د. علي بن عالي السعدوني
ليست قصيدة (سِفْرُ التأسيس) للشاعر حمزة الأنصاري قصيدة مناسبة عابرة كُتبت لليوم الوطني ثم تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما هي محاولة شعرية لاستعادة لحظة التأسيس من داخل اللغة نفسها، فالقصيدة لا تبدأ بالوطن في صورته الراهنة، ولا تذهب مباشرة إلى الاحتفاء بالمنجز، وإنما تعود بالقارئ إلى زمن البدايات إلى الخيل والبيد والقنا والعوالي والقتال ثم تمضي به شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى عهد الملك سلمان وولي العهد، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن الحاضر الذي نراه ليس صفحة منفصلة عن الماضي، وإنما هو الصفحة الأخيرة -حتى الآن- من كتاب طويل بدأه الملك عبدالعزيز، ولهذا جاء العنوان سِفْرُ التأسيس منسجمًا مع البناء العام للقصيدة، فالسِّفر هو الكتاب الكبير الذي تُدوَّن فيه الوقائع والأخبار، والقصيدة بالفعل تحاول أن تجعل من الشعر سجلًا لذاكرة الدولة.
ويبدأ الشاعر بداية قوية قائمة على الاستفهام المتتابع:
(أينَ مَنْ صالَ في الوغى والنزالِ؟
هل رأى الأُسدَ في ثيابِ الرجالِ؟)
ثم يواصل:
(هل أتته أنباءُ عبدالعزيزِ بنِ سعودٍ عند اشتداد القتالِ؟
هل رأى إقدامًا، وتضحيةً، ما خطرت مثلُها على أيِّ بالِ؟)
وهذا التتابع الاستفهامي ليس مجرد تنويع لغوي، وإنما يمثل مفتاحًا أسلوبيًا للقصيدة كلها، فالشاعر لا يخبر المتلقي ابتداءً بعظمة المؤسس، وإنما يستفزه بالسؤال، ويضع أمامه صورة ثم يدفعه إلى مقارنتها بما يعرفه من صور البطولة، وبذلك يتحول الاستفهام من طلب للمعلومة إلى أداة حجاجية تحمل الإجابة في داخلها، فـ(هل رأى؟) تعني ضمنًا أن ما سيراه في سيرة عبدالعزيز يتجاوز المألوف، وأن البطولة التي ستعرضها القصيدة ليست في نظر الشاعر بطولة عادية يمكن أن توضع بسهولة إلى جوار غيرها.
ومن أجمل الصور التي تكشف طبيعة هذا البناء قوله:
(هل رأى الأُسدَ في ثياب الرجالِ؟)
فالشاعر لا يقول إن الرجال كالأسود، وهي صورة مألوفة جدًا في الشعر العربي، وإنما يقلب العلاقة بين الطرفين، فالأسود نفسها هي التي ارتدت ثياب الرجال، وبذلك تصبح الشجاعة أصلًا والهيئة البشرية غطاءً لها، وهذه المبالغة تتناسب مع النبرة الحماسية التي تقوم عليها القصيدة كما تستدعي ميراثًا طويلًا من شعر الفروسية العربي الذي ارتبط فيه الأسد بالشجاعة والإقدام واقتحام الخطر.
وتتسع هذه الصورة مع قوله:
(هل رأى خيلًا للملك وجندًا
قطعوا البيدَ بالقنا والعوالي)؟
فنحن أمام معجم حربي واضح: الوغى، النزال، الأسد، القتال، الخيل، الجند، القنا، العوالي، العدو، الهيجاء، النبال، وهذا الحقل المعجمي ليس عشوائيًا، وإنما يصنع البيئة النفسية للمرحلة التي يريد الشاعر استعادتها، فالتأسيس في الجزء الأول من القصيدة يظهر بوصفه حركة وكفاحًا ومواجهة وانتقالًا من الاضطراب إلى الاستقرار، ولذلك كانت ألفاظ الحركة والقوة أكثر حضورًا من ألفاظ السكون والوصف.
لكن الشاعر لا يريد أن يجعل القوة العسكرية وحدها تفسيرًا للانتصار، ولذلك ينتقل مباشرة إلى مستوى قيمي آخر:
(زادُهم تقوى الله والصبرُ فيه)
فتدخل التقوى والصبر إلى جانب الخيل والقنا والنبال، وتتشكل ثنائية واضحة بين القوة المادية والقوة المعنوية، وكأن القصيدة تبني صورتها للمؤسس ورجاله من عنصرين متكاملين: قدرة على الفعل في الواقع، ومرجعية قيمية تمنح ذلك الفعل معناه، وهذه الثنائية ستستمر في القصيدة بصور مختلفة؛ فالقوة تقابل الأمن، والحرب تقابل البناء، والحزم يقابل النصح، والقتال في الماضي يقود إلى الاستقرار في الحاضر.
ومن الناحية التركيبية يلفت النظر حضور الأفعال بكثافة: رأى، أتته، قطعوا، يهابون، انثنوا، قادهم، وحّد، أوجد، ارتقى، صدّ، فرّوا، أقام، حمى، أسس، سار، شاد، اعتلت، وهذه الكثافة الفعلية تمنح النص حركة مستمرة، فلا تبدو شخصية الملك عبدالعزيز في القصيدة شخصية تُوصف بصفات ساكنة بقدر ما تظهر شخصية تصنع الأحداث، وكل فعل يضيف لبنة إلى الصورة الكبرى؛ قاد، ووحّد، وأوجد، وصدّ، وأقام، وحمى، وأسّس، ومن مجموع هذه الأفعال تتكون دلالة التأسيس نفسها حتى يمكن القول: إن الشاعر لم يشرح معنى المؤسس وإنما جعل الأفعال تشرحه نيابة عنه.
وتبلغ هذه التقنية وضوحها في قوله:
(مَنْ أقام الحدودَ في كل صقعٍ؟
مَنْ حمى الناسَ من طروق الليالي؟)
فتكرار (مَنْ) يصنع إيقاعًا حجاجيًا قائمًا على السؤال والجواب المضمر، والمتلقي يعرف الجواب قبل أن يأتي البيت التالي:
(ملكٌ أسس البلادَ بعزمٍ
فغدا موئلَ الهدى والجمالِ)
وهذه طريقة ذكية في ترتيب الدلالة؛ لأن الشاعر يؤخر الاسم ويقدم الإنجاز، فيجعل القارئ يرى الأثر قبل صاحبه ثم تأتي كلمة (ملك) جوابًا يلملم الأسئلة السابقة، وكأن الأعمال نفسها هي التي تقود إلى صاحبها.
أما الصورة المكانية في القصيدة فتستحق الوقوف عندها، فـ(نجد) لا تظهر مجرد اسم جغرافي:
(وغدت نجدٌ، بعد طول تناءٍ
موطنَ العز والعلا والجلالِ)
فالتحول في هذا ليس تحول المكان وحده، وإنما تحول دلالته من التباعد والتنائي إلى الاجتماع، ومن الجغرافيا إلى القيمة، ولذلك تتجاور كلمات العز والعلا والجلال لتصنع للمكان هوية رمزية تتجاوز حدوده، ويصبح الوطن في الخطاب الشعري قيمة قبل أن يكون مساحة.
ثم تحدث القصيدة انتقالتها الزمنية الكبرى من المؤسس إلى الملك سلمان:
(سار سلمانُ في خطاه كميًّا
فارتقى بالبلاد نحو الكمالِ)
وهذه النقلة تحقق وظيفة مهمة في بنية النص؛ لأنها تمنع الماضي من أن يصبح ذكرى مغلقة، ففعل (سار) يصل الحاضر بالماضي، وعبارة (في خطاه) تجعل التاريخ سلسلة متصلة ثم يتحول المعجم من التأسيس إلى الارتقاء، ومن إقامة الدولة إلى مواصلة بنائها، وهذه النقلة الدلالية تتوافق مع منطق القصيدة التي تبدأ من صناعة الدولة ثم تصل إلى تعزيز قوتها واستمرارها.
وتتغير اللغة كذلك مع الحديث عن الملك سلمان، فتظهر ألفاظ المجد، الدولة، الذرى، الحزم، النصح، الصدق، الفصاحة، ومع أن النبرة القتالية لا تختفي تمامًا، فإن صورة القيادة تصبح أوسع، فلا تقوم على القوة وحدها، وإنما تجمع الحزم إلى النصح والصدق:
(عاصفٌ، حازمٌ، فدته البرايا
ناصحٌ، صادقٌ، فصيحُ المقالِ)
وهذا التراكم الصفاتي السريع يصنع إيقاعًا مختلفًا عن الأبيات السابقة، فالجمل قصيرة داخل البيت، والصفات متلاحقة، والفواصل بينها تجعل كل صفة كأنها ضربة إيقاعية مستقلة، وهو أسلوب يقوم على التعداد والتكثيف، ويهدف إلى جمع أكثر من بعد في صورة الممدوح.
ويصل الامتداد التاريخي إلى ولي العهد في قوله:
(ووليُّ العهد الأميرُ عضيدٌ
ليس عن شعبه بساهٍ وسالِ)
فتكتمل بذلك الدائرة الزمنية للقصيدة: عبدالعزيز، ثم سلمان، ثم ولي العهد، وهو ترتيب يمنح النص بنية تاريخية صاعدة تبدأ بالتأسيس ثم تنتقل إلى استمرار الدولة، ثم تنفتح على المستقبل، ولذلك لا تبدو القصيدة مجموعة أبيات مديح منفصلة، وإنما سردية شعرية لها مسار زمني واضح.
