د. أحمد محمد القزعل
الجهل ليس أن لا نعرف، بل أن نرفض أن نعرف، هو جهل الروح لا جهل المعلومة، إذ قد تجد عالماً في الظاهر، لكن روحه لا تزال لا تبصر الحقّ؛ ذلك لأنّ المعرفة التي لا تُضيء الضمير لا تُنقذ الإنسان من الجهل بل تُزيّنه بأقنعة فكرية، وما أكثر الذين يعيشون بعقول مليئة وقلوب فارغة! يتحدّثون عن القيم كأنّهم يعرفونها، لكنّ أرواحهم لم تذق طعمها بعد، حين تغيب التربية العميقة التي تُوقظ الروح يصبح التعليم مجرّد تكديس للمعلومات، ويغدو العقل عبداً للعادة لا أداة للتحرر، وهنا تبدأ هزيمة النور الأولى حين يُستبدل الوعي بالتصفيق والبحث بالحفظ والفكر بالتقليد.
في معركة النور ضد جهل الروح لا يُقاتل السيف ولا تُرفع البنادق، بل يُرفع الوعي والقدوة والصدق والمحبّة، فالتربية هي الميدان الأول والأهمّ في هذه الحرب، إنها التي تُعلّم الإنسان أن يرى ما وراء الأشياء، أن يُصغي لصوت الخير في داخله، أن يفهم أنّ الحرية لا تكون إلا لمن استنار، التربية ليست تلقيناً للحقائق بل إيقاظ للنور الكامن في الإنسان، إنّ الطفل يولد بفطرة نقية تعرف النور بالفطرة، لكنّ المجتمع قد يُطفئ تلك الفطرة بالزجر أو بالسخرية أو بالتزييف، ومن هنا يأتي دور المربي بوصفه حارس الضوء، ذاك الذي يحمي الشعلة الصغيرة من رياح الجهل والخوف.
ولعل القدوة هي شعلة النور التي لا تنطفئ، فكلّ تربية بلا قدوة هي كلامٌ بلا روح، الطفل لا يتعلّم بالنصائح قدر ما يتعلّم بالعيون التي تُراقبه، حين يرى الطفل في أبيه صدقاً، وفي معلمه إخلاصاً، وفي مجتمعه عدلاً، يبدأ النور في داخله بالاتقاد دون جهد أو وعظ...
حين ينتصر النور في الفرد، ينتصر في المجتمع كله؛ لأنّ الظلمة لا تُصنع إلا بتراكم الأرواح التي استسلمت للجهل أو الخوف أو النفاق، وكلّ إصلاح اجتماعيّ يبدأ بإصلاح التربية، وكلّ إصلاح تربويّ يبدأ بصدق المربين مع أنفسهم، إنّ الأمة التي تزرع في مدارسها نور الصدق، وفي بيوتها عدل المحبة، لن تعرف ظلمة بعد اليوم.
أما الأمة التي تزرع التناقض بين القول والعمل، فستنجب أجيالاً ممزّقة بين ما تُعلّم وما ترى.
وليس من المبالغة أن نقول إنّ المربين هم جنود النور في هذه المعركة الطويلة، كلّ كلمة صادقة يزرعونها في قلب تلميذ هي ضوء يبدّد شيئاً من ظلمة الجهل، وكلّ لحظة حنان تمنح لطفل حائر هي شعلة حياة جديدة، والمربي الجميل في صدقه، الصادق في عطائه، يصنع جيلاً يرفض القبح والجهل ويبحث عن النور بالفطرة.
نهاية: إنّ معركتنا الكبرى ليست مع الآخرين بل مع أنفسنا، حين نكسبها في داخلنا، حين نطهّر قلوبنا من الغفلة، حين نربّي أبناءنا على الصدق والنور، نكون قد ساهمنا في أعظم انتصار يمكن للإنسان أن يحقّقه: انتصار النور على الجهل، وانتصار الروح على الظلمة.