الحوكمة مصطلح شائع يدور في المؤسسات والمنظمات والشركات في القطاعين العام والخاص على حدٍ سواء، وبغض النظر عن أصل الكلمة ومعناها اللغوي، فهي بمفهوم مبسط تعني القوانين والتشريعات والأنظمة التي تُدار من خلالها المنظمة أو الشركة، وهي تُبنى على ركائز وأسس وضوابط يأتي في مقدمتها الشفافية والعدل والمساءلة وغيرها.
وبحسب قدرة المنظمة على تطبيق تلك القوانين دون مواربة أو تحيز أو تهاون، فإن ذلك مؤشر على السير في الاتجاه الصحيح، وعلى سلامة البيئة الإدارية والتنظيمية داخلها.
ومن المفارقات العجيبة أن ترى شركتين؛ الأولى ذات وفرة في الموارد والإمكانات، لكن لسوء الإدارة تجدها تواجه صعوبات في الاستمرار بوتيرة واحدة، وبالتالي تواجه الكثير من المشكلات الإدارية والمالية وغيرهما.
وفي الوقت ذاته تجد شركة أخرى ذات موارد محدودة، لكنها تسير بنجاح متصاعد، وتتوسع في مجالها وفروعها، وهذا يعود في كثير من الأحيان إلى الإدارة الناجحة التي توظف الطاقات والموارد المالية بصورة صحيحة، وتعزز في موظفيها روح الانتماء، حتى يصبح الموظف شريكاً في النجاح، وليس مجرد مؤدٍ لمهام وظيفية.
وهنا تظهر أهمية الحوكمة؛ فهي ليست مجرد لوائح تُكتب، أو أنظمة تُحفظ في الأدراج، أو إجراءات تُطبق عند الحاجة، وإنما هي ثقافة إدارية وسلوك مؤسسي يجب أن ينعكس على القرارات والممارسات اليومية.
فالأنظمة مهما كانت محكمة لا تحقق أهدافها إذا غابت عنها النزاهة، واللوائح مهما بلغت دقتها لا تصنع مؤسسة ناجحة إذا كان تطبيقها انتقائياً، والمساءلة لا تكون ذات قيمة إذا كانت تُمارس على البعض وتُستثنى منها فئة أخرى.
إن الحوكمة الحقيقية تعني أن تكون القاعدة واحدة، والمعيار واحداً، والحقوق محفوظة، والواجبات واضحة، والقرار مبنياً على أسس موضوعية، بعيداً عن الأهواء والمصالح الشخصية.
ولعل من أهم ما تحققه الحوكمة أنها تُقلل مساحة الاجتهاد الفردي غير المنضبط، وتحد من تضارب المصالح، وتمنح أصحاب العلاقة قدراً أكبر من الثقة والاطمئنان، كما تساعد الإدارة على اكتشاف مكامن الخلل قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات كبيرة.
والحوكمة لا تعني كثرة الإجراءات وتعقيد العمل؛ فالإفراط في البيروقراطية قد يتحول هو الآخر إلى عائق أمام الإنجاز. وإنما الحكمة أن تكون الأنظمة واضحة ومرنة، وأن تحقق التوازن بين الرقابة وسرعة اتخاذ القرار، وبين حماية المؤسسة ومنح العاملين مساحة للإبداع والمبادرة.
ومن هنا فإن المؤسسة الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تملك أكبر قدر من الموارد، وإنما تلك التي تعرف كيف تدير مواردها، وكيف تستثمر قدرات موظفيها، وكيف تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وكيف تجعل النجاح مسؤولية مشتركة بين الجميع.
والأمر لا يتوقف عند حدود الشركات والمؤسسات، فالإنسان يستطيع أن يستفيد من مفهوم الحوكمة في حياته الخاصة أيضاً.