ومن الناحية الصوتية اختار الشاعر قافية اللام المكسورة الممتدة بالياء في كثير من نهايات الأبيات: النزالِ، الرجالِ، القتالِ، بالِ، العوالي، انشغالِ، النبالِ، المعالي، الليالي، الجمالِ، الجلالِ، الكمالِ، الجبالِ، المقالِ، زوالِ، سجالِ، وهذه القافية ذات جرس واضح، وتمنح القصيدة قدرًا من الفخامة يتلاءم مع موضوعها كما أن تكرار المد قبل اللام يطيل النبرة في نهاية البيت، فيجعل الوقفة الصوتية أكثر رسوخًا، وهو أمر يخدم القصيدة الاحتفائية التي تعتمد على الإلقاء بقدر اعتمادها على القراءة.
كما يكثر في النص التضاد الدلالي، وإن لم يأت دائمًا في صورة طباق مباشر، فثمة عدو وأمن، حرب واستقرار، تناء ووحدة، زوال وبقاء، ماضٍ وحاضر، وهذه الثنائيات تؤدي وظيفة أعمق من الزينة البلاغية؛ لأنها تجعل صورة الدولة في النص ناتجة عن الانتقال من حالة إلى حالة، وهذا هو جوهر التأسيس نفسه، إذ لا معنى للتأسيس في الخطاب الشعري ما لم يكن ثمة واقع سابق جرى تجاوزه.
والقصيدة في لغتها العامة تنتمي بوضوح إلى العمود الشعري العربي ذي النبرة الجزلة، ولذلك يستدعي الشاعر ألفاظًا تراثية مثل الوغى، القنا، العوالي، الهيجاء، صقع، طروق الليالي، كميًّا، وهي ألفاظ تضع التجربة الوطنية الحديثة داخل ذاكرة شعرية عربية قديمة، فكأن بطولة التأسيس تُروى باللغة التي روى بها العرب قديمًا أخبار فرسانهم، وهذه المزاوجة بين الحدث الوطني الحديث والقاموس التراثي تمنح القصيدة هويتها الأسلوبية الأوضح.
ومع ذلك فإن هذا الاختيار نفسه يكشف ملمحًا يمكن مناقشته نقديًا، فالقصيدة تبلغ أعلى درجات حيويتها عندما تتحول اللغة إلى صورة أو حركة أو بناء حجاجي، مثل (الأسد في ثياب الرجال)، أو سلسلة الأسئلة في المطلع، أو كثافة الأفعال المرتبطة بالتأسيس، بينما تقل طاقتها الشعرية قليلًا عندما تتجه إلى التقرير المباشر وتعداد الصفات؛ لأن الشعر يصبح أقوى كلما جعل الصورة تقول المعنى بدل أن يصرح به الشاعر، ولهذا تبدو بعض المقاطع الأولى بما فيها من خيل وبيد وقنا وحركة وأسئلة، أكثر تصويرًا من بعض المقاطع التي يغلب عليها المديح الصريح.
أما الخاتمة:
(فاهنئي يا بلادُ في حرز ملكٍ
واسلمي إذ كُفيتِ حربَ السجالِ)
فهي تعيد القصيدة من الحديث عن الوطن إلى الحديث مع الوطن، ويتحول الوطن إلى مخاطَب حي يسمع ويهنأ ويسلم، وهذه الأنسنة تمنح النهاية حرارة وجدانية بعد مساحة طويلة من السرد التاريخي والمديح كما أن فعل الأمر (فاهنئي) لا يحمل معنى الطلب الحقيقي، وإنما يحمل معنى البشرى والاطمئنان، ولذلك تنتهي القصيدة عند (السلامة) بعد أن بدأت بـ(الوغى والنزال)، وهذه المفارقة هي أجمل ما يكشف هندسة النص: البداية حرب، والنهاية أمن؛ البداية سؤال عن البطولة، والنهاية يقين بالاستقرار؛ البداية عبدالعزيز في ميدان التأسيس، والنهاية وطن يعيش ثمرة ذلك التأسيس.
وبهذا يمكن قراءة (سِفْر التأسيس) بوصفها قصيدة تبني معناها على ثلاثة محاور متداخلة: ذاكرة تستعيد التأسيس، ولغة تستحضر معجم الفروسية العربية، وزمن يصل المؤسس بالحاضر والمستقبل، وقد نجح الشاعر في جعل الاستفهام والتكرار وكثافة الأفعال والحقول المعجمية والقافية أدوات تعمل جميعها لخدمة الفكرة المركزية حتى أصبحت القصيدة في جوهرها حكاية انتقال من صعوبة البدايات إلى رسوخ الدولة، ومن صوت السلاح في أول النص إلى صوت الطمأنينة في آخره، وبين الصوتين يمتد تاريخ وطن أراد الشاعر أن يكتبه شعرًا، وأن يجعل من أبياته صفحات في (سِفْر) لا يقرأ الماضي لذاته، وإنما يقرأ فيه الطريق الطويل الذي أوصل المملكة إلى يومها الوطني السادس والتسعين.