د. بندر خلف الحارثي
ليس السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: كم تنفق الدولة على جامعاتها؟
بل السؤال الأكثر أهمية: كم تستطيع جامعاتنا أن تنتج من قيمة علمية واقتصادية واجتماعية مقابل ما يُنفق عليها؟
هذه ليست دعوة إلى تحويل الجامعات إلى شركات تجارية، ولا إلى التعامل مع التعليم باعتباره سلعة تُباع لمن يدفع أكثر. الجامعة في جوهرها مؤسسة معرفية ورسالتها أعمق من الربح المباشر. لكن ذلك لا يعني أن تظل الجامعة مؤسسة استهلاكية تعتمد بصورة شبه كاملة على التمويل الحكومي، بينما تمتلك في الوقت نفسه أصولًا ضخمة، وعقولًا علمية، ومختبرات، ومراكز بحثية، وحقوقًا فكرية، وعلاقات واسعة مع القطاع الخاص، وملايين الساعات من الخبرة الأكاديمية التي يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية.
الجامعة الحديثة لا ينبغي أن تكون مجرد مكان يُنفق عليه؛ بل مؤسسة قادرة على إنتاج جزء معتبر من مواردها بنفسها. وهنا تبدأ الحاجة إلى عقلية استثمارية جديدة في إدارة الجامعات السعودية.
لسنوات طويلة، ارتبطت إدارة الجامعة في كثير من الأحيان بمنطق الموازنة: كم خصص للجامعة؟ وكم تبقى من المخصص؟ وما حجم الإنفاق على المباني والرواتب والتشغيل؟
أما العقلية الاستثمارية فتبدأ من أسئلة مختلفة:
ما الأصول التي تمتلكها الجامعة ولا تستثمرها؟ ما المعرفة التي تنتجها ويمكن تحويلها إلى منتجات وخدمات؟
ما البرامج الأكاديمية التي يمكن تطويرها لتصبح برامج نوعية ذات عائد؟
كم يمكن أن تحقق الجامعة من التعليم التنفيذي والتدريب والاستشارات؟
ما حجم التمويل البحثي الذي يمكن جذبُه من الشركات والمؤسسات؟
كم براءة اختراع يمكن تحويلها إلى منتج؟
كم شركة ناشئة يمكن أن تخرج من مختبرات الجامعة؟
وكم ريالًا يمكن أن يعود إلى الجامعة من استثمار أصولها العقارية؟
هذه الأسئلة تنقل الجامعة من ثقافة الإنفاق إلى ثقافة العائد، ومن إدارة الموارد إلى إدارة الأصول، ومن انتظار التمويل إلى صناعة التمويل.
وهذا التحول ليس فكرة نظرية غريبة عن البيئة السعودية. فقد نصت ملامح نظام الجامعات الجديد صراحة على تمكين الجامعات من إيجاد مصادر تمويل جديدة، وتطوير برامج الأوقاف، والسماح بتأسيس الشركات الاستثمارية لتنمية مواردها المالية، إلى جانب تطوير نماذج تمويل تقلل الاعتماد على ميزانية الدولة.
المشكلة إذن ليست في غياب الفكرة، وإنما في سرعة تحويل الفكرة إلى نموذج إداري ومالي متكامل.
إذا نظرنا إلى الجامعة باعتبارها محفظة من الأصول، سنكتشف أنها تختلف عن معظم المؤسسات الحكومية التقليدية. فالجامعة تمتلك أراضي ومبانٍ ومرافق رياضية وقاعات ومختبرات ومراكز تدريب ومواقف ومطاعم وسكنًا طلابيًا، إضافة إلى أصول غير ملموسة أكثر قيمة: العلامة الأكاديمية، والسمعة، والباحثون، والبيانات، والبراءات، والخبرات، والعلاقات الدولية، وشبكات الخريجين.