فالأسرة، على سبيل المثال، مؤسسة اجتماعية صغيرة، لكنها في غاية الأهمية؛ وحين تُدار بطريقة مهذبة يسودها الاحترام والعدل والتعاون، وتكون فيها الأدوار واضحة، والحقوق والواجبات معروفة، والحوار وسيلة لحل الخلافات، فإنها تصبح أكثر قدرة على الاستقرار ومواجهة المتغيرات.
وفي الأسرة الناجحة لا يعني العدل أن يتساوى الجميع في كل شيء، وإنما أن يأخذ كل فرد حقه، وأن يشعر بأنه موضع تقدير واحترام، وأن تكون القرارات مبنية على الحكمة والمصلحة، لا على المزاج أو الانفعال. كما أن الأبناء عندما ينشؤون في بيئة يسودها الوضوح والعدل والمساءلة المنضبطة، يتعلمون أن لكل حق واجباً، ولكل مسؤولية تبعات، وأن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الاختلاف لا يعني الخصومة.
وهنا تتضح لنا حقيقة مهمة: الحوكمة في جوهرها ليست مجموعة أنظمة بقدر ما هي منظومة قيم.
فإذا حضرت الأمانة والعدل والشفافية والمسؤولية، أصبحت الأنظمة أكثر فاعلية، وإذا غابت هذه القيم، فقد تتحول أفضل اللوائح إلى مجرد نصوص لا روح فيها.
وقد يكون من المفيد أن ننظر إلى الحوكمة باعتبارها نوعاً من “هندسة الإدارة”؛ فهي تعيد ترتيب الصلاحيات والمسؤوليات، وتحدد مسارات القرار، وتضع الضوابط التي تمنع الفوضى، وتفتح في الوقت نفسه المجال أمام التطوير والابتكار. ولذلك فإن نجاح أي مؤسسة لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم أرباحها أو اتساع فروعها، بل بقدرتها على الاستمرار، ووضوح أنظمتها، وعدالة قراراتها، وثقة العاملين والمتعاملين معها، وقدرتها على صناعة الصف الثاني من القيادات، والتعامل مع الأزمات دون أن تهتز بنيتها الداخلية.
والأهم من ذلك كله أن الحوكمة لا ينبغي أن تكون ردة فعل بعد وقوع المشكلة، بل منهجاً استباقياً يمنع وقوعها أو يحد من آثارها.
فالمؤسسات التي تبني أنظمتها على أساس الوقاية والوضوح والمساءلة، تكون أكثر قدرة على الاستمرار، لأن نجاحها لا يعتمد على شخص واحد، ولا على ظرف مؤقت، وإنما على منظومة متكاملة تستطيع أن تعمل حتى مع تغير الأشخاص والظروف.
وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن وفرة الموارد قد تصنع فرصة، لكن حسن الإدارة هو الذي يحولها إلى نجاح، والحوكمة هي الإطار الذي يحمي ذلك النجاح من العبث والارتجال.
وإذا كانت الأسرة تحتاج إلى قواعد تحفظ تماسكها، والمؤسسة تحتاج إلى أنظمة تحفظ استقرارها، والمجتمع يحتاج إلى تشريعات تحفظ حقوق أفراده؛ فإن الجميع يشتركون في حقيقة واحدة:
حين تغيب القواعد العادلة، يحضر الاجتهاد الشخصي، وحين يحضر الاجتهاد الشخصي بلا ضوابط، تبدأ الفوضى.
ومن هنا ليست الحوكمة ترفاً إدارياً، ولا مصطلحاً عابراً من مصطلحات الإدارة الحديثة، بل هي حاجة حقيقية لكل كيان يريد أن ينمو ويستمر ويحافظ على مكتسباته، سواء كان شركة، أو مؤسسة، أو جهة عامة، أو حتى أسرة.
فالنجاح المستدام لا يحتاج فقط إلى من يضع الأهداف، وإنما يحتاج إلى من يضع القواعد التي تحمي الطريق إلى تلك الأهداف.
** **
- رشيد محمد آل جلي