د. يحيى جابر
إكمالا لهذا الموضوع الإنساني المهم، فخلف كل مشروع إنساني يصل إلى مستفيد في دولة بعيدة منظومة من العمل لا تظهر كاملة في الصورة النهائية؛ فهناك من يحدد الاحتياج، ومن يخطط للمشروع، ومن يراجع جدواه، ومن يدير الموارد، ومن يختار الشريك، ومن يتابع التنفيذ، ومن يقيس النتائج، ثم فرق ميدانية تتحمل مسؤولية الوصول إلى المستفيدين في بيئات قد تكون شديدة الصعوبة، ومن هذه الزاوية تبرز تجربة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بوصفها تجربة مؤسسية محترفة تقوم على الإدارة والتخطيط والرقابة والشراكة بقدر قيامها على تقديم المساعدة، وتكشف الهيكلة الرسمية للمركز عن منظومة إدارية واسعة تضم مكتب المشرف العام، والمراجعة الداخلية، والموارد والاستثمار، والشؤون القانونية، والإعلام والعلاقات العامة التي تعتبر العمود الفقري والقوة الضاربة في نقل الصورة للعالم، وتقنية المعلومات، والشراكات والعلاقات الدولية، والرقابة المالية، وشؤون المنظمات المحلية غير الربحية، والرقابة والتقييم، والأمن السيبراني، والحوكمة والمخاطر والالتزام، والبحوث والدراسات، إلى جانب قطاعات الشؤون المالية والإدارية، والتخطيط والتطوير، والعمليات والبرامج، وهذا التنوع ليس تفصيلًا إداريًا، بل يوضح أن إدارة العمل الإنساني أصبحت عملية متخصصة تتطلب اختصاصات متكاملة قبل وصول المشروع إلى الميدان،«المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الهيكل التنظيمي للمركز، 2026».
الربيعة
وفي مقدمة هذه المنظومة يأتي معالي الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة، المشرف العام على المركز، الذي يتولى هذه المهمة منذ مايو 2015، إلى جانب عمله مستشارًا بالديوان الملكي منذ أبريل 2014، وتوضح سيرته الرسمية أن خبرته لا تقتصر على العمل الإداري، فهو طبيب وجراح أطفال عالمي، وأشرف قبل ذلك على إنشاء مشروعات صحية وأكاديمية، كما ارتبط اسمه بالبرنامج السعودي للتوائم السيامية، وأشرف على حالات توائم من 26 دولة وأجرى 61 عملية فصل معقدة وفق السيرة المنشورة للمركز، وهذه الخلفية تفسر جانبًا من حضور الخبرة الطبية والإنسانية في طبيعة العمل الذي يقوده، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، السيرة الذاتية لمعالي الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة، 2026»، ولا تعمل القيادة منفردة، فالهيكل التنفيذي للمركز يضم المهندس أحمد البيز مساعد المشرف العام للعمليات والبرامج، والدكتور صلاح بن فهد المزروع مساعدًا للمشرف العام للشؤون المالية والإدارية، والدكتور عقيل بن جمعان الغامدي مساعدًا للمشرف العام للتخطيط والتطوير، إلى جانب قطاعات متخصصة في العمليات والبرامج والرقابة والتقييم والشراكات وغيرها، ومن أبرزها العلاقات العامة والإعلام الذي يقوده المميز شلهوب الشلهوب، ويغذي العالم بأعمال المركز المهمة، ويكشف ذلك عن توزيع واضح للمسؤوليات بين الإدارة المالية، والتخطيط، وتطوير البرامج، والعمليات الميدانية، وهي عناصر أساسية في أي مؤسسة تدير مشاريع إنسانية متعددة القطاعات والدول، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الهيكل التنظيمي والإدارة التنفيذية، 2026».