لكن السؤال هو: هل تدار هذه الأصول باعتبارها أصولًا استراتيجية؟
في كثير من الحالات، ما زالت المسافة كبيرة بين امتلاك الأصل واستثماره. قد تمتلك الجامعة موقعًا استراتيجيًا داخل مدينة كبيرة، لكنها لا تستثمره إلا باعتباره مبنى أكاديميًا. وقد تمتلك كلية أعمال تضم عشرات الأساتذة والخبراء، لكنها لا تنتج من الاستشارات والتدريب والتعليم التنفيذي سوى جزء محدود من إمكاناتها. وقد تمتلك كلية هندسة مختبرات متقدمة، لكنها لا تعمل بالشكل الكافي مع الشركات لتطوير منتجات أو حلول قابلة للتسويق. وقد ينشر الباحث عشرات الأبحاث، لكن نسبة محدودة منها تتحول إلى براءات اختراع أو شركات ناشئة أو عقود بحثية.
هنا تحديدًا تظهر الفجوة بين الجامعة التي تمتلك الموارد والجامعة التي تستثمر الموارد.
إن العقلية الاستثمارية لا تعني أن تصبح الجامعة مؤسسة ربحية هدفها الأول تعظيم الإيرادات. فالجامعة الحكومية ستظل مؤسسة ذات رسالة وطنية، ومسؤولة عن إتاحة التعليم، وإنتاج المعرفة، وخدمة المجتمع، وإعداد رأس المال البشري.
لكن الفرق أن الجامعة يمكن أن تقوم بهذه الأدوار بكفاءة مالية أعلى. فبدل أن تنفق الجامعة مليون ريال على أصل ثم تظل تدفع تكاليف تشغيله وصيانته، يمكن أن تبحث عن نموذج يجعل الأصل يحقق دخلًا مستدامًا. وبدل أن تنفق على مركز تدريبي لا يعمل إلا جزءًا من العام، يمكن أن يتحول المركز إلى منصة للتعليم التنفيذي والتدريب المهني طوال العام. وبدل أن يبقى المختبر منشأة علمية مغلقة، يمكن أن يصبح شريكًا للشركات في البحث والتطوير.
وبدل أن تبقى المعرفة حبيسة الأوراق العلمية، يمكن تحويل جزء منها إلى براءات اختراع وحلول تقنية وشركات ناشئة.
الهدف ليس أن تربح الجامعة من التعليم، وإنما أن تستثمر الجامعة كل ما لديها حتى يصبح التعليم والبحث والابتكار مصادر لصناعة قيمة جديدة.
- حلول مبتكرة للاستثمار
أحد أهم التحولات المطلوبة هو إنشاء ذراع استثماري احترافي لكل جامعة، يعمل وفق قواعد الحوكمة والاستقلالية المالية، ويختلف في طبيعته عن الإدارة المالية التقليدية. شركة أو ذراع استثماري جامعي يمكن أن يدير: الأصول العقارية، المحافظ الاستثمارية، الشركات التابعة، الأوقاف، الشراكات مع القطاع الخاص، حقوق الملكية الفكرية، الشركات الناشئة، الاستثمارات في التقنيات الواعدة والمشاريع التعليمية والتدريبية.
لكن الأهم أن تكون هذه الذراع مهنية وليست بيروقراطية. فالاستثمار لا يمكن إدارته بعقلية المعاملة الحكومية التقليدية. لذا يجب أن يكون هناك مجلس إدارة متخصص، وسياسات واضحة للمخاطر، ومؤشرات أداء، ومراجعة مستقلة، ونشر سنوي للنتائج، وربط واضح بين الاستثمار والرسالة الأكاديمية.
من ناحية أخرى، تمتلك الجامعات السعودية مساحات واسعة من الأراضي في مواقع قد تكون استراتيجية اقتصاديًا. وهنا ينبغي الانتقال من مفهوم «أرض الجامعة» إلى مفهوم «محفظة الأصول الجامعية». ليس المطلوب بيع هذه الأراضي، بل يمكن تطويرها من خلال شراكات طويلة الأجل مع القطاع الخاص.
على سبيل المثال، يمكن إنشاء: مدن جامعية اقتصادية مصغرة تضم: فنادق، مراكز مؤتمرات، مكاتب للشركات، حاضنات أعمال، مراكز طبية، مطاعم ومقاهٍ، مراكز تدريب، سكنًا طلابيًا، مرافق رياضية، مراكز أبحاث مشتركة ومساحات للشركات الناشئة.
وتدخل الجامعة بالأرض والخبرة والاسم والموقع، بينما يدخل المستثمر بالتمويل والتطوير والتشغيل. وبذلك تتحول الأرض من أصل ساكن إلى أصل يولد تدفقات نقدية مستمرة.
