات الحرب والأزمة؛ فحين تصبح العلاقة الدولية طريقًا نحو إعادة البناء واستعادة النشاط الاقتصادي وتهيئة ظروف أفضل للحياة، تتحول الدبلوماسية من إدارة للخلاف إلى مساحة لصناعة المستقبل. وهنا تصبح الإيماءة في مشروع «الإيماءات التي قادت العالم» أوسع من الحركة الرمزية؛ إنها موقف أو قرار أو مبادرة يمكن أن يتجاوز أثرها لحظة حدوثها.
ومن الرياض أيضًا تمتد الإيماءة السعودية إلى الإنسان الذي يعيش في قلب الأزمات. فمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية يواصل دعمه للشعب اليمني الشقيق، كما تمتد برامجه إلى المحتاجين والمتضررين في دول ومناطق مختلفة حول العالم، عبر الغذاء والإيواء والرعاية الصحية ونزع الألغام وغيرها من البرامج الإنسانية. وهكذا تظل المسؤولية الإنسانية حاضرة حتى في أكثر البيئات السياسية والأمنية تعقيدًا، ويظل الإنسان جزءًا من الصورة لا هامشًا فيها.
وفي أطلس السياسة السعودي تتجاور هذه المسارات: تحالف يحمي الملاحة، وشراكة تتعامل مع أزمة، ودبلوماسية تفتح مجالًا لإعادة البناء، ومبادرة إنسانية تخفف معاناة شعب، وتنمية تمنح الإنسان فرصة أوسع للمستقبل. فالسيادة لا تنفصل عن المسؤولية، والأمن لا ينفصل عن التنمية، والقوة لا تلغي العمل الإنساني، بل يمكن لهذه العناصر أن تتحرك داخل رؤية واحدة للدولة وهي تحمي مصالحها وتبني علاقاتها وتشارك في معالجة الأزمات من حولها.
وهكذا تتجسد هندسة الأثر في ما يبقى بعد الحدث: التحالف يتحول إلى قدرة جماعية، والشراكة إلى مصالح مشتركة، والمبادرة الدبلوماسية إلى فرصة، والإغاثة إلى حياة أكثر قدرة على الصمود، والتنمية إلى مجتمع أكثر قدرة على صناعة مستقبله. عندها لا تعود الإيماءة لحظة عابرة، وإنما بداية لمسار يمتد أثره أبعد من المكان والزمان اللذين بدأت فيهما.
ومحمد بن سلمان في عنوان هذا المقال لا يمثل بداية المدرسة السعودية، وإنما يمثل مرحلة معاصرة في تطورها؛ مرحلة اتسعت فيها أدوات الدولة السعودية، واتسعت معها قدرتها على بناء الشراكات والتحالفات، وربط الأمن بالتنمية، والدبلوماسية بالاقتصاد، والعمل الإنساني بمسؤولية الدولة تجاه الإنسان. أما جذور المدرسة فتبقى أعمق من رجل أو مرحلة، وتعود إلى تأسيس الدولة السعودية الحديثة وما راكمته عبر عقود من الخبرة السياسية وبناء المؤسسات.
إن هندسة الأثر السعودي هي أن يتحول الموقع إلى شراكة، والقدرة إلى حماية، والدبلوماسية إلى فرصة، والإغاثة إلى حياة، والتنمية إلى مستقبل؛ وأن تكون قوة الدولة حاضرة عندما تُمس سيادتها، وأن تكون يدها مفتوحة عندما يحتاج الإنسان إلى من يقف معه. وحين تتكامل هذه المعاني في سياسة واحدة، تصبح الإيماءة أبعد من لحظتها، ويتحول أثرها إلى رسالة تتجاوز حدود الدولة دون أن تتجاوز سيادتها.
هذه هي المدرسة السعودية للقيادة الواعية؛ مدرسةٌ بعمقها الزمني، تسهم في دفع العالم نحو السلام، وتحمل مسؤولية بناء الإنسان وصناعة أثر يتجاوز حدودها.