غير الربحية
ومن أبرز التحولات التي تستحق الإشارة إليها أن المركز لا يكتفي بتنفيذ مشروعاته من خلال منظومته المباشرة، بل يعمل على رفع جاهزية المنظمات السعودية غير الربحية للعمل الإنساني الدولي، ففي يناير 2026 دشن الدكتور عبدالله الربيعة البوابة الإلكترونية للمنظمات السعودية غير الربحية، وهي بوابة تتيح للمنظمات التقدم للحصول على الموافقة الأولية للعمل خارج المملكة وتنفيذ المشاريع الإغاثية والإنسانية والبرامج التطوعية الدولية، والأهم أن المركز أوضح أن دعمه لهذه الجمعيات لا يقتصر على التمويل، بل يشمل التأهيل والتدريب وبناء القدرات والدعم الفني وتبادل الخبرات وتعزيز الجاهزية المؤسسية، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، المشرف العام يدشن البوابة الإلكترونية للمنظمات السعودية غير الربحية، 5 يناير 2026»، وهذه النقطة تحديدًا تكشف جانبًا مهمًا من جهود القائمين على المركز، لأن بناء القدرة المؤسسية للشركاء يعني أن الأثر لا ينتهي بانتهاء المشروع الواحد، وإنما ينتقل إلى مؤسسات أخرى تصبح أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ والعمل وفق المعايير الإنسانية، كما أن وجود إدارة مستقلة لشؤون المنظمات المحلية غير الربحية، وإدارة للشراكات والعلاقات الدولية، وإدارة للرقابة والتقييم، يؤكد أن الشراكة نفسها أصبحت جزءًا من منظومة العمل المؤسسي، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الهيكل التنظيمي للمركز، 2026».
التطوع
ويبرز كذلك اهتمام المركز بالتطوع بوصفه موردًا بشريًا وخبرة مهنية، وليس مجرد مشاركة عابرة، ففي أبريل 2026 أطلق المركز البرنامج السعودي التطوعي الافتراضي في سوريا، وتضمنت مرحلته الأولى 53 مشروعًا تطوعيًا في 4 مسارات، تتفرع إلى 239 تخصصًا دقيقًا، ويستفيد منها 18,210 أفراد، وشملت التخصصات الطب والتمريض والإسعاف والإدارة الصحية، وكان الهدف المعلن نقل الخبرات وبناء القدرات المهنية ورفع كفاءة الكوادر الصحية، وهو نموذج يوضح كيف يمكن للمتطوع السعودي أن يتحول من مقدم خدمة مؤقتة إلى ناقل معرفة وخبرة، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، المشرف العام يدشن البرنامج السعودي التطوعي الافتراضي في سوريا، 13 أبريل 2026»، وتظهر أهمية هذا المسار عندما نلاحظ أن المركز نفسه يضع إدارة للبرامج التطوعية ضمن قطاع التخطيط والتطوير، ما يعني أن التطوع أصبح جزءًا من التخطيط المؤسسي للمركز، وليس نشاطًا جانبيًا، كما أن وجود إدارة المعلومات والتقارير ومكتب إدارة المشاريع وإدارة التخطيط الاستراتيجي في القطاع نفسه يعكس اهتمامًا بتحويل المبادرات إلى برامج لها أهداف ومسارات متابعة ونتائج قابلة للرصد، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الهيكل التنظيمي للمركز، 2026».
الفرق الميدانية
أما الفرق الميدانية فهي الوجه الآخر لهذه المنظومة، إذ إن التخطيط مهما كان دقيقًا لا يحقق أثره ما لم يتحول إلى عمل في الميدان، وقد أشاد رئيس المكتب البريطاني لشؤون السودان والممثل الخاص للمملكة المتحدة في السودان ريتشارد كراودر، خلال لقائه الدكتور عبدالله الربيعة في يوليو 2026، بالأداء المهني المتطور للمركز وفرقه الإغاثية الميدانية حول العالم، وهذه شهادة صادرة عن مسؤول دولي في سياق لقاء رسمي، وتكتسب أهميتها من ارتباطها مباشرة بأداء الفرق الميدانية، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، المشرف العام يلتقي رئيس المكتب البريطاني لشؤون السودان، 20 يوليو 2026».