وهذا المبدأ موجود بالفعل في البيئة التعليمية السعودية؛ إذ تتيح وزارة التعليم استثمار بعض الأراضي والمباني التعليمية والتجارية بعقود إيجار طويلة المدى، بما يعكس إمكانية توظيف الأصول التعليمية في نماذج استثمارية بحيث تصبح الجامعة أن تصبح أحد أهم المحركات الاقتصادية في المدينة التي توجد فيها.
وهنا لا نتحدث فقط عن الوظائف التي توفرها الجامعة، وإنما عن منظومة اقتصادية كاملة حول الجامعة.
جامعة في الطائف، على سبيل المثال، يمكن أن تكون محورًا لصناعة مرتبطة بالسياحة، والضيافة، والزراعة، والبيئة، والصحة، والتقنيات الزراعية، وغيرها من القطاعات التي تتميز بها المنطقة.
وجامعة في الرياض يمكن أن ترتبط بالتقنية والمالية والذكاء الاصطناعي. وجامعة في جدة يمكن أن تطور منظومات مرتبطة باللوجستيات والاقتصاد البحري والسياحة والخدمات. وجامعة في المنطقة الشرقية يمكن أن ترتبط بالطاقة والصناعة والهندسة والبتروكيماويات.
هنا تتحول الجامعة من مؤسسة تعليمية داخل المدينة إلى منصة اقتصادية للمدينة. وهذا هو جوهر التمايز الحقيقي بين الجامعات: أن تعرف الجامعة ما الذي يمكن أن تقدمه لمنطقتها، ثم تحول معرفتها إلى أثر علمي واقتصادي.
إن من أكبر فرص الجامعات السعودية المستقبلية تجارية المعرفة. ليس منطقيًا أن تستثمر الدولة مليارات الريالات في البحث العلمي، ثم يكون المنتج النهائي ورقة علمية فقط. البحث العلمي يجب أن يمر في سلسلة جديدة:
بحث براءة اختراع نموذج أولي شركة ناشئة استثمار منتج إيرادات.
وهذا النموذج مطبق بصورة واسعة في الجامعات العالمية. فجامعة ميشيغان، على سبيل المثال، سجلت في السنة المالية 2025 نحو 673 إفصاحًا عن اختراعات، و326 اتفاقية ترخيص وخيار، وأطلقت 31 شركة ناشئة، بينما بلغ حجم الإنفاق البحثي لديها نحو 2.16 مليار دولار.
والفكرة الأهم هنا ليست حجم الأرقام، وإنما وجود منظومة مؤسسية تربط البحث بالسوق. فالجامعة لا تكتفي بتمويل الباحث، بل تساعده على حماية الملكية الفكرية، ثم تطويرها، ثم ترخيصها أو تأسيس شركة حولها.
وهذا ما تحتاج إليه الجامعات السعودية بدرجة أكبر: الانتقال من اقتصاد النشر العلمي إلى اقتصاد المعرفة.
إضافة إلى ذلك، من أهم التحولات المطلوبة إعادة النظر في مفهوم عضو هيئة التدريس. في النموذج التقليدي، ينظر إلى الأستاذ باعتباره جزءًا من تكلفة التشغيل. أما في الجامعة الاستثمارية، فينظر إليه باعتباره أحد أهم أصول الجامعة المعرفية.
أستاذ متخصص في التسويق يمكن أن يقدم برامج تدريبية للشركات. وأستاذ في الإدارة يمكن أن يقدم استشارات استراتيجية. وأستاذ في الهندسة يمكن أن يعمل مع شركة صناعية لتطوير منتج. وأستاذ في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقود مشروعًا بحثيًا ممولًا من القطاع الخاص. وأستاذ في القانون يمكن أن يشارك في تطوير حلول تنظيمية للشركات والمؤسسات.
وهذا لا يعني تحويل الأستاذ إلى مستشار تجاري طوال الوقت، وإنما بناء نظام مؤسسي يسمح بتحويل جزء من الخبرة الأكاديمية إلى قيمة اقتصادية، مع حماية الوقت المخصص للتدريس والبحث. كما يعتبر سوق التعليم مدى الحياة سوقا واسعا لا تستفيد منه الجامعات بالقدر الكافي. فالشركات اليوم لا تحتاج فقط إلى خريجين جدد، وإنما تحتاج إلى إعادة تأهيل موظفيها بصورة مستمرة. وهنا يمكن للجامعات أن تقدم برامج تنفيذية، شهادات مهنية، برامج قصيرة.ك، برامج إعادة تأهيل، برامج للقيادات، برامج للذكاء الاصطناعي، برامج للتحول الرقمي، برامج مالية وإدارية، برامج متخصصة حسب احتياجات الشركات.
والأهم أن هذه البرامج يمكن أن تصمم بالشراكة مع الشركات نفسها. فبدل أن تقول الجامعة: «هذه هي البرامج التي نقدمها»، يمكن أن تسأل الشركات:
ما المهارات التي تحتاجون إليها خلال السنوات الثلاث القادمة؟ ثم تبني الجامعة برامجها على هذا الطلب. وهنا يتحول التعليم المستمر من نشاط جانبي إلى قطاع اقتصادي داخل الجامعة.
في الجامعات العالمية الكبرى، شبكة الخريجين ليست مجرد قاعدة بيانات. إنها رأس مال اجتماعي واقتصادي.
الخريج يمكن أن يكون شريكا وممولا ومقدمًا لفرص تدريب، ومصدرًا للعلاقات مع الشركات. ولهذا تحتاج الجامعات السعودية إلى بناء اقتصاد الخريجين.
يمكن إنشاء صناديق وقفية يمولها الخريجون، وصناديق لدعم الابتكار، ومنح بحثية، وكراسي علمية، وبرامج للطلاب، وحاضنات للشركات الناشئة.
وتوضح تجربة هارفارد أهمية هذا النموذج؛ إذ يشكل الوقف لديها مصدرًا رئيسيًا ومستدامًا لتمويل الجامعة، وقد بلغت توزيعات الوقف للسنة المالية 2025 نحو 2.5 مليار دولار، مثلت 37% من إيرادات الجامعة التشغيلية. وفي الوقت نفسه لم تعتمد الجامعة على الوقف وحده، بل جمعت بين التعليم والبحث العلمي والمنح والتبرعات ومصادر أخرى. وهنا درس مهم جدًا وهو الاستدامة المالية لا تأتي من مصدر واحد، حتى لو كان كبيرًا.
كما أن الوقف الجامعي يجب أن يعود بقوة حيث يعتبر من أكثر الأدوات ملاءمة للجامعات السعودية. لكن الوقف الجامعي يحتاج إلى أن يتحول من مفهوم تقليدي إلى مؤسسة استثمارية احترافية طويلة الأجل. يمكن أن يكون لكل جامعة وقف كبير متعدد المحافظ: وقف للبحث العلمي.، وقف للمنح الدراسية، وقف، للكراسي العلمية، وقف للابتكار، وقف للبنية التحتية، وقف لدعم الطلاب، وقف عام للجامعة. وتُستثمر أصول الوقف بطريقة مهنية، ثم يستخدم جزء من العوائد سنويًا في تمويل الجامعة.
بهذه الطريقة لا يذهب المال بالكامل إلى الإنفاق؛ بل يتحول جزء من الإنفاق إلى رأس مال يولد دخلاً في المستقبل.
كما أن القطاع الخاص لا ينبغي أن تتعامل معه الجامعة باعتباره جهة تقدم تبرعات. إن العلاقة الأكثر نضجًا هي الشراكة الاستثمارية والمعرفية. شركة طاقة تمول مركز أبحاث متخصصًا. شركة تقنية تنشئ مختبرًا داخل الجامعة. شركة صناعية تشارك في إنشاء برنامج أكاديمي. شركة صحية تطور مركزًا بحثيًا مع كلية الطب. بنك يمول مختبرًا للذكاء الاصطناعي المالي. شركة سياحية تشارك في تطوير برامج السياحة والضيافة. بهذه الطريقة يصبح القطاع الخاص جزءًا من منظومة الجامعة، وليس مجرد ممول خارجي.
وتقدم جامعة ميشيغان مثالًا واضحًا على أهمية هذه العلاقة؛ ففي 2025 بلغ التمويل غير الحكومي، بما في ذلك دعم الشركات والمؤسسات، 213 مليون دولار، كما أسهمت شراكاتها البحثية في تطوير منظومة الابتكار والشركات الناشئة.
** **
أستاذ إدارة الأعمال - جامعة الطائف