د.شريف بن محمد الأتربي
دوّى صوت صفارات الإنذار في كل الأجهزة المحمولة داخل المنازل بالرياض في فجر ليلة الجمعة، فسارع الأهل إلى إسكاتها حتى لا يصاب الأطفال والشباب النائمون بالفزع؛ فقد كانوا في سبات عميق، وفي أمن وسلام نفسي ومجتمعي، وحين تدق هذه الصفارات قد يتسلل الخوف إلى نفوسهم، وقد يترك أثرًا يمتد إلى ما بعد لحظة التنبيه.
لكنني توقفت أمام سؤال آخر: ماذا لو كان هؤلاء الأبناء يعرفون مسبقًا ما الذي يحدث حولهم؟ ماذا لو كانت لديهم صورة واضحة عن الأحداث، ويعرفون لماذا تصدر الصفارات، ومن أين يحصلون على المعلومة الصحيحة، وكيف يتصرفون عند سماعها؟
ربما كان صوت الصفارة عندها مختلفًا في أثره؛ ليس لأنه أقل خطورة، وإنما لأن المعرفة تقلل الغموض، والفهم يساعد على ضبط الخوف، والوعي يمنح الإنسان القدرة على التصرف الصحيح.
أبناؤنا لا يحتاجون إلى أن نضعهم في قلب الأحداث، ولا إلى أن نحملهم تفاصيل تفوق أعمارهم، وإنما يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم إلى المعرفة والفهم، ويشرح لهم ما يجري من حولهم بلغة تناسب أعمارهم، ومن مصادر موثوقة، وبأسلوب تربوي هادئ.
وهنا يأتي دور الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها وزارتا التعليم والإعلام.
فنحن نعيش في منطقة تتغير أحداثها بسرعة، وتنعكس تداعياتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حياة الناس، واقتصادات الدول ،وأمن المجتمعات ،واستقرارها. والمملكة العربية السعودية ليست بعيدة عن هذه المتغيرات؛ فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات أمنية واقتصادية متلاحقة، وأصبحت أخبارها جزءًا من المشهد اليومي الذي يتابعه الكبار والصغار.
لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية من متابعة الحدث نفسه هو:
هل يدرك طلابنا ما الذي يحدث؟ وهل يعرفون كيف يقرؤون هذه الأحداث؟
فالطالب اليوم لم يعد ينتظر نشرة الأخبار المسائية لكي يعرف ما يحدث. الخبر يصل إليه في هاتفه، وفي مقطع قصير، وفي منشور، وفي رسالة متداولة، وربما قبل أن يصل إلى أسرته أو معلمه. وقد يشاهد صورة أو فيديو أو يسمع تفسيرًا لحدث ما، ثم يبني فهمه عليه دون أن يعرف مصدره أو مدى صحته.
وهنا تبدأ مسؤولية المدرسة.
ليس المطلوب أن تتحول المدرسة إلى منصة سياسية أو غرفة أخبار، ولا أن يعيش الطالب تفاصيل الصراعات والأزمات بما يفوق عمره وقدرته على الاستيعاب، وإنما المطلوب أن نساعده على فهم العالم الذي يعيش فيه، وأن نقدم له المعلومة الصحيحة في وقتها، وباللغة المناسبة لعمره، ومن مصدر موثوق، وبأسلوب يبعث على الفهم والطمأنينة والمسؤولية.
وهذا الدور لا تستطيع وزارة التعليم أن تقوم به وحدها، كما أن وزارة الإعلام لا تستطيع أن تقوم به منفردة. نحن أمام مسؤولية مشتركة؛ فالإعلام يمتلك المعلومة والخبرة الاتصالية، والتعليم يمتلك البيئة التي تستطيع أن تحول المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى وعي وسلوك مسؤول.
لقد قطعت وزارة التعليم خطوات في مجالات المواطنة الرقمية والتفكير الناقد والتعامل الواعي مع مصادر المعلومات، لكن الأحداث المتسارعة من حولنا تجعلنا بحاجة إلى الانتقال من المفهوم إلى الممارسة، ومن الحديث عن الوعي الإعلامي إلى ممارسته داخل المدرسة بصورة مستمرة.
لماذا لا يكون هناك تعاون مؤسسي مستمر بين وزارتي التعليم والإعلام لإنتاج محتوى معرفي قصير ومناسب للطلاب حول الأحداث الكبرى التي تمس المملكة أو المنطقة؟
محتوى يجيب عن أسئلة بسيطة لكنها مهمة:
ماذا حدث؟ ولماذا؟
ما أثره على المملكة؟
ماذا فعلت الجهات المختصة؟
أين نحصل على المعلومة الصحيحة؟
كيف نميز الخبر من الشائعة؟
وكيف يتصرف الطالب بصورة صحيحة ومسؤولة عندما يواجه حدثًا أو معلومة متداولة؟
هذه الأسئلة يمكن أن تقدم للطالب دون الدخول في التفاصيل العسكرية أو السياسية المعقدة، ودون تهويل أو إثارة، وإنما باعتبار المدرسة مؤسسة لبناء الوعي.
ولماذا لا نستفيد من منصة مدرستي وغيرها من المنصات التعليمية في تقديم فقرة أسبوعية ثابتة تحت عنوان مثل: «أحداث حولنا» أو «نقرأ العالم»؟
فقرة قصيرة تقدم للطلاب أهم حدث أو حدثين يستحقان المعرفة، وتشرح أثرهما بصورة مبسطة، وتربطهما بمفاهيم الجغرافيا والاقتصاد والمواطنة والأمن والإعلام والتفكير الناقد. لكن الأمر لا ينبغي أن يتوقف عند المنصة.
يمكن أن تكون هناك فقرة أسبوعية في الطابور الصباحي، يقدمها المعلم أو فريق من الطلاب، تشرح حدثًا مهمًا بلغة مناسبة للمرحلة العمرية. ويمكن أن تمتد الفكرة إلى داخل الحصص؛ ففي الجغرافيا يمكن مناقشة موقع الحدث وتأثيره على طرق التجارة، وفي الاقتصاد يمكن تناول أثر اضطراب الطاقة أو النقل، وفي الدراسات الاجتماعية يمكن فهم السياق الإقليمي، وفي المهارات الرقمية يمكن تدريب الطالب على التحقق من الخبر ومصدره.
وعندما يكون الحدث كبيرًا أو يمس أمن المملكة بصورة مباشرة، فلا ينبغي أن ننتظر موعد الفقرة الأسبوعية، بل يجب أن تكون هناك استجابة معرفية سريعة تقدم للطلاب الصورة الصحيحة قبل أن تملأ الشائعات الفراغ.
وهنا يأتي الدور المهم لوزارة الإعلام.
فكما أن حماية المجتمع في أوقات الأزمات لا تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية، فإن حماية وعي المجتمع لا ينبغي أن تترك للمصادر غير الرسمية. نحن بحاجة إلى محتوى إعلامي مخصص للطلاب، تنتجه الجهات المختصة بالتعاون مع التربويين، يشرح الحدث دون تهويل، ويقدم الحقائق دون إثارة، ويضع المعلومة في سياقها، ويعلم الطالب في الوقت نفسه كيف يفكر في الخبر، وليس فقط ماذا يصدق.
وهذا مهم جدًا؛ لأن ما يجري اليوم ليس صراعًا على الأرض فقط، وإنما هناك أيضًا صراع على المعلومة.
فالطالب الذي لا يجد المعلومة الصحيحة من مصادر موثوقة سيبحث عنها في مكان آخر، وقد يجد أمامه عشرات الروايات المتناقضة؛ بعضها صحيح، وبعضها ناقص، وبعضها مضلل. ولذلك فإن ترك الطالب وحده أمام هذا التدفق الهائل من المعلومات يعني ترك فراغ معرفي يمكن أن تملأه الشائعة أو المعلومة المبتورة.
ومن هنا يجب ألا نكتفي بتعليم الطالب كيف يتلقى المعلومة، بل نعلمه أيضًا كيف يتصرف بها.
ألا يعيد نشر خبر لم يتحقق منه.
ألا يشارك صورة أو مقطعًا مجهول المصدر.
أن يعرف أين يبحث عن المعلومة الرسمية.
أن يحافظ على هدوئه عند الأزمات.
أن يلتزم بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة.
وأن يدرك أن المواطن الواعي لا يزيد الأزمة انتشارًا بالخوف والشائعة، بل يساهم في حماية مجتمعه بالمسؤولية والوعي.
والأهم من ذلك ألا تكون هذه الجهود موسمية.
لا نريد أن نتذكر وعي الطلاب عندما تقع أزمة ثم نعود بعدها إلى الصمت. نريد أن يصبح فهم ما يحدث حولنا جزءًا من الثقافة المدرسية المستمرة؛ فقرة أسبوعية، ومحتوى رقمي، وحوارات صفية، وأنشطة بحثية، ومشروعات طلابية، وتدريب للمعلمين على كيفية تناول الأحداث بما يتناسب مع كل مرحلة عمرية.
فالطفل في المرحلة الابتدائية لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه طالب المرحلة الثانوية، وطالب الثانوية يمكن أن يناقش الأبعاد الاقتصادية والجغرافية والإعلامية للحدث بصورة أعمق. والهدف في كل مرحلة ليس نقل القلق إلى الطالب، وإنما بناء قدرته على الفهم والتعامل الواعي مع العالم من حوله.
إن بناء الطالب لا يعني أن نعلمه ما يحدث داخل الكتاب فقط، وإنما أن نساعده على فهم العالم الذي سيعيش فيه عندما يغادر المدرسة.
وعندما يعرف الطالب أن استهداف منشأة حيوية قد تكون له آثار على الطاقة والنقل والاقتصاد، وأن اضطراب الملاحة قد ينعكس على التجارة، وأن الشائعة قد تثير الخوف أكثر من الحدث نفسه، وأن وراء كل خبر مصدرًا يجب التحقق منه، فإنه لا يصبح مجرد متلقٍ للأخبار، بل يتحول إلى مواطن واعٍ يستطيع أن يفهم وطنه والعالم من حوله.
إن أبناءنا ليسوا بمعزل عن الأحداث، وهم يرون ويسمعون ويتابعون. والسؤال لم يعد: هل سيعرفون ما يحدث؟ فهذه المعرفة ستصل إليهم بطريقة أو بأخرى.
السؤال الحقيقي هو:
من سيشرح لهم ما يحدث؟
هل نترك هذه المهمة لمقطع مجهول المصدر، أو حساب في منصة اجتماعية، أو رسالة متداولة؟
أم تقوم بها المدرسة، بالتعاون مع الإعلام، وبمعلومة موثوقة، ولغة تربوية، وعقلية ناقدة، وفي الوقت المناسب؟
إن ما يحدث حولنا يجب ألا يصل إلى أبنائنا على هيئة خوف وشائعات وصور متداولة، بل على هيئة معرفة، وفهم ووعي ومسؤولية.
وهنا ربما تكون الحاجة أكبر من مجرد درس أو حملة؛ إنها حاجة إلى مشروع وطني للتوعية بالأحداث الجارية وبناء الوعي الإعلامي لدى الطلاب، تشترك فيه وزارتا التعليم والإعلام، وتدعمه المنصات التعليمية، وتشارك فيه المدارس والمعلمون والطلاب وأولياء الأمور.
مشروع يجعل الطالب يعرف أن وطنه جزء من عالم متغير، وأن فهم ما يحدث من حوله ليس ترفًا معرفيًا، بل جزء من المواطنة الواعية.
فالوطن الآمن لا يحتاج فقط إلى مواطن يحبه، بل إلى مواطن يفهم ما يدور حوله، ويعرف كيف يتلقى المعلومة، وكيف يتحقق منها، وكيف يتصرف عندما تتغير الظروف.
فهل نبدأ بتعليم أبنائنا كيف يقرأون العالم قبل أن يقرأ العالم أبناءنا؟.