ولا تتوقف مهمة القائمين على المركز عند تنفيذ المشاريع، بل تمتد إلى التنسيق الدولي، ففي فبراير 2026 التقى الدكتور عبدالله الربيعة المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، وجرى بحث مستجدات العمل الإنساني وسبل تعزيز الجهود الإغاثية، وفي يونيو من العام نفسه وقع المركز برنامجًا تنفيذيًا مشتركًا مع منظمة الصحة العالمية لتعزيز خدمات التغذية في المرافق الصحية بقطاع غزة، واستهدف البرنامج بصورة مباشرة 258,223 فردًا، وبصورة غير مباشرة 1,172,467 فردًا، وهذا النوع من العمل يوضح أن إدارة المركز تتطلب تنسيقًا مستمرًا مع المؤسسات الدولية المتخصصة، وليس مجرد تنفيذ مشاريع منفصلة، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، لقاء المشرف العام مع المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، 8 فبراير 2026»، «المصدر- مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، توقيع برنامج تنفيذي مشترك لتعزيز خدمات التغذية بالمرافق الصحية في قطاع غزة، 4 يونيو 2026».
إدارة الحوكمة والمخاطر
ومن الجوانب التي تعطي تجربة المركز بعدًا مؤسسيًا إضافيًا وجود إدارات للحوكمة والمخاطر والالتزام، والرقابة المالية، والمراجعة الداخلية، والرقابة والتقييم، وهي وظائف شديدة الأهمية في إدارة الموارد الإنسانية؛ لأنها تفصل بين تنفيذ المشروع ومراجعته وقياس نتائجه، وهذا يعني أن المسؤولية لا تنتهي عند إيصال المساعدة، بل تشمل التأكد من سلامة الإجراءات، وجودة التنفيذ، والالتزام بالأنظمة والمعايير، وهي عناصر ترفع مستوى الثقة في العمل الإنساني، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الهيكل التنظيمي للمركز، 2026»، وتتضح قيمة هذا البناء المؤسسي في اتساع شبكة التعاون الدولي للمركز؛ فالشراكات لا تأتي من فراغ، وإنما تحتاج إلى علاقات دولية مستمرة وتفاهمات واتفاقيات وتنسيق مع الحكومات والمنظمات الأممية والمؤسسات الإنسانية، وقد أشار سفير جمهورية القمر المتحدة لدى المملكة في يوليو 2026 إلى أن المركز يمثل مثالًا يحتذى به وعلامة مضيئة في العمل الإنساني، كما أشاد مسؤول بريطاني في الشهر نفسه بالمستوى المهني لفرقه الإغاثية الميدانية، وهي شهادات يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات على حضور المركز في شبكة العمل الإنساني الدولي.، «المصدر- مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، لقاء المشرف العام مع سفير جمهورية القمر المتحدة لدى المملكة، 5 يوليو 2026»، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، لقاء المشرف العام مع رئيس المكتب البريطاني لشؤون السودان، 20 يوليو 2026».
شبكة واسعة من الشركاء
واللافت في تجربة المركز أن الانتشار الجغرافي جاء متزامنًا مع بناء شبكة واسعة من الشركاء؛ فالمركز لا ينفذ برامجه بمعزل عن المنظمات الإنسانية المتخصصة، بل يعتمد على التعاون مع منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الربحية والجهات المحلية الموثوقة في الدول المستفيدة، وهو ما يرفع قدرة البرامج على الوصول إلى المناطق المتضررة والاستفادة من الخبرات المحلية والدولية، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، من نحن، 2026م»، وتبرز الصحة بوصفها أحد أكبر مجالات العمل الإنساني للمركز؛ لأن انهيار الخدمات الصحية في مناطق النزاعات والكوارث يؤدي إلى آثار تتجاوز المرضى إلى المجتمع كله، ولهذا نفذ المركز برامج لتشغيل ودعم مرافق صحية، وتأمين العلاج والأدوية، وتنفيذ حملات طبية وجراحية، وإرسال فرق تطوعية متخصصة، إضافة إلى مشروعات نوعية في تخصصات دقيقة، وفي عام 2026م، أعلن المركز تنفيذ 113 مشروعًا إغاثيًا تطوعيًا في 44 دولة، إلى جانب 309 مشروعات تطوعية في 42 دولة ضمن خططه السنوية، وهو ما يوضح اتساع الجانب التطوعي الطبي والإنساني في نشاطه، «المصدر- وكالة الأنباء السعودية، إطلاق خطط العمليات والمشروعات الإغاثية والإنسانية والبرامج التطوعية لعام 2026م، 22 يناير 2026م».
المشروعات الزراعية
وفي مجال الأمن الغذائي، تتجاوز فلسفة المركز فكرة توزيع المواد الغذائية إلى التعامل مع أسباب الهشاشة الغذائية عندما تسمح الظروف بذلك، فالسلة الغذائية تسد حاجة عاجلة، بينما تساعد المشروعات الزراعية وسبل العيش على استعادة قدرة الأسر والمجتمعات على الإنتاج، وهذه النقلة مهمة في الأزمات الممتدة، لأن استمرار الاعتماد على المساعدات سنوات طويلة يفرض الحاجة إلى تدخلات تساعد المستفيد على الانتقال تدريجيًا من تلقي المساعدة إلى استعادة القدرة على العمل والإنتاج، وتظهر هذه السياسة في برامج المركز في عدد من الدول؛ ففي السودان، على سبيل المثال، وزع المركز في أبريل 2026م ألف كرتون من التمور استفاد منها 4257 فردًا ضمن مشروع مدد، وهي مساعدة غذائية تستهدف المتضررين في بيئة تعاني ضغوطًا إنسانية واسعة، «المصدر- مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، توزيع التمور في ولاية الجزيرة بالسودان ضمن مشروع مدد، 20 أبريل 2026م».
رعاية الأيتام
وفي الصومال يظهر بعد آخر للعمل الإنساني يتعلق بالأطفال والتعليم والحماية الاجتماعية؛ فقد نفذ المركز مشروعًا لإعادة تأهيل مركز عمر بن الخطاب لرعاية الأيتام في بيداوا، إلى جانب توزيع 280 حقيبة تعليمية، وهو تدخل يجمع بين تحسين البيئة التي يعيش فيها الأطفال وتوفير احتياجاتهم التعليمية، بما يعكس اتساع مفهوم الإغاثة من تقديم مادة استهلاكية إلى دعم البيئة الإنسانية المحيطة بالمستفيد، «المصدر ـ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، مشروعات المركز في الصومال، سبتمبر 2026م».
أخيراً
وفي تقديري أن قيمة المركز لا تختصر في حجم المساعدات التي يقدمها، بل في قدرته على تنظيم العطاء وتحويله إلى عمل مؤسسي قابل للتخطيط والتنفيذ والرقابة والتقييم، وهذا هو الجانب الذي يستحق إبراز جهود العاملين فيه؛ لأن الإنسان الذي يقف خلف المشروع الإنساني لا يظهر في الصورة التي تصل إلى المستفيد، لكنه موجود في كل مرحلة من مراحلها، من دراسة الاحتياج إلى اختيار الشريك، ومن إدارة الموارد إلى المتابعة الميدانية، ومن تقييم النتائج إلى تطوير المشروع التالي، إلى تصدير العمل الجبار للعالم عبر إدارة العلاقات العامة والإعلام ومركز الاتصال والإعلام الدولي، ومن هنا يصبح تقدير القائمين على المركز تقديرًا لمنظومة كاملة من الكفاءات السعودية التي تعمل خلف المشهد، وتحول قيمة العطاء إلى أثر إنساني يصل إلى المحتاجين في مناطق مختلفة من العالم، بدعم من بلاد السلام والإنسانية بلادنا وولاة أمرنا حفظهم الله.